اقتصاد سعودي بالذكاء الاصطناعي
منتدى «الاقتصادية» في الرياض يفتح ملف إعادة تصميم الشركات والاستثمار وإدارة الثروات بالذكاء الاصطناعي؛ والسؤال ينتقل من استخدام التقنية إلى بناء اقتصاد يعمل بها
الرياض | بث
تستضيف الرياض في 5 أكتوبر 2026 «منتدى الاقتصادية 2026» في واحة الملك سلمان للعلوم، بشراكة استراتيجية مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، تحت عنوان «اقتصادنا والذكاء الاصطناعي»، بمشاركة قيادات من قطاعات التقنية والمال والأعمال والاستثمار.
ويبحث المنتدى انتقال الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية مساندة إلى عنصر يعيد تشكيل نماذج الأعمال والاستثمار وإدارة الثروات واتخاذ القرار؛ في مسار يتقاطع مع توجهات رؤية السعودية 2030 نحو اقتصاد أكثر اعتمادًا على المعرفة والتقنية ورفع الإنتاجية.
ولم يعد السؤال في الاقتصاد السعودي: هل تتبنى الشركات الذكاء الاصطناعي؟
بل:
كيف تعيد الشركات تصميم نموذج عملها بالكامل في عصر الذكاء الاصطناعي؟
من التقنية إلى نموذج العمل
التحول الأهم الذي يعكسه المنتدى هو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يُطرح باعتباره مشروعًا تقنيًا داخل المؤسسة، بل عنصرًا يعيد صياغة طريقة الإنتاج، واتخاذ القرار، وخدمة العميل، وإدارة المخاطر، والنمو.
ولهذا خصص المنتدى جلسة رئيسية بعنوان «الذكاء الاصطناعي ومستقبل الأعمال»، يشارك فيها قياديون من شنايدر إلكتريك، وموبايلي، إلى جانب خبير استشراف المستقبل يواكيم دي فوس. هنا تتجاوز الأتمتة.
فالاقتصاد الذي يعتمد الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتسريع العمليات القائمة؛ بل يعيد السؤال من البداية:
ما الذي يجب أن يبقى بشريًا؟ وما الذي يمكن أن تتولاه الخوارزميات؟ وكيف يتغير شكل الشركة عندما يصبح القرار أسرع، والبيانات أوسع، والتنبؤ أدق؟
من الاستخدام إلى إعادة التصميم
الجلسة الثانية تذهب أبعد، بعنوان «من الذكاء الاصطناعي إلى التطبيق: إعادة تشكيل نماذج الأعمال».
ويشارك فيها ألكسندر أوستروالدر، مبتكر «لوحة نموذج الأعمال»، إلى جانب قيادات من جيديا، ، والجمعية السعودية للذكاء الاصطناعي
وهنا يظهر جوهر التحول.
الشركات التي ستنجح في اقتصاد الذكاء الاصطناعي لن تكون بالضرورة الأكثر شراءً للتقنيات، بل الأكثر قدرة على تغيير طريقة خلق القيمة نفسها.
شركة المدفوعات مثلًا لا تعود مجرد وسيط مالي؛ قد تتحول إلى منصة تفهم سلوك العميل وتتنبأ باحتياجاته.
والبنك لا يبقى جهة تحفظ الأموال وتمول المشاريع؛ بل يصبح نظامًا قادرًا على قراءة المخاطر والفرص بصورة أسرع وأكثر تخصيصًا.
أما شركات الاتصالات، فلا تعود مجرد مزود للبنية التحتية؛ بل تصبح جزءًا من الاقتصاد الذي تتحرك فيه البيانات والنماذج والقرارات الآلية.
المال يدخل المرحلة الجديدة
ومن أكثر محاور المنتدى لفتًا للانتباه جلسة خاصة بعنوان:
«تعرّفوا إلى مستشاركم المالي الجديد: منظومة ذكاء اصطناعي لإدارة الثروات».
ويقدمها عبدالمحسن العمران، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ذا فاميلي أوفيس».
هذه الجلسة تختصر تحولًا كبيرًا.
إدارة الثروات، التي كانت تعتمد تاريخيًا على المستشار والخبرة الشخصية والتحليل اليدوي، تدخل مرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي قادرًا على تحليل الأسواق، وقراءة المخاطر، ومقارنة الفرص، وبناء توصيات مالية بصورة لحظية.
لكن التحدي هنا لا يتعلق بالكفاءة فقط.
بل يتعلق بالسؤال الأصعب:
من يملك القرار عندما يصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا في إدارة المال؟
وهنا تدخل الحوكمة والأخلاقيات والثقة، وهي ملفات حاضرة في المنتدى من خلال مشاركة جهات مثل المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي «إيكاير»، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»
.
الاستثمار في اقتصاد الذكاء الاصطناعي
تحمل الجلسة الثالثة عنوان «الاستثمار في اقتصاد الذكاء الاصطناعي: النمو والفرص»، بمشاركة البنك الأهلي السعودي، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، ومايكروسوفت العربية، وشركة «فيلنتس للذكاء الاصطناعي».
وهذا المحور ربما يكون الأهم اقتصاديًا.
لأن السؤال لم يعد فقط: أين تستخدم الشركات الذكاء الاصطناعي؟
بل:
أين ستذهب رؤوس الأموال بسببه؟
لن تقتصر الفرص الجديدة على شركات البرمجيات؛ فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل قطاعات التمويل والطاقة والاتصالات والصناعة والخدمات اللوجستية والرعاية والتعليم، ويمتد أثره إلى إدارة المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
ويقدم المنتدى نموذجًا عمليًا لذلك من خلال شركة «أبواب للذكاء الاصطناعي»، التي تقول إن تقنياتها عالجت تمويلات تتجاوز 10 مليارات ريال لصالح أكثر من 13 مؤسسة مالية، عبر بنية ائتمانية تعتمد الذكاء الاصطناعي في تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
السعودية: من التبني إلى البناء
الزاوية السعودية هنا أكثر أهمية من المنتدى نفسه.
فالمملكة لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره منتجًا تقنيًا يجب استيراده أو استخدامه، بل جزءًا من إعادة بناء الاقتصاد على المدى الطويل.
اختيار 2026 عامًا للذكاء الاصطناعي، وربط المنتدى برؤية 2030، وحضور الجهات الحكومية والمالية والتقنية، يعكس انتقال النقاش من «التحول الرقمي» إلى مرحلة أكثر تقدمًا:
التحول في نموذج الاقتصاد ذاته.
وهذا يعني أن القيمة الحقيقية لن تكون في عدد الشركات التي تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي، بل في عدد الشركات التي تستطيع أن تنتج بها خدمة جديدة، أو سوقًا جديدة، أو نموذجًا تجاريًا لم يكن موجودًا من قبل.
قراءة BETH
الذكاء الاصطناعي لا يغير الاقتصاد لأنه أسرع من الإنسان.
بل لأنه يغيّر طريقة اتخاذ القرار.
وهذا الفارق مهم.
فعندما تصبح البيانات قادرة على التنبؤ، والنماذج قادرة على التعلم، والأنظمة قادرة على اتخاذ قرارات أولية من دون انتظار دورة بشرية كاملة، يتغير إيقاع الاقتصاد كله.
الشركات تتحرك أسرع.
الاستثمار يصبح أكثر تخصيصًا.
المخاطر تُقرأ مبكرًا.
والأسواق نفسها تصبح أكثر قدرة على الاستجابة.
لكن كل ذلك يرفع قيمة عنصر آخر:
الحكم البشري.
لأن الاقتصاد الذي يعتمد الذكاء الاصطناعي سيحتاج أكثر، لا أقل، إلى من يحدد الهدف، ويرسم الحدود، ويتحمل المسؤولية.
المآلات
المرحلة المقبلة في السعودية لن تكون سباقًا على استخدام أكبر عدد من أدوات الذكاء الاصطناعي.
السباق الحقيقي سيكون على من يبني بها نموذجًا أفضل.
والشركات التي ستقود هذه المرحلة هي التي تفهم أن الذكاء الاصطناعي ليس قسمًا إضافيًا داخل المؤسسة.
بل طبقة جديدة تعيد ترتيب المؤسسة كلها.
ولهذا قد يكون السؤال الذي يطرحه منتدى «الاقتصادية» أكبر من عنوان فعالية ليوم واحد:
هل تبني السعودية اقتصادًا يستخدم الذكاء الاصطناعي، أم اقتصادًا يعاد تصميمه به؟