الإعلام الغربي.. بين الحرية والأجندات

news image

حرية الصحافة لا تعني غياب المصالح، ومواجهة التضليل لا تعني منح السلطة حق تحديد الحقيقة؛ وبين الطرفين تُختبر المصداقية

كتب: عبدالله العميره

الإعلام الغربي قدّم للعالم نموذجًا متقدمًا في حرية الصحافة.

كشف فضائح.

أسقط مسؤولين.

واجه حكومات.

وفتح ملفات أمنية وسياسية واقتصادية كان يمكن أن تبقى مغلقة.

وهذه حقيقة لا ينبغي إنكارها.

لكن الحقيقة الأخرى أن الحرية لا تعني أن الإعلام في العالم بلا أجندات.

فالمؤسسة الإعلامية ليست كائنًا معلقًا في الهواء.

لها مالك.

وسوق.

وجمهور.

واتجاه تحريري.

ومصادر.

وعلاقات مع السلطة.

وأحيانًا معاركها الخاصة أيضًا.

وهنا يبدأ السؤال:

متى يكون الإعلام ناقلًا للخبر، ومتى يصبح طرفًا في صناعته؟

 

ترامب يعيد السؤال

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الجدل إلى الواجهة بعدما مُنع صحفيون من CNN وMS NOW وPolitico من دخول البيت الأبيض، على خلفية اتهام الرئيس لهذه المؤسسات بنشر ما وصفه بـ«الأخبار الكاذبة». ودافعت الإدارة عن القرار باعتباره مواجهة لما تراه تغطية مضللة، فيما اعتبرت المؤسسات المتضررة ورابطة مراسلي البيت الأبيض أن منع الوصول بسبب طبيعة التغطية يمس حرية الصحافة ويمثل تمييزًا على أساس المضمون.

وهنا تقع العقدة الحقيقية.

إذا أخطأت مؤسسة إعلامية أو نشرت معلومة كاذبة، فمن حقها أن تُنتقد.

ومن واجبها أن تصحح.

لكن:

من يقرر أن هذا كذب؟

الصحفي؟

رئيس التحرير؟

المحكمة؟

الجمهور؟

أم الحكومة التي ينتقدها الخبر أصلًا؟

وهذا هو الخط الفاصل بين محاسبة الإعلام وإخضاع الإعلام.

 

الحرية ليست حصانة

حرية الصحافة لا تعني أن للمؤسسة الحق في أن تقول ما تشاء بلا مسؤولية.

فالخطأ المتكرر يهدم الثقة.

والانتقاء المتعمد يهدمها أكثر.

أما نقل رواية طرف واحد، ثم تكرارها حتى تبدو حقيقة مستقرة، فقد يكون أخطر من الخطأ نفسه.

فالكذبة حين تُنشر مرة تبقى كذبة.

لكن حين تتناقلها وسائل كثيرة، يمكن أن تتحول عند الجمهور إلى واقع نفسي حتى لو لم تصبح حقيقة.

وهنا يظهر أحد أخطر أشكال التضليل:

الرواية الكاذبة حين تتحول إلى سردية.

ولا يشترط أن تبدأ بكذبة كاملة.

قد تكون نصف حقيقة.

أو معلومة صحيحة خارج سياقها.

أو اتهامًا غير مثبت يُعاد عشرات المرات.

أو خبرًا مجهول المصدر تتلقفه مؤسسة لأنه يوافق تصورها المسبق.

وهكذا لا تُصنع الأكاذيب دائمًا من الصفر.

أحيانًا تُصنع من ترتيب الحقائق بطريقة تقود إلى نتيجة مسبقة.

 

حين تسبق الرواية الواقعة

بعض المؤسسات الإعلامية لم تعد تتنافس فقط على السبق.

بل على تفسير الحدث قبل أن يكتمل الحدث.

تصل معلومة.

فتُختار لها زاوية.

وكلمة.

وخبير.

ثم يُبنى حولها سياق كامل.

وبعد ساعات تكون الرواية قد سبقت الحقيقة.

وحين تظهر وقائع جديدة، يكون جزء من الجمهور قد اتخذ موقفه بالفعل.

وهنا تصبح المصداقية هي الضحية.

لأن الجمهور لا ينسى الخبر الخاطئ فقط.

بل يبدأ في الشك في كل خبر صحيح يأتي بعده.

وهذه أخطر خسارة يمكن أن تقع للإعلام.

 

من يواجه الكذب؟

مواجهة الكذب ليست مسؤولية جهة واحدة.

الصحفي عليه أن يتحقق قبل أن ينشر.

المؤسسة عليها أن تفكك الرواية، وتفصل الحقيقة عن الرأي، وتعيد بناء الصورة من مصادر متعددة.

المنصات عليها مواجهة التضليل المنظم وفق قواعد واضحة وشفافة.

والجمهور عليه ألا يمنح ثقته لكل ما يوافق هواه.

لكن التفكيك وحده لا يكفي.

فالأجندات لن تتوقف؛ لأنها ترتبط بالمصالح والسياسة والمال والنفوذ.

لذلك فإن الحل ليس انتظار إعلام بلا أجندات، بل بناء إعلام يكشف الأجندة، ويقارن الروايات، ويعيد تركيب الحدث على أساس الوقائع.

المعركة الحقيقية ليست لمنع الروايات، بل لمنع الرواية من أن تتنكر في صورة حقيقة.

ومن هنا تبدأ مسؤولية حماية الحقيقة: فحص ما يصدر عن الجهات محل الشك، وعدم تلقي رواياتها ونشرها كما هي، قبل التحقق من مصدرها وسياقها ومصلحتها وما تؤيده الوقائع.

 

من يضبط الحرية؟

أخلاقيات الصحافة لا تضعها الحكومة وحدها؛ تصنعها المهنة، والمؤسسات، والقانون، وحق المجتمع في المعرفة.

ووضع الضوابط لا يعني بالضرورة تقييد الحرية.

فالفرق كبير بين قانون يحمي الحقوق ويمنع التشهير والتضليل، وقانون يتحول إلى أداة لضبط الرأي.

فالحرية ليست غياب الحدود، بل أن تختار وتقول وتنشر، ما دمت لا تسلب الآخرين حقوقهم أو تزوّر الحقيقة.

وفي عصر المنصات المفتوحة أصبحت المشكلة أصعب:

اتسعت الحرية أسرع من قدرة المجتمع على ضبط مسؤوليتها.

فالحرية تبدأ حقًا، لكنها لا تكتمل إلا بالمسؤولية.

 

الجمهور بدأ يتململ

حتى داخل الولايات المتحدة، لم تعد المسألة نظرية.

فدراسة حديثة لمركز بيو أظهرت أن 73% من الأمريكيين يرون حرية الصحافة مهمة جدًا أو للغاية للمجتمع، لكن عند المفاضلة بين حرية الإعلام ومنع المعلومات غير الدقيقة، فضّل 53% منع المعلومات غير الدقيقة حتى لو أدى ذلك إلى بعض القيود على حرية الصحافة، مقابل 45% أعطوا الأولوية لحرية الإعلام. كما رأى 81% أن المؤسسة التي تنشر معلومات كاذبة ينبغي أن تصدر تصحيحًا علنيًا في معظم الحالات.

هذه الأرقام ليست انتصارًا لترامب.

وليست إدانة للصحافة.

إنها شيء أهم:

إنذار للطرفين.

فالسلطة عندما تضيق بالصحافة تهدد الحرية.

والصحافة عندما تستهين بالدقة تهدد حريتها أيضًا؛ لأنها تفقد الجمهور الذي يفترض أن يدافع عنها.

 

المصداقية رأس المال

قد تملك المؤسسة استوديوهات ضخمة.

ومراسلين في عشرات الدول.

وملايين المتابعين.

لكنها في النهاية تملك أصلًا واحدًا لا يمكن شراؤه بسهولة:

المصداقية.

إذا فقدته، أصبحت كل إمكاناتها مجرد مكبر صوت.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله وسيلة إعلامية هو أن تسمح لموقفها السياسي بأن يسبق الحقيقة.

أن تكره سياسيًا، فتصدق كل ما يقال عنه.

أو تحبه، فترفض كل ما يقال ضده.

أن تتعاطف مع دولة، فتخفف أخطاءها.

أو تعادي دولة، فتضخم كل ما يصدر منها.

هنا تتراجع الصحافة، ويبدأ الاشتباك السياسي بأدوات إعلامية.

 

لكن الحكومات ليست حكمًا محايدًا

وفي المقابل، لا يمكن إعطاء الحكومات حق تعريف الحقيقة وحدها.

فالسلطة نفسها طرف.

قد تخطئ.

وقد تخفي.

وقد تنتقي.

وقد تسمي الخبر الكاذب «كذبًا».

وقد تسمي الخبر المزعج «كذبًا» أيضًا.

والفارق بين الاثنين لا تحدده رغبة الرئيس.

بل الوقائع القابلة للفحص.

ولهذا تبقى حرية الصحافة ضرورية حتى عندما يسيء بعض الإعلام استخدامها.

فالبديل عن إعلام حر يخطئ أحيانًا ليس إعلامًا معصومًا.

قد يكون إعلامًا خائفًا لا يخطئ لأنه لا يجرؤ أصلًا على السؤال.

 

المشكلة الأعمق

المشكلة ليست أن الإعلام الغربي بلا حرية.

وليست أنه كله مؤامرة.

هذه قراءة سهلة وغير دقيقة.

المشكلة أن جزءًا من الإعلام يستخدم الحرية غطاءً للعمل داخل منظومة من المصالح والقناعات والضغوط، بما قد يؤثر في اختيار الخبر، وترتيبه، وحجمه، ولغته.

وهنا يصبح السؤال المهني أهم من السؤال السياسي:

هل قُدمت الواقعة كما هي؟

هل فُصل الخبر عن الرأي؟

هل قيل بوضوح إن هذه رواية طرف؟

هل جرى البحث عن دليل مستقل؟

هل صُحح الخطأ بحجم يوازي نشره؟

وهل كانت اللغة ستبقى نفسها لو تبدلت الأطراف؟

هذه الأسئلة تكشف مقدار الحرية ومقدار الأجندة.

 

فائض الروايات

أزمة الإعلام اليوم ليست في نقص المعلومات.

بل في فائض الروايات.

المعلومة تصل خلال ثوانٍ.

لكن الوصول إلى الحقيقة أصبح أبطأ.

ولهذا لم تعد قيمة الصحافة في أن تقول للناس ما حدث أولًا فقط.

بل في أن تقول لهم:

ما الذي نعرفه فعلًا؟

وما الذي يقوله هذا الطرف؟

وما الذي تؤيده الوقائع؟

وما الذي ما زال مجرد رواية؟

فالإعلام الذي يحترم الحرية لا يخاف السلطة.

والإعلام الذي يحترم المصداقية لا يخاف الحقيقة حتى لو خالفت هواه.

أما الإعلام الذي يطلب من الناس أن يثقوا به لأنه حر فقط، فقد نسي أن الحرية تمنحه حق الكلام، لكنها لا تمنحه حق أن يُصدَّق.

وهنا ربما تكمن المعادلة كلها:

حرية بلا مصداقية تتحول إلى ضجيج.

ومصداقية بلا حرية تتحول إلى دعاية.

والصحافة الحقيقية تحتاج الاثنين معًا.

 

الخلاصة

مواجهة الأكاذيب ليست مهمة الصحفي وحده، ولا المؤسسة الإعلامية وحدها.

إنها مسؤولية مشتركة تبدأ من وزارة الإعلام، والمؤسسات الصحفية، والمنصات في بناء بيئة تعزز التحقق، وتكشف الزيف، وترفع المعايير المهنية، وتدعم الوصول إلى المعلومة الصحيحة.

لكن المواجهة لا تكون بالدفاع عن روايتنا فقط.

بل بإظهار الحقيقة نفسها؛ عبر تغطية دقيقة، وتحليل مهني، وخطاب عالمي حديث يخاطب الآخرين بلغتهم ومفاهيمهم، لا بلغة الذات وحدها.

فالرسالة الأقوى ليست:

صدّقونا لأننا نقول ذلك.

بل:

انظروا إلى الوقائع، ثم احكموا بأنفسكم.

وهنا تتحول المصداقية من موقف دفاعي إلى قوة تأثير.

هل يمكننا أن نفعل ذلك؟