الاقتصاد السعودي يمتص الصدمة

news image

نمو الإيرادات النفطية وغير النفطية يقلص عجز الربع الثاني إلى 34.3 مليار ريال، فيما يكشف النصف الأول استمرار ضغط الإنفاق لتمويل التحول ومواجهة الاضطرابات الإقليمية

متابعة وتحليل | إدارة الإعلام الإستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

الرياض | بث

سجلت الميزانية السعودية خلال الربع الثاني من عام 2026 إيرادات بلغت 338.7 مليار ريال، مقابل نفقات قدرها 373 مليار ريال، لينخفض العجز إلى 34.3 مليار ريال، متراجعًا بنسبة 0.7% مقارنة بالربع المماثل من العام الماضي.

وأظهر تقرير أداء الميزانية تحسنًا واضحًا مقارنة بالربع الأول، مدفوعًا بارتفاع الإيرادات النفطية وغير النفطية، بالتزامن مع تراجع الإنفاق الفصلي بنسبة 3.6%.

وبلغت الإيرادات خلال النصف الأول من العام 599.6 مليار ريال، مقابل نفقات وصلت إلى 759.8 مليار ريال، ليسجل العجز التراكمي 160 مليار ريال.

وتأتي النتائج في ظل ظروف إقليمية استثنائية أثرت في حركة النفط والتجارة والملاحة عبر مضيق هرمز، بينما ساهم ارتفاع أسعار النفط، وتشغيل خط أنابيب شرق–غرب باتجاه موانئ البحر الأحمر، في تقليل أثر تراجع كميات الشحن والمحافظة على جزء مهم من الإيرادات.

الإيرادات تستعيد قوتها

ارتفعت الإيرادات النفطية خلال الربع الثاني بنسبة 28% مقارنة بالربع الأول، لتصل إلى 185 مليار ريال، كما سجلت نموًا سنويًا بنسبة 22%.

وبلغ إجمالي الإيرادات النفطية خلال النصف الأول نحو 330 مليار ريال، بنمو 9% مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي.

ويكشف هذا الارتفاع أن أثر تراجع كميات التصدير لم ينتقل كاملًا إلى المالية العامة؛ إذ عوضت زيادة أسعار النفط جانبًا من انخفاض الشحنات، فيما ساعد تحويل مسار جزء من الصادرات إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر في استمرار تدفق النفط إلى الأسواق.

أما الإيرادات غير النفطية، فارتفعت خلال الربع الثاني بنسبة 32% مقارنة بالربع الأول، لتصل إلى 154 مليار ريال، مسجلة نموًا سنويًا بنسبة 3%.

وخلال النصف الأول، بلغت الإيرادات غير النفطية نحو 270 مليار ريال، بنمو 2% على أساس سنوي.

وبذلك شكلت الإيرادات غير النفطية نحو 45% من إجمالي إيرادات الربع الثاني، وهي نسبة تعكس اتساع قاعدة الإيرادات العامة، وإن ظل النفط العامل الأسرع تأثيرًا في تحركات الميزانية.

تحسن فصلي كبير

لا تظهر أهمية نتائج الربع الثاني عند مقارنتها بالعام الماضي فقط، بل عند مقارنتها بالربع الأول من العام الحالي.

فقد سجلت الميزانية في الربع الأول عجزًا بلغ نحو 125.7 مليار ريال، قبل أن ينخفض في الربع الثاني إلى 34.3 مليار ريال، أي بتراجع فصلي يقترب من 73%.

وجاء التحسن من مسارين متزامنين:

ارتفاع الإيرادات النفطية وغير النفطية، وتراجع النفقات من نحو 386.8 مليار ريال في الربع الأول إلى 373 مليار ريال في الربع الثاني.

وهذا يعني أن الميزانية بدأت تمتص جزءًا من الصدمة التي تعرضت لها في بداية العام، لكنها لم تتجاوز آثارها بالكامل.

عجز النصف الأول

رغم التحسن الكبير في الربع الثاني، يظل العجز التراكمي للنصف الأول هو الرقم الذي يحتاج إلى قراءة دقيقة.

فالعجز البالغ 160 مليار ريال يقترب من كامل العجز المقدر في ميزانية عام 2026، والبالغ نحو 165 مليار ريال.

كما أن الإنفاق خلال ستة أشهر بلغ نحو 58% من إجمالي النفقات المقدرة للعام، مقابل تحصيل ما يقارب 52% من الإيرادات المتوقعة.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن العجز السنوي سيتجاوز التقديرات بالمقدار نفسه؛ لأن أداء الربع الثاني جاء أفضل كثيرًا من الربع الأول، ولأن الإيرادات النفطية يمكن أن تتحسن مع استمرار ارتفاع الأسعار واستعادة جزء أكبر من حركة التصدير.

لكن الأرقام تعني أن النصف الثاني من العام سيكون حاسمًا في تحديد المسار النهائي للميزانية.

وستتوقف النتيجة على قدرة الإيرادات على مواصلة النمو، وحجم الإنفاق الإضافي المرتبط بالتطورات الأمنية، واستقرار صادرات النفط، وسرعة عودة الحركة الطبيعية إلى الممرات البحرية.

هل العجز مقلق؟

العجز المالي ليس دليل أزمة في ذاته، خصوصًا عندما يكون جزءًا من سياسة إنفاق معلنة، وتمتلك الدولة احتياطيات وقدرة على الاقتراض وتمويلًا مستدامًا.

وقد بلغ رصيد الاحتياطي العام للدولة بنهاية النصف الأول نحو 399 مليار ريال، إلى جانب احتياطيات النقد الأجنبي التي يديرها البنك المركزي السعودي، وهي مختلفة عن رصيد الاحتياطي العام الوارد في بيانات الميزانية.

لكن الاطمئنان إلى وجود الاحتياطيات لا يلغي ضرورة مراقبة العجز.

فالسؤال الأهم ليس: هل يوجد عجز؟

بل:

ما الذي يموله هذا العجز، وما العائد الذي سيتركه في الاقتصاد؟

إذا كان الإنفاق يذهب إلى بنية تحتية منتجة، وتنويع مصادر الدخل، وبناء قطاعات جديدة، وتعزيز القدرات الدفاعية وحماية الاقتصاد، فإنه يمثل استثمارًا يمكن أن يوسع الإيرادات المستقبلية.

أما إذا ارتفعت النفقات من دون عائد اقتصادي أو تحسن في الإنتاجية، فإن استمرار العجز سيضغط على المالية العامة مهما كان حجم الاحتياطيات.

الإنفاق تحت المجهر

بلغ الإنفاق العسكري خلال النصف الأول نحو 125 مليار ريال، بما يعادل 52% من المبلغ المرصود للقطاع خلال العام.

ولا تعني هذه النسبة وحدها وجود تجاوز؛ إذ تتوافق تقريبًا مع مرور نصف السنة، لكنها تكتسب أهمية إضافية بسبب اتساع التوترات الإقليمية واستهداف منشآت الطاقة والممرات البحرية.

وقد تفرض التطورات الأمنية نفقات إضافية خلال النصف الثاني، سواء لحماية المنشآت أو دعم القدرات العسكرية أو تأمين مسارات تصدير الطاقة.

وفي المقابل، يشير تراجع إجمالي الإنفاق خلال الربع الثاني بنسبة 3.6% إلى وجود محاولة لضبط الوتيرة بعد الارتفاع الكبير الذي شهده الربع الأول، من دون إيقاف المشروعات والبرامج الرئيسة.

خط يحمي الميزانية

أبرزت الأزمة قيمة خط أنابيب شرق–غرب بوصفه أصلًا إستراتيجيًا لا تقتصر أهميته على قطاع الطاقة.

فالخط الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر وفر مسارًا بديلًا عند تعطل الشحن عبر مضيق هرمز.

وبذلك تحولت البنية التحتية للطاقة إلى أداة لحماية الإيرادات والميزانية والاقتصاد، وليس فقط وسيلة لنقل النفط.

وهذه زاوية مهمة في قراءة الأرقام:

جزء من قدرة المملكة على امتصاص الصدمة لم يأتِ من ارتفاع أسعار النفط وحده، بل من استثمارات سابقة أنشأت بدائل جغرافية ولوجستية وقت الحاجة.

لكن انتقال الصادرات إلى البحر الأحمر لا يلغي المخاطر، بل ينقل جزءًا منها إلى مسار آخر يمر عبر باب المندب، الذي يواجه بدوره تهديدات متزايدة.

ولهذا تكتسب المبادرة السعودية لإنشاء التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بعدًا اقتصاديًا مباشرًا؛ فحماية الممرات البحرية تعني حماية الصادرات والإيرادات والميزانية وسلاسل الإمداد.

اقتصاد أثبت مرونته

أكد صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد السعودي دخل عام 2026 بزخم قوي، بعد نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.6% في عام 2025، مدعومًا بقوة الطلب المحلي والنشاط غير النفطي.

كما ظل التضخم دون 2%، واستمرت أوضاع سوق العمل في التحسن، مع انخفاض البطالة بين السعوديين وارتفاع مشاركة المرأة السعودية في القوى العاملة إلى 35%.

وأشار الصندوق إلى قوة احتياطيات النقد الأجنبي ومتانة القطاع المصرفي، مؤكدًا أن البنوك السعودية تتمتع باحتياطيات وقائية تساعدها على مواجهة الاضطرابات.

لكن الصندوق لا يتوقع مرور عام 2026 من دون أثر اقتصادي؛ إذ يتوقع تباطؤ النمو إلى 1.7% بسبب اضطراب التجارة وصادرات النفط وحركة الملاحة، قبل أن يتسارع إلى 5.5% في عام 2027 مع تعافي النشاط النفطي وغير النفطي وعودة حركة الشحن تدريجيًا.

وهذا يعني أن توقع النمو القوي في 2027 ليس منفصلًا عن تطورات الحرب، بل يفترض تراجع الاضطرابات واستعادة الممرات البحرية جانبًا كبيرًا من نشاطها.

الذكاء الاصطناعي والنمو

يرى صندوق النقد أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يضيف بصورة تراكمية ما يصل إلى نحو 6% إلى مستوى الناتج المحلي الإجمالي السعودي خلال العقد المقبل في السيناريو المتفائل.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي سيرفع معدل النمو السنوي إلى 6% بمفرده، بل إنه قد يضيف أثرًا تراكميًا إلى حجم الاقتصاد عبر زيادة الإنتاجية وتحسين كفاءة القطاعات الحكومية والصحية والتعليمية والمالية والطاقة.

وتتصدر المملكة عددًا من مؤشرات تبني الذكاء الاصطناعي، لكن تحويل هذا التقدم إلى نمو اقتصادي يتطلب توسيع استخدام التقنية داخل الشركات، وتطوير المهارات، وربط الاستثمارات التقنية بالإنتاج والخدمات وفرص العمل.

القطاع الخاص يتقدم

أشاد صندوق النقد بإستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للفترة 2026–2030، التي تتجه إلى تخصيص أكثر انتقائية لرأس المال وزيادة مشاركة القطاع الخاص في تمويل المشروعات وقيادة النمو.

وهذه النقطة ترتبط مباشرة بالميزانية.

فكلما توسع دور القطاع الخاص، انخفض اعتماد النشاط الاقتصادي على الإنفاق الحكومي المباشر، وأصبح بالإمكان مواصلة المشروعات من دون تحميل المالية العامة كامل تكلفتها.

وبذلك لا يقاس نجاح التحول فقط بحجم ما تنفقه الحكومة، بل بقدرتها على تحويل هذا الإنفاق إلى دورة استثمار يقودها القطاع الخاص وتولد إيرادات ووظائف ونشاطًا مستدامًا.

ماذا تقول الأرقام؟

تكشف نتائج النصف الأول ثلاث حقائق متزامنة:

الأولى أن المالية السعودية تعرضت لضغط استثنائي في بداية العام، انعكس في ارتفاع العجز والإنفاق.

الثانية أن الربع الثاني شهد تحسنًا قويًا، مع ارتفاع الإيرادات وتراجع النفقات وانخفاض العجز الفصلي بنحو 73%.

والثالثة أن التحسن لا يلغي الحاجة إلى الانضباط؛ لأن العجز التراكمي استهلك معظم المقدر للعام خلال ستة أشهر فقط.

لذلك، لا تعكس الأرقام أزمة مالية، كما لا تسمح باعتبار العجز رقمًا عابرًا.

إنها تكشف اقتصادًا يمتلك أدوات امتصاص الصدمات، لكنه يدفع في الوقت نفسه تكلفة مرتفعة لحماية أمنه واستمرار تحوله وتمويل مشروعاته في بيئة إقليمية مضطربة.

النصف الثاني

سيكون أداء النصف الثاني مرهونًا بأربعة عوامل رئيسة:

استمرار أسعار النفط عند مستويات تعوض تراجع الكميات، وقدرة خط شرق–غرب وموانئ البحر الأحمر على المحافظة على تدفق الصادرات، وضبط الإنفاق من دون إبطاء المشروعات ذات الأولوية، وعدم اتساع المواجهات بما يفرض تكاليف أمنية واقتصادية إضافية.

وإذا استمرت وتيرة التحسن التي ظهرت في الربع الثاني، فقد تستطيع الميزانية احتواء جانب مهم من الانحراف المسجل في بداية العام.

أما إذا طال تعطل هرمز، وامتدت التهديدات إلى البحر الأحمر، وارتفعت النفقات الدفاعية، فقد يتجاوز العجز السنوي المستوى المقدر، من دون أن يعني ذلك فقدان القدرة على التمويل، لكنه سيزيد أهمية ترتيب الأولويات ورفع كفاءة الإنفاق.

الخلاصة

لا تحكي الميزانية قصة عجز فقط.

إنها تحكي قصة دولة تواصل الإنفاق على التحول، وتحمي منشآتها ومسارات صادراتها، وتواجه حربًا إقليمية أثرت في النفط والتجارة والثقة، بينما تحافظ على نمو الإيرادات غير النفطية وقوة الاحتياطيات واستقرار القطاع المصرفي.

العجز الحالي قابل للتمويل، لكنه يحتاج إلى إدارة دقيقة.

والإنفاق يمكن أن يكون قوة دافعة للنمو، لكنه يحتاج إلى عائد واضح.

أما الاختبار الحقيقي، فلن يكون في حجم ما أنفقته المملكة خلال الأزمة، بل في ما سيبقى من هذا الإنفاق بعدها:

أصول منتجة توسع الاقتصاد، أم فاتورة مؤقتة تنتهي بانتهاء العام؟