لماذا ينجو بعض الناس من الخداع؟
لأن الحقيقة لا تحتاج إلى صوت أعلى .. بل إلى عقل يعرف كيف يصغي
كتب: عبدالله العميره
ليس كل الناس يُخدعون.
وليست كل العقول تُستدرج بالشائعة.
وليست كل النفوس تُقاد بالخوف، أو بالغضب، أو بالإثارة.
هناك أناس يمرون وسط الضجيج
ثم يبتسمون، ويقولون بهدوء:
"دعونا نتحقق أولًا."
من أين جاءت هذه القدرة؟
هل هي ذكاء؟
أم تعليم؟
أم خبرة؟
أم أنها عادة عقلية يمكن لأي إنسان أن يبنيها؟
هذا السؤال قد يكون أهم من السؤال التقليدي:
لماذا تنتشر الشائعات؟
لأن الشائعة، في النهاية، لا تعيش بقوتها
بل تعيش بما نجده نحن فيها.
كل يوم، تتنافس آلاف الرسائل على الوصول إلى عقولنا.
بعضها يحمل الحقيقة.
وبعضها يحمل نصف الحقيقة.
وبعضها لا يحمل إلا الوهم.
ومع ذلك، لا تستقر جميعها في المكان نفسه.
فالعقل الواعي لا يستقبل كل ما يسمعه بالطريقة ذاتها.
إنه يتوقف.
يسأل.
ويقارن.
ويبحث.
ثم يقرر.
وهنا يبدأ الفارق بين عقل يقوده الخبر
وعقل يقود الخبر.
من السهل أن نتهم الكاذب.
لكن الأصعب
أن نسأل سؤالًا أكثر عمقًا:
لماذا وجد الكاذب من يصدقه؟
فلو لم يجد الوهم عقلًا مستعدًا لاستقباله
لمات في لحظته الأولى.
ولهذا لا تبدأ الشائعة عند من كتبها.
بل عند من استقبلها دون أن يمنح عقله فرصة للتفكير.
ولعل أكثر ما يدهش علماء النفس أن الإنسان لا يصدق المعلومات دائمًا لأنها صحيحة.
بل لأنه يحتاج إليها.
فالمعلومة التي توافق خوفه
تجد بابًا مفتوحًا.
والتي توافق غضبه
تدخل بسهولة.
والتي توافق انتماءه
تكاد تصبح حقيقة قبل أن يقرأ دليلها.
أما الحقيقة التي تخالف ما اعتاد عليه
فإنها كثيرًا ما تواجه مقاومة، حتى لو جاءت محملة بالأدلة.
ولهذا لا يكون الصراع الحقيقي بين الحقيقة والكذب.
بل بين الرغبة ..والبرهان.
فالإنسان لا ينتصر عندما يجد جوابًا يعجبه.
بل عندما يملك الشجاعة ليغير رأيه إذا تغيّر الدليل.
وهذه من أصعب صور النزاهة الفكرية.
وربما لهذا السبب، استطاع كثير من المشعوذين، والمحتالين، والدجالين، عبر التاريخ، أن يجدوا من يتبعهم.
لم يكونوا دائمًا أكثر علمًا.
لكنهم كانوا أكثر قدرة على مخاطبة الرغبات، واستغلال المخاوف، وتقديم إجابات سهلة لأسئلة معقدة.
أما الحقيقة
فنادراً ما تعد الناس بما يريدون سماعه.
بل تدعوهم إلى التفكير فيما يحتاجون إلى معرفته.
لكن هنا تظهر أجمل الأخبار.
العقل ليس قدرًا ثابتًا.
إنه مهارة.
وكل مهارة يمكن أن تُنمّى.
فالإنسان الذي يتعلم أن يسأل قبل أن يحكم
ويتحقق قبل أن ينشر
ويستمع قبل أن يغضب
لا يصبح أقل تصديقًا للناس.
بل يصبح أكثر احترامًا للحقيقة.
ولهذا، فإن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به المجتمعات ليس في محاربة كل شائعة على حدة.
بل في بناء إنسان يصعب خداعه.
إنسان لا يخاف من السؤال.
ولا يخجل من قول:
"لا أعلم."
لأن هذه العبارة ليست ضعفًا
بل بداية كل معرفة حقيقية.
وحين يصبح التفكير عادة
يتغير كل شيء.
يتغير الإعلام.
ويتغير الحوار.
وتتغير المدارس.
وتتغير الأسرة.
ويصبح الاختلاف طريقًا لاكتشاف الحقيقة، لا سببًا للخصومة.
وعندها، لا يعود المجتمع بحاجة إلى أن يطارد كل إشاعة.
لأن الشائعة نفسها ستجد الأبواب مغلقة.
النهاية
ربما لن نستطيع أن نمنع كل كاذب.
ولن نستطيع أن نوقف كل شائعة.
لكننا نستطيع أن نبني جيلاً
يعرف أن الحقيقة ليست ما يوافق مشاعره دائمًا.
بل ما يصمد أمام السؤال.
وأجمل المجتمعات
ليست تلك التي لا تسمع الشائعات.
بل تلك التي لا تمنحها عمرًا طويلًا.
فالحقيقة لا تنتصر لأنها أعلى صوتًا.
بل لأنها تجد، في النهاية، عقولًا اختارت أن تفكر قبل أن تصدّق.
__________
الصورة : منظور آخر
ليس كل ما يتجه إليه الجميع هو الطريق الصحيح، وليس كل باب يلمع يقود إلى الحقيقة. فالخداع لا يخفي الحقيقة بقدر ما يلفت الأنظار بعيدًا عنها، والنجاة تبدأ حين يلتفت أحدهم إلى الاتجاه الصحيح.
قد يستحضر بعض المشاهدين المثل الشعبي: "حشر مع الناس عيد"، أو الصيغة الأخرى: "حشر مع الناس جنة". لكن اللوحة لا تنتقد السير مع الجماعة في ذاته، فالسير مع الناس ليس خطأً دائمًا؛ فالإنسان يتعلم ويعيش داخل مجتمع. إنها تنتقد شيئًا آخر: التخلي عن النظر والتفكير.
في هذه اللوحة لا يهرب الرجل من الناس، ولا يحاول إثبات أنه أكثر ذكاءً منهم، ولا يقف ليعلن أنهم مخطئون. كل ما فعله أنه لاحظ بابًا آخر لم ينتبه إليه الآخرون.
وهنا يكمن الفرق.
فثقافة القطيع ليست أن تكون مع الجماعة، بل أن تتوقف عن فحص الطريق لأن الجميع يسيرون فيه.
ولعل هذا هو الجواب الأقرب لسؤال المقال:
لماذا ينجو بعض الناس من الخداع؟
لأنهم لا يرفضون اتباع الناس، ولا يعشقون مخالفتهم، بل يفحصون الطريق قبل أن يسيروا فيه.