حين تموّل الدول القصص
ليست الميزانيات أموالًا .. بل لكتابة المستقبل
كتب: عبدالله العميره
حين تُعلن دولة عن ميزانية جديدة، ينشغل كثيرون بالأرقام.
كم بلغت؟
وكم زادت؟
وأين ستُنفق؟
لكن قلّة فقط تسأل السؤال الأهم:
أي قصة تريد هذه الدولة أن تكتبها؟
فالميزانيات ليست دفاتر محاسبية فحسب.
إنها، في جوهرها، إعلان عن رؤية، وتحديد لأولويات، ورسم لمستقبل لم يولد بعد.
ولذلك فإن الدول العظيمة لا تموّل المشاريع وحدها..
بل تموّل القصص التي سترويها تلك المشاريع بعد سنوات.
منذ عام 2017، بدت المملكة العربية السعودية وكأنها تدخل مرحلة مختلفة من تاريخها الحديث.
لم يكن المشهد مجرد إطلاق مشاريع كبرى، أو إعادة هيكلة مؤسسات، أو تحديث للأنظمة.
بل كان هناك مسار أعمق يتشكل بهدوء.
مسار يقوم على بناء الإنسان بالتوازي مع بناء المكان.
فالمدينة لا تصبح أكثر حياةً لأن أبراجها ارتفعت.
ولا لأن طرقها اتسعت.
بل لأن الإنسان الذي يعيش فيها أصبح أكثر قدرة على التعلم، والإبداع، والعمل، والإنتاج، والثقة بالمستقبل.
ولهذا جاءت مشاريع جودة الحياة، والثقافة، والرياضة، والتعليم، والسينما، والابتكار، إلى جانب مشاريع البنية التحتية والاقتصاد والصناعة، باعتبارها أجزاءً من قصة واحدة، لا ملفات متفرقة.
لكن التاريخ يعلمنا حقيقة لا تقل أهمية.
كل نهضة كبيرة تجذب نوعين من البشر.
من يرى في المشروع فرصةً للبناء.
ومن يراه فرصةً للغنيمة.
وهذه ليست خصوصية لدولة بعينها، بل سنة رافقت معظم التجارب التنموية الكبرى.
فكلما اتسعت حركة البناء، ازدادت الحاجة إلى يقظة تحميها.
ولهذا فإن مكافحة الفساد ليست معركة جانبية تعطل التنمية، بل هي أحد شروط استمرارها.
لأن المال العام لا يفقد قيمته عندما يُسرق فقط.
بل يفقد قيمته أيضًا عندما يُدار بعقل لا يدرك حجم المسؤولية.
وفي مراحل التحول الكبرى، قد يقع بعض المسؤولين في وهم خطير.
يظنون أن نجاح المشروع، أو ارتفاع الإيرادات، أو كثرة الإنجازات، يمكن أن تخفف من وزن التجاوزات.
لكن الدول التي تخطط للمستقبل لا تقيس المسؤول بعدد المشاريع التي أنجزها وحدها.
بل بالطريقة التي أنجزها بها.
فالنجاح لا يصنع حصانة.
بل يضاعف المسؤولية.
ومن هنا جاءت الرسالة السعودية واضحة منذ البداية:
لا حصانة لأحد.
لأن حماية المشروع تبدأ بحماية نزاهته.
وفي المقابل، لا تقل خطورة عقلية أخرى.
عقلية ترى أن الكفاءة تعني إعادة فائض الميزانية في نهاية العام، وكأن التنمية تقاس بما لم يُصرف.
والحقيقة أن المال العام لم يُخصص ليبقى في الحسابات.
ولم يُخصص ليجد طريقه إلى الجيوب.
بل خُصص ليصنع أثرًا عامًا.
فالريال الذي يعود إلى الخزينة أفضل من الريال الذي يُهدر أو يُختلس.
لكن الأفضل من الاثنين..
هو الريال الذي يصنع مدرسة، أو مختبرًا، أو شركة، أو فيلمًا، أو فرصة عمل، أو فكرة تغير حياة الناس.
فالتنمية ليست اقتصادًا في الإنفاق.
بل كفاءة في صناعة الأثر.
ولهذا تبدو بعض المشاريع، للوهلة الأولى، بعيدة عن الاقتصاد.
مسرح.
متحف.
مهرجان.
صندوق لدعم الأفلام.
حديقة.
ممشى.
برنامج للهوايات.
لكن هذه المشاريع، في حقيقتها، ليست إنفاقًا على الترف.
بل استثمار في الإنسان.
لأن الأمم لا تُنافس في المستقبل بما تملكه من النفط أو الإسمنت وحدهما.
بل بما تملكه من عقل مبدع، وضمير حي، وإنسان قادر على تحويل الفرصة إلى إنجاز.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس نقص المال.
بل نقص الإنسان الذي يعرف كيف يستخدم المال.
ولهذا فإن الاستثمار في جودة العقل، والثقافة، والتعليم، والابتكار، لا يقل أهمية عن الاستثمار في المصانع، والموانئ، والطرق، والطاقة.
فالإنسان هو المشروع الذي سيحمي جميع المشاريع الأخرى.
بعد سنوات طويلة، قد ينسى الناس قيمة الميزانيات.
وقد تختفي أرقامها من الذاكرة.
لكنهم سيتذكرون القصص التي صنعتها.
سيتذكرون مدينة غيّرت حياة سكانها.
وموهبة وجدت فرصتها.
وفيلمًا حمل ثقافة وطن إلى العالم.
وباحثًا وجد مختبرًا يؤمن بفكرته.
وشابًا وجد بيئة جعلته يحلم أكبر.
فالميزانيات تنتهي بانتهاء عامها المالي.
أما القصص التي تصنعها...
فقد تبقى لأجيال.
ولهذا..
ليست كل الميزانيات أموالًا.
بعضها يكتب المستقبل.