من يُعقّد المفاوضات؟

news image

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – بث | B
إشراف : عبدالله العميره

 

عندما تتعثر المفاوضات لفترة طويلة، يتجه التفكير عادة إلى سؤال مباشر:

من يعرقل الاتفاق؟

أميركا؟

أم إيران؟

لكن السياسة نادرًا ما تكون بهذه البساطة.

ففي كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في غياب الاتفاق، بل في اختلاف شكل الاتفاق الذي يريده كل طرف.

وهنا تبدأ منطقة الغموض.

هل أميركا هي من يعقّد المشهد؟

من زاوية معينة، يبدو أن واشنطن تريد اتفاقًا.

لكن ليس أي اتفاق.

هي تريد اتفاقًا يمكن تقديمه داخليًا بوصفه:

نجاحًا سياسيًا

وانتصارًا استراتيجيًا

وضمانة أمنية لإسرائيل

ومدخلًا لترتيبات إقليمية جديدة.

وهذا يرفع سقف التوقعات ويجعل الوصول إلى اتفاق سريع أكثر صعوبة.

أم أن إيران هي من يعقّد المفاوضات؟

من زاوية أخرى، تبدو طهران وكأنها تشتري الوقت.

فهي تريد:

تخفيف الضغوط

والحفاظ على أوراق القوة

وتجنب تقديم تنازلات جوهرية قد تُفسَّر داخليًا على أنها هزيمة.

لذلك تبدو أحيانًا قريبة من الاتفاق

ثم بعيدة عنه.

وقريبة من التسوية

ثم عائدة إلى التعقيد.

أم أن الطرفين يحتاجان إلى التعقيد؟

هنا يظهر السؤال الأكثر إثارة.

ماذا لو أن جزءًا من التعقيد مقصود أصلًا؟

ليس بالضرورة عبر اتفاق سري.

بل لأن التعقيد يخدم الطرفين في بعض المراحل.

أميركا تحتاج إلى استمرار الضغط.

وإيران تحتاج إلى استمرار الصمود.

وأحيانًا تمنح المنطقة الرمادية كلا الطرفين مساحة للمناورة لا يمنحها الاتفاق النهائي.

ما الذي لا يُقال؟

عندما تتكرر العبارات:

"نقترب من الاتفاق"

ثم:

"لم نصل بعد"

وتتكرر هذه الدورة مرات عديدة،

فقد لا يكون الخلاف فقط على التفاصيل التقنية.

بل على شكل المنطقة بعد الاتفاق.

من يربح؟

ومن يخسر؟

ومن يملك النفوذ؟

ومن يضمن الأمن؟

ومن يدفع الثمن السياسي؟

هذه الأسئلة غالبًا أخطر من بنود الاتفاق نفسها.

تحليل معمق

السياسة هي فن الممكن. لكنها أحيانًا أيضًا فن تأجيل المستحيل.

ولهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي:

من يعقّد المفاوضات؟

بل:

من المستفيد من استمرارها دون حسم؟

ففي بعض الملفات الدولية، لا يصبح الغموض نتيجة للأزمة.

بل يتحول إلى أداة من أدوات إدارتها.

وربما لهذا السبب لا تبدو المفاوضات الحالية وكأنها طريق مستقيم نحو اتفاق أو مواجهة.

بل أقرب إلى أرجوحة سياسية يتحرك عليها الجميع.

بين الرغبة في الحل.

والخوف من نتائج الحل.

مشهد 

قد يكتشف العالم لاحقًا أن المعضلة لم تكن في غياب الاتفاق.

بل في أن كل طرف كان يريد اتفاقًا مختلفًا عن الآخر.

وعندها يصبح السؤال الأهم:

هل كانت المفاوضات تبحث عن حل للأزمة؟

أم عن طريقة لإدارة الأزمة أطول وقت ممكن؟

هل الحسم العسكري وحده يكفي؟

قد يرد البعض على هذا التحليل بالقول:

إذا كانت أميركا تمتلك القوة، فلماذا لا تحسم؟

أليست التجارب التاريخية واضحة؟

ألمانيا استسلمت.

واليابان استسلمت.

وأنظمة أخرى سقطت بالقوة.

وهو سؤال مشروع.

لكن التاريخ نفسه يكشف أن الحسم العسكري لا ينتج دائمًا النتيجة ذاتها.

فألمانيا النازية واليابان الإمبراطورية لم تستسلما لأنهما أحبتا السلام فجأة، بل لأن قيادتيهما أدركتا أن الاستمرار يعني دمارًا أكبر مما تحقق بالفعل.

وفي الحالة اليابانية تحديدًا، لم يكن القرار مرتبطًا فقط بحجم القوة الأميركية، بل بالخوف من ضياع ما تبقى من الدولة والشعب والإمبراطور والنظام نفسه.

بمعنى آخر:

القوة كانت العامل الضاغط.

لكن قرار الاستسلام كان قرارًا سياسيًا في النهاية.

وهنا تظهر المعضلة الحالية.

فالسؤال ليس:

هل تستطيع أميركا إلحاق مزيد من الضرر بإيران؟

بل:

هل تستطيع دفع النظام الإيراني إلى قناعة بأن كلفة الاستمرار أصبحت أكبر من كلفة التراجع؟

فالأنظمة لا تتصرف جميعها بالطريقة نفسها.

بعضها ينهار سريعًا.

وبعضها يقاتل حتى اللحظة الأخيرة.

وبعضها يفضّل المناورة وكسب الوقت بدل الاستسلام أو المواجهة الشاملة.

ولهذا لا تبدو المفاوضات الحالية صراعًا على القدرة العسكرية بقدر ما تبدو صراعًا على الإرادة السياسية.

فأميركا تحاول دفع إيران إلى قبول نهاية معينة.

وإيران تحاول منع فرض تلك النهاية عليها.

ومن هنا قد لا يكون السؤال الحقيقي:

لماذا لا تحسم أميركا؟

بل:

هل مازالت واشنطن ترى أن الحسم العسكري وحده قادر على إنتاج الشرق الأوسط الذي تريده؟

أم أن المعطيات الجديدة والتعقيدات التي كشفتها الأزمة، وبعضها ربما لم يكن محسوبًا بالكامل في التقديرات الأميركية، بدأت تدفع واشنطن إلى مراجعة أولوياتها واستراتيجيتها؟

فإذا كانت المرحلة الأولى تتمثل في احتواء المشروع الإيراني وتقليص نفوذ مراكز القوة المرتبطة به، فإن التحدي الأكبر يبدأ بعد ذلك.

كيف تُبنى مرحلة الاستقرار؟

وهل يمكن تحقيق سلام دائم بالقوة وحدها؟

أم أن السلام الحقيقي يحتاج إلى ما هو أبعد من موازين القوة العسكرية؟

فالرئيس ترامب يتحدث باستمرار عن السلام، كما أن مبادرة السلام العربية التي أطلقتها السعودية عام 2002 قامت أساسًا على مبدأ أن السلام الشامل لا يتحقق إلا عبر معالجة جذور الصراع وتحقيق قدر من العدالة والقبول المتبادل بين الأطراف.

ومن هنا يبرز السؤال الأعمق:

هل تسعى واشنطن إلى بناء سلام مستدام يقوم على التفاهم والاقتناع والمصالح المشتركة؟

أم أنها تسعى إلى فرض ترتيبات سياسية وأمنية سريعة، على أمل أن يتحول فرض الأمر الواقع لاحقًا إلى سلام؟

فالتاريخ يُظهر أن الاتفاقات يمكن فرضها أحيانًا.

أما السلام الدائم، فعادة لا يعيش طويلًا إلا عندما تقتنع به الأطراف المعنية، لا عندما تُجبر عليه.

ومن خلال قراءة المعطيات الحالية، لا يبدو أن واشنطن قادرة على تحقيق رؤيتها عبر الإكراه وحده.

فمحاولة فرض ترتيبات إقليمية لا تحظى بقبول كافٍ قد لا تؤدي فقط إلى تعقيد مسار السلام، بل قد تضعف ثقة الحلفاء بمصداقية الولايات المتحدة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها وتعهداتها.

وفي عالم يقوم على التحالفات والشراكات، قد تكون خسارة الثقة بحليف رئيسي خسارة استراتيجية لا تقل خطورة عن خسارة حرب كبرى، لأنها تعني فقدان قوى وازنة وشركاء يصعب تعويضهم في لحظات التحول الكبرى.

كما تشير المعطيات إلى أن واشنطن تدرك أن أي قرار استراتيجي كبير لا يُقاس بنتائجه الآنية فقط، بل بتداعياته على توازنات المنطقة وتحالفاتها على المدى البعيد.

ولهذا لا يبدو أنها في وارد اتخاذ خطوات قد تنتهي بخسائر سياسية أو استراتيجية تفوق مكاسبها المحتملة.

بل إن المسار الأقرب يتمثل في استمرار التشاور والتنسيق مع الحلفاء، خصوصًا دول الخليج التي أثبتت الأحداث الأخيرة أنها ليست طرفًا هامشيًا في معادلة المنطقة، بل أحد مفاتيح الاستقرار فيها.

 

موضوعات ذات صلة