الذكاء لا يصنع العارف

news image

 

تطبيقات الذكاء الاصطناعي تفتح أبواب الكتابة للجميع، لكنها لا تمنح مستخدميها المعرفة ولا القدرة على الحكم

بث | B

لم يعد الوصول إلى نص جيد الصياغة يحتاج إلى سنوات من الممارسة، ولا إلى معرفة واسعة باللغة أو أدوات الكتابة.

يكفي أن يكتب المستخدم بضعة أسطر، حتى تقدم له تطبيقات الذكاء الاصطناعي مقالًا أو قصيدة أو بحثًا يبدو في ظاهره متماسكًا، ويستخدم مصطلحات قد توحي بأن وراءه معرفة عميقة.

لكن هل من يملك النص يملك المعرفة التي يتحدث عنها؟

وهل القدرة على إنتاج إجابة تعني القدرة على فهمها أو الحكم على صحتها؟

هذه القضية يناقشها الكاتب والأكاديمي اللبناني الدكتور غسان مراد في مقال بعنوان «هذا ما تفعله تطبيقات الذكاء الاصطناعي»، تلقته BETH من مؤسسة الفكر العربي.

وهم المعرفة

يرى مراد أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي لم تكتفِ بتسهيل الكتابة، بل أتاحت لأشخاص لا يمتلكون معرفة كافية في مجال معين إنتاج نصوص توحي بالخبرة والتمكن.

ويفرق بين ثلاثة مستويات كثيرًا ما تختلط في الاستخدام الرقمي:

المعلومة التي يمكن استدعاؤها.

والمعرفة التي تُبنى بالتعلم والتراكم.

والفهم الذي يتيح للإنسان تحليل المعلومة واختبارها والحكم عليها.

فالتطبيق يستطيع تقديم المعلومة وصياغتها، لكنه لا ينقل إلى مستخدمه تلقائيًا الخبرة التي أنتجت المعرفة، ولا يمنحه القدرة على اكتشاف الخطأ المختبئ داخل النص الأنيق.

لغة أكبر من أصحابها

يحذر المقال من ظاهرة يمكن وصفها بالتضخم المعرفي الوهمي، حيث يشعر الفرد بأنه أصبح أكثر معرفة لأنه راكم عددًا كبيرًا من النصوص والمعلومات، بينما لم يكتسب فهمًا حقيقيًا لها.

ويتضاعف الوهم عندما تمتلئ النصوص بالمصطلحات الكبيرة والمفاهيم المعقدة؛ إذ تتحول اللغة من أداة للفهم إلى وسيلة تمنح صاحبها مظهر العارف.

ويظهر ذلك في الإعلام والأدب والبحث العلمي، عندما يكتب أشخاص في مجالات تتجاوز معرفتهم، ثم ينسبون إلى أنفسهم نصوصًا لا يستطيعون الدفاع عن أفكارها أو التحقق من معلوماتها.

الخطر في البحث العلمي

يصبح الأمر أكثر خطورة عندما ينتقل من الكتابة العامة إلى البحث العلمي.

فالخطأ الإعلامي قد ينتهي بانتهاء الخبر، أما الخطأ البحثي فقد يُستشهد به، ثم يُبنى عليه بحث آخر، ويتحول مع التكرار إلى أساس يبدو علميًا رغم هشاشته.

وهنا لا يعود الذكاء الاصطناعي أداة تساعد الباحث، بل قد يصبح طريقًا مختصرًا يتجاوز السؤال والتجربة والتحقق، ويستبدل مسار بناء المعرفة بإنتاج نص يشبهها.

الآلة تتعلم من الآلة

يتناول المقال كذلك خطر اعتماد تطبيقات الذكاء الاصطناعي على نصوص مولدة آليًا في تدريب أجيال جديدة من النماذج.

فعندما تتعلم الآلة من مخرجات آلة سابقة، من دون العودة الكافية إلى المصادر البشرية الأصلية، قد تتكرر الأخطاء وتضعف دقة النماذج وتنوعها تدريجيًا.

وتعرف هذه الظاهرة في دراسات الذكاء الاصطناعي باسم «انهيار النموذج».

غير أن هذا الخطر ليس حتميًا، بل يرتبط بطريقة اختيار بيانات التدريب ونسبة المحتوى الاصطناعي فيها ووجود المصادر البشرية الأصلية وآليات التحقق والمراجعة.

تعليق BETH

المشكلة ليست في الأداة

يضع المقال يده على مشكلة حقيقية: الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يمنح الجهل لغة مقنعة.

لكن الأداة لا تصنع الجهل، كما أنها لا تصنع المعرفة من تلقاء نفسها. إنها تضخم ما يحمله المستخدم إليها؛ توسع قدرة العارف، وتمنح غير العارف قدرة أكبر على إخفاء جهله.

ولذلك، ليس السؤال الأهم:

هل استخدم الكاتب الذكاء الاصطناعي؟

بل:

ماذا أضاف الكاتب إلى ما أنتجته الأداة؟

هل اختبر المعلومات؟

هل اكتشف التناقضات؟

هل يستطيع الدفاع عن الفكرة من دون الرجوع إلى النص؟

وهل يتحمل مسؤولية ما نشره باسمه؟

الخبرة لا تُستدعى

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يستدعي آلاف المعلومات في ثوانٍ، لكنه لا يستطيع أن يمنح مستخدمه تاريخًا مهنيًا لم يعشه، أو تجربة لم يخضها، أو حسًا نقديًا لم يبنه.

فالطبيب يستطيع استخدامه لتوسيع البحث، لكنه يبقى الأقدر على اكتشاف الخطأ الطبي.

والقانوني يستطيع الاستعانة به، لكنه يعرف الفرق بين نص قانوني يبدو صحيحًا وحجة تصمد أمام القضاء.

والصحفي الخبير لا يتميز بمجرد قدرته على صياغة الخبر، بل بقدرته على معرفة ما غاب عنه، وما ينبغي التحقق منه، والسؤال الذي لم تطرحه الأداة.

الإنسان قبل النص

ليست جودة الكتابة في جمال العبارة وحده، بل في صلة النص بعقل يعرف ما يقول.

وقد يكتب الذكاء الاصطناعي نصًا أكثر فصاحة من مستخدمه، لكن الفصاحة لا تثبت صحة الفكرة، كما أن امتلاك الإجابة لا يعني امتلاك المعرفة.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول نقد سوء الاستخدام إلى رفض للأداة أو تشكيك تلقائي في كل نص استعان بها.

فالاستعانة بالذكاء الاصطناعي لا تسقط صدقية الكاتب إذا بقي هو صاحب الفكرة والحكم والمراجعة والمسؤولية. وكما لم يُلغِ الحاسوب قيمة الكاتب، لن يلغي الذكاء الاصطناعي قيمة العقل الذي يعرف كيف يستخدمه.

الخطر الحقيقي يبدأ عندما تختفي المسافة بين ما تنتجه الآلة وما يفهمه الإنسان، وعندما يضع المستخدم اسمه فوق نص لا يعرف كيف كُتب، ولا يدرك إن كان صحيحًا.

الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد الإنسان على الكتابة.

لكنه لا يستطيع أن يفهم نيابة عنه.