هل ينجح الأدب في كشف وجع المثقف العربي؟
قراءة نقدية للدكتور حمادي المسعودي ( أكاديميّ - جامعة القيروان في تونس ) في رواية "مايا... حكاية الوجع المكتوم" للدكتور لطفي دبيش، تكشف كيف يتحول السرد الروائي إلى مرآة لأزمات التعليم والحرية والفساد وأسئلة الإصلاح في العالم العربي.
مقدمة BETH
تنشر وكالة BETH هذه القراءة النقدية للدكتور حمادي المسعودي، الأكاديمي بجامعة القيروان في تونس، والتي تناول فيها رواية "مايا... حكاية الوجع المكتوم" للدكتور لطفي دبيش، أستاذ التعليم العالي بجامعة تونس ومدير كرسي الألكسو محمد السويسي للدراسات الحضارية وتاريخ العلوم والتواصل الثقافي.
وقد نُشر المقال في موقع العربي الجديد، ويقدم قراءة تتجاوز الجانب الأدبي، لتناقش علاقة الرواية بأسئلة المثقف العربي، والتعليم، والحرية، والإصلاح، وحدود الحلم في مواجهة الواقع.
عرض مختصر
يرى الكاتب أن الرواية لا تكتفي بسرد حكاية شخصياتها، بل تجعل من كل شخصية حكاية مستقلة تعكس وجهاً من أوجاع المثقف العربي.
ويتوقف المقال عند عدة محاور رئيسية، أبرزها:
- البناء السردي المتماسك للرواية.
- توظيف النصوص الدينية والشعرية داخل السرد.
- حضور الحلم بوصفه أداة نقد للواقع.
- تقنية التوازي بين "مدينة الزهور" و"مدينة الأشواك".
- العلاقة بين الظاهر والباطن في بناء الدلالة.
- فشل مشاريع الإصلاح بوصفه أحد أهم الأسئلة التي تطرحها الرواية.
ويخلص الكاتب إلى أن الرواية تتحول من عمل أدبي إلى مساحة للتأمل في الواقع العربي، حيث يصبح الحلم بالإصلاح أطول من الطريق إليه.
النص الكامل
أوجاع المثقّف في رواية "مايا حكاية الوجع المكتوم"
تنوَّعتِ الموضوعات والمسائل والسّجلاّت اللّغويّة وأساليب الكتابة، من سردٍ، ووصفٍ، وتعيينٍ، وحوار...، في رواية "مايا حكاية الوجع المكتوم" للدكتور لطفي دبيّش، أستاذ التعليم العالي في جامعة تونس، صاحب مؤلّفات: "الإنسان والمكان في الثقافة العربيّة"، و"التّواصل الحضاريّ في الثقافة العربيّة"، والذي يشغل حاليّاً منصب مدير كرسي الألكسو محمّد السويسي للدراسات الحضاريّة وتاريخ العلوم والتواصُل الثقافيّ.
تَتألَّف الروايةُ من إحدى وثمانين ومائتَيْ صفحة، ظهرت في طبعتها الأولى في شهر كانون الثاني/ يناير من العام 2026. هي رواية ناقدة، عالَجت مجموعةً من المسائل الشائكة التي يعيشها المثقّفُ التونسي في مجالاتٍ عدّة: التّربية والتعليم، مظاهر التخلُّف، تفشّي الفساد والفوضى، حريّة الإنسان، الشأن الدّيني، وضعيّة المؤسّسات التعليميّة، وضعيّة المُدرِّسين... وهي مشكلات يَعيشها المثقّف العربي، وتَعكس أوجاعَه وهمومَه وقلقَه وحيرتَه.
تَراكبتِ النّصوصُ فصارتِ الروايةُ جماع نصوصٍ (طبقات نصيّة) استُحضرت من نصوصٍ قديمة وحديثة: الكتاب المقدّس، القرآن الكريم، الحديث النّبوي، الأمثال، الشعر قديمه وحديثه، ومن الشعر ما حُوّل إلى أغانٍ غنّاها أشهر المُطربين في عالَمِنا العربي. إنّ من شأن هذه الاقتباسات المتنوّعة أن تُغني النصَّ الروائيّ وتُنشِّطَ ذهنَ القارئ وذاكرتَه.
الاتّساق
تَوافرت في رواية "مايا حكاية الوجع المكتوم" جميع العناصر الفنيّة التي تَقتضيها الكتابةُ الروائيّة أو الإبداع الأدبي الرّوائي، لغةً وأسلوباً وفنّاً قصصيّاً وعناصرَ تشويق، تصريحاً تارة وتلميحاً أطواراً، على الرّغم من أنّ المؤلِّف لم يَسبق له أن جَرّب الإبداعَ الرّوائيّ أو الكتابة القصصيّة. وعلى الرّغم من ذلك توالَت أحداثُ الرواية في انسجامٍ تامّ يَربطها خيطٌ سرديّ ناظِم من البداية حتّى النهاية، علماً أنّ الإطارَ الروائيّ ضَمَّ في رَحمِه مجموعةً من القصص أو الحكايات؛ إذ كانت كلُّ شخصيّة تَحمل حكايةً أو قصّة، وكلّ حكاية تَروي همَّ صاحبها وأزمته النفسيّة، مع اختلاف الهموم باختلاف الشخصيّات. وكأنّنا برواية "مايا حكاية الوجع المكتوم" تُذكّرنا بما قاله ت. تودوروف Tzvetan Todorov في كتابه "شعريّة النثر" Poétique de la prose (ص87)، وبالتحديد في الفصل الموسوم بـ: "les hommes-récits" "ليس الإنسان سوى حكاية/ قصّة، وما أن يصير القصُّ غير ضروري يموت الإنسان"، ويعني به الشخصيّة الرّوائيّة.
لكنّ الاتّساق في السّرد لا يَنتهي عند حدّ الخَيط النّاظم الذي سَبق ذكره، لأنّ المؤلِّف أَحكم الحبكةَ القصصيّة بعنصرٍ ثانٍ تَمثّل في خطاب العشق/ الحبّ؛ فجميع الشخصيّات عاشَتِ العشق، وذاقَت حُلوه ومرّه، صفاءه وكَدره. ومَن لم يَتطعّمه في النثر (نصّ الرواية) تَطعّمه في الشعر المُستحضَر المحوَّل إلى أغانٍ رائعة. وما نلاحظه هنا هو هذا الانسجام الواضح بين العشق في النصّ النثري الرّوائي والنصّ الشعري القديم والحديث المُقتبَس عن وعيٍ ورويّة. لقد دَعَمَ المؤلِّف نصَّه الرّوائيّ بمقاطع شعريّة رائعة من عيون الشعر العربي القديم والحديث، وهذه المقاطع الشعريّة المُستحضَرة تَدعم جماليّةَ النّصّ النثري، وتُولِّد الإيقاعَ والغنائيّة فيه. ومن ضمن الشواهد المُستحضَرة ما ذكره زياد طبيب القلب متحدّثاً عن هند فوزي زوجته: "لم أعد أرى غير هند بتفاصيل التّفاصيل، تفاصيل جسمها الفاتن المغري وشعرها الأشقر المتدلّي على كتفيْها ورقبتِها الجميلة ذات البشرة البيضاء الورديّة. فتحتُ الباب فإذا بهند أمامي تفوح رائحتها بعطرٍ أعشقه، (...) أجمل نساء الكون أنتِ يا هند..." (الرواية ص252-253). ونقرأ من قصيدة "مايا" لنزار قبّاني من ديوان "الرسم بالكلمات":
النّهدُ مثلُ القائدِ العربيِّ يأمرني:
تقدَّمْ للأمام..
والفلفلُ الهنديُّ في الشفتيْن يهتف بي:
تقدَّمْ للأمام
والأحمرُ العنبيّ فوقَ أصابعِ القدميْن يَصرخُ بي:
تقدَّمْ للأمام.. (الرواية، ص253).
إنّه التناغُم والتجاوُب بين خطاب الجسد في النصّ النثري وخطاب الجسد في النصّ الشعري، والنصّان يتغنّيان بجمال الجسد وبإغراءاته وهو عارٍ، والعراء فتنة وسحر ودعوة إلى الأكل من المائدة. إنّ الكثير من المقاطع الروائيّة لا تعدو أن تكون احتفاءً واحتفالاً بالجسد الجميل الغاوي وبالعشق شِعراً ونثراً. وقد أضفت عليه المقاطع الشعريّة متعةً خاصّة وإيقاعاً مخصوصاً، ولاسيّما أنّ الشعر موصولٌ بالأحلام وبالخيال الخلاّق المُبدع، بل إنّ الأحلام من ابتداع التخييل. وهذا ما نجد صداه في الرواية، فالكثير من مقاطعها من خلقه وإبداعه، وقد قَرَنَ الناقدُ الفرنسي سانت بوف Saint-Beuve (1869 - 1804) الشعرَ بالحُلم في مقولته الشهيرة: "ليس الشعر أن تقول كلّ شيء، بل الشعر أن تَجعل النَّفسَ تحلم بكلّ شيء" (تصديرٌ ذَكره الأديب محمود المسعدي في "السّدّ"). وقد ركّز الرومانسيّون على الخيال والمشاعر في الخلق والإبداع الأدبي. وفي هذا المجال يُمكن أن نحيل القارئ إلى ديوان أبي القاسم الشابّي (1909 - 1934) وبخاصّة إلى قصيدة "فكرة الفنّان" التي قال فيها، وخصوصاً في مطلعها:
"عِشْ بالشّعور وللشعور فإنّما
دُنياك كونُ عواطفٍ وشعورِ
...فَتَعيش في الدنيا بقلبٍ زاخر
يقِظِ المشاعر حَالمٍ مسْحُورِ
في نشوةٍ صوفيّةٍ قُدُسيّة
هي خيرُ ما في العالَمِ المنظورِ".
إنّ المُتأمّل في رواية "مايا حكاية الوجع المكتوم" يُمكنه أن يتبيّن الحضور المكثّف لمصطلح الحُلم وللمقاطع الناهضة على الأحلام، بما في ذلك أحلام اليقظة (la rêverie)، فالرواية تَبدأ بمقطعٍ طويل متّصل بأحلام "وسيم كامل" الشخصيّة الرئيسة في الرواية، وتَنتهي بحلمٍ يتعلّق بإصلاح ما يوجد في البلاد من عطب. وحضور الحُلم في الرواية مؤكِّد للانتظام والاتّساق في هيكل الرواية أو بنيتِها.
تقنيّة التوازي: الظاهر والباطن
أ- مدينة الزهور.. القراءة المعكوسة
تبدأ الرواية بالكلام على مدينة الزُّهور التي تمثّل الفضاء الذي يعيش فيه وسيم كامل، الشخصيّة الرّئيسة في الرواية، ومَايا عشيقتُه الموظّفة في وكالة أسفار في المدينة. ابتدأت الرواية بأسلوبٍ وصفي يُعدِّد جمال المدينة وازدهارها في مختلف المجالات وتحضّرها، ومن أبرز المجالات الموصوفة في المدينة:
- البُعد المعماري: البنايات - الطرقات - النظام - النظافة...
- البُعد التجاري: وفرة السّلع - كثرة المنتوج - التنوّع - رخص الأسعار - عدم الغشّ - النظافة - حُسن المعاملة...
- التعليم: الجودة - الجدّيّة - الاجتهاد - توفير آليّات العمل - احترام رجال التعليم - الأجر المُحترم - الانسجام بين الأسرة التربويّة - النّزاهة والموضوعيّة في التقييم - تشجيع البحث العلمي.
بهذه الصّورة الجميلة وُصفت مدينة الزّهور، وواصفُها هو "وسيم كامل"، أستاذٌ جامعيٌّ مُختّص في علم النّفس. وقد تكرّر هذا الوصف الإيجابي مرّاتٍ عدّة. لكنّ المتعمّق في قراءة هذه المقاطع الوصفيّة يتبيّن أنّ هذه المحاسن والفضائل قد عبّر عنها ظاهرُ النّصّ فَأبرز الوجهَ جميلاً ومليحاً ومُفرحاً. لكنّ القفا نقيض ذلك، فهو قبيح ومُحزن لأنّ القراءة المعمّقة تتجاوز الظاهر والسّطح وما يبدو على الوجه من مفاتن وتجميل؛ ثمّ إنّ الظاهر يكون أحياناً مُضَلِّلاً، وقد يكون ما ذُكر من أشياء جميلة لا يَخرج عن كونه من إنتاج الحُلم والخيال الخلاّق، وقد كانا حاضرَيْن بكثافة في الرواية. لقد انتابت وسيم كامل حيرة قويّة بَعدما شاهدَ في "المدينة البديعة" التغييرَ المفاجئ الذي لم يَرَهُ فيها، لذلك تساءل: "هل أنا في اليقظة أم في المنام؟ شككتُ في الأمر، فلعلّي عُدتُ إلى النوم دون أن أشعر، أو لعلّ عقلي تدثّر بنوم اشتهاه ليلاً فحقّقة نهاراً... حيرتي تكبر وتكبر، رميتُ نظري هنا وهناك بعد أن ترجّلتُ في الطريق الرّئيسيّة المؤدّيّة إلى المدينة، لم أرَ حُفراً أو فضلات أو قذارة بلاستيكيّة... كلّ شيء مصمّم بعناية ومرتّب ترتيباً لم أعهده إلّا في بلاد الآخرين [...] أُغمض عيَني وأفتحها فأرى مباني شُيّدت وحدائق جُمّلت وطُرقات عُبّدت..." (ص26-27).
إنّ كلّ شيء تغيّر نحو الجنان والكمال، لكنّ التغيّر كان بين عشيّة وضُحاها، أو بين ليلة وصباحها... إنّه الحلم والخيال يصنعان فراديس الجمال والحور العين، وينشدان المفقود لأنّ الحقيقة لا تكمن في ظاهر النصّ، بل في الحفر في باطنه وفي أن تكون قراءة المشهد عكسيّة، وبهذه الطريقة يَصير المشهدُ مشهدَيْن متضادّيْن لا يلتقيان. إنّ جميع هذه المقاطع الواصفة لمدينة الزهور يُفضَّل أن تُقرأ قراءةً مضادّة لظاهر النّصّ، وبمثل هذه القراءة يمّحي الفَرق بين مدينة الزهور ومدينة الأشواك، فتصيران مدينةً واحدة يُطلب رقيّها وازدهارها، وقد كان مشروع "قائمة الأجيال الحالمة" الانتخابي يرمي إلى النهوض بمدينة الأشواك في جميع المجالات: التنمية والثقافة والتعليم والمجتمع (ص234).
ب- الظاهر في مدينة الأشواك يُعبّر عن الباطن
إنّ ما وَرد في الكلام على مدينة الأشواك مُناقض تماماً لما وُصفت به مدينة الزهور مثل تناقض الأشواك والأزهار، الفوضى، الصّخب، الأوساخ، فساد الأخلاق، السّرقة، التّهريب؛ يقول وسيم كامل: "مدينتُهم عجيبة غريبة جَعلتني شارداً تائهاً بأفكاري لا أصدّق ما أرى وما أسمع، لم أرَ مثل هذه الفوضى وهذا الضّجيج وهذه الأوساخ في حياتي [...] بيع وشراء وأوساخ [...] دخلتُ المطعم فصدمتني روائح لا عهد لي بها، بحثتُ عن حمّامٍ لغسل الأيدي قَبل الأكل فوجدتُ نفسي في مكانٍ قَذر تدخل إليه نظيفاً طاهراً فتَخرج منه متقزّزاً وسخاً. شبه صابون على الحوض يمرّ على جميع الأيادي من دون تمييز بينها فيُدنّسها ولا يُطهّرها" (الرواية ص58).
إنّ هذا الوجه الموصوف لمدينة الأشواك لم يُزيّنه الحلم والخيال، وهو أيضاً وجه مدينة الزهور لو لم يُجمّله الحلم والخيال. إنّ المدينتَيْن تمثّلان خطَّيْن متوازيَيْن يلتقيان في الباطن ويَختلفان في الظاهر.
والمُلاحظ في هذه الرواية أنّ مؤلّفَها بناها على تقنيّة التّوازي، وهذه التقنيّة حاضرة بكثافة في الكثير من المقاطع، ومن أبرز هذه المقاطع المشهدان الواصفان للمدينتَيْن، حيث يضمّ كلُّ مشهد مشاهدَ فرعيّة متضادّة. وتقنيّة التضادّ هذه مُستعملة عن وعيٍ لتُبرِز الفَرقَ الهائل بين الواقع الموجود والواقع المفقود والمنشود.
تُمثّل الروايةُ رحلةً طويلة بدأت ولم تَنته، عَرفت أثناءها جميعُ الشخصيات الآلام الموجعة، وانتهت الأحلامُ والآمالُ والأمنيات بالخَيبة. وقد عبّرت نهايةُ الرواية عن فشلِ جميع مجالات الإصلاح والتّصالح. وحتّى انتصار قائمة الأجيال الحالمة في الانتخابات السياسيّة لم يكُن نجاحاً في تغيير الأوضاع المُتردّية. ألم تفشل جميع محاولات الإصلاح التي ظهرت في القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من القرن العشرين؟ ثمّ ما هي مآلات ما نُعت بـ "الثورات العربيّة" أو بـ "الرّبيع العربي"؟ ألم تكُن النتائج خراباً وفوضى وتقهقراً؟ إنّ الرحلة طويلة وملأى بالأشواك، والتحدّيات كثيرة، والأمل في مستقبل مُزهر ضئيل وبعيد المدى...
الموضوع بالتعاون مع مؤسسة الفكر العربي
تحليل BETH
لا تتوقف أهمية هذه القراءة عند تقييم عمل روائي، بل تكمن في السؤال الذي تثيره حول وظيفة الأدب نفسه.
فهل يكتفي الأدب بسرد الحكايات، أم يستطيع أن يصبح أداة لفهم المجتمع وكشف ما تعجز التقارير السياسية والاجتماعية عن قوله؟
وفي هذا السياق، تبدو رواية "مايا... حكاية الوجع المكتوم" محاولة لقراءة الواقع العربي عبر الرمز والسرد، بينما يذهب المقال النقدي إلى تفكيك أدوات هذا البناء، رابطًا بين الحلم والواقع، وبين النص الأدبي وأسئلة الإصلاح والهوية.
ولهذا تتجاوز قيمة المقال حدود النقد الأدبي التقليدي، لتلامس نقاشًا أوسع حول دور المثقف، وقدرة الرواية على أن تكون مرآة للتحولات الاجتماعية والسياسية في العالم العربي.