حين لا تكفي الاستقالة
هل المشكلة في الرئيس .. أم في المنظومة؟
كتب: عبدالله العميره
هذه قراءة نقدية تهدف إلى الإسهام في تطوير الرياضة السعودية، وتعزيز كفاءة منظومتها الإدارية ، بما ينسجم مع حجم الإنجازات الكبرى التي تشهدها المملكة. وبالمنهج نفسه، تضع تحت المجهر بعض الظواهر الإدارية التي قد تظهر في أي مؤسسة؛ لأن حماية المنجز تبدأ من حماية كفاءة إدارته.
سبع سنوات.
ومليارات صُرفت.
ودعم غير مسبوق.
وثقة مُنحت.
ثم جاءت الاستقالة.
لكن..
هل انتهت المشكلة؟
أم بدأت الآن؟
ففي عالم الإدارة، لا تُقاس المؤسسات بعدد الأشخاص الذين يغادرونها.
بل بقدرتها على تشخيص أسباب الفشل، ومساءلة المسؤولين عنه، ومحاسبتهم، ثم بناء منظومة تمنع تكراره.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس:
من استقال؟
بل:
ماذا اكتشفنا من هذه التجربة؟
من اختار هذا المسار؟ ولماذا استمر رغم تكرار الإخفاقات؟ وهل كانت هناك مراجعة حقيقية للمسار قبل الوصول إلى هذه النهاية؟
فإذا لم نجد إجابات واضحة عن هذه الأسئلة، فقد تتحول الاستقالة إلى مجرد تغيير أسماء، بينما تبقى المنظومة التي أنتجت الفشل على حالها.
فالمؤسسات لا تسقط فجأة.
بل تسقط أولًا عندما تتوقف عن رؤية أخطائها.
دهليز الكشف
يبدأ التشخيص من مقارنة ما أُنفق بما تحقق على أرض الواقع، ثم مقارنتها بأفضل المشروعات المحلية، وبالمشروعات المماثلة في دول أخرى؛ لقياس كفاءة الأداء، لا حجم الإنفاق فقط.؛ لقياس الكفاءة، لا حجم الإنفاق فقط.
وبعد ذلك، يأتي البحث في مؤشرات تضارب المصالح، والعلاقات الشخصية، والمحسوبيات، وكل ما قد يؤثر في عدالة الاختيار وجودة القرار.
فهذه ليست مجرد ممارسات إدارية خاطئة.
بل سوسٌ ينخر المنظومة بصمت، ولا بد من كشفه واستئصاله قبل أن يمتد أثره إلى بقية المؤسسة.
التشخيص الأول: هل كان النجاح يُقاس أصلًا؟
لا تستطيع أي مؤسسة أن تنجح إذا لم تعرف كيف تقيس النجاح.
فهل كانت هناك مؤشرات أداء واضحة؟
كم بطولة كان يفترض تحقيقها؟
ما مستوى المنتخب المستهدف عالميًا؟
ما نسبة تطوير الفئات السنية؟
ما أثر الإنفاق على جودة المخرجات؟
إذا لم تكن هذه المؤشرات موجودة، أو لم تكن معلنة، فإن تقييم الأداء يصبح انطباعًا، لا علمًا.
التشخيص الثاني: هل كانت هناك مراجعة حقيقية؟
المؤسسات الاحترافية لا تنتظر نهاية الدورة لتكتشف الفشل.
بل تراجع نفسها كل موسم.
وكل بطولة.
وكل مشروع.
فالخطأ الصغير الذي يُكتشف مبكرًا قد يوفر سنوات من التراجع.
أما الاستهانة به، أو تجاهل المؤشرات الأولى، أو ترك "السوسة" تنخر في الجدار حتى ينهار، فذلك هو الخطر الحقيقي.
فكلما تأخر العلاج، طال زمن التعافي، وارتفعت كلفته، واتسعت دائرة الخسائر.
أسوأ المؤسسات ليست تلك التي تخطئ .. بل تلك التي لا تشعر بالألم إلا بعد أن يراه العالم.
وعندها، لا تكون الأزمة قد بدأت..
بل تكون قد اكتملت.
أما عندما يغيب التقييم المستمر، فإن الأخطاء لا تختفي، بل تتراكم بصمت حتى تتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.
التشخيص الثالث: هل كانت المنظومة تسمح بالنقد؟
كل مؤسسة تحتاج إلى من يقول:
توقفوا .. هناك خلل.
لكن عندما تتحول المجاملات إلى ثقافة، يصبح النقد تهمة.
ويتحول المختلف إلى خصم.
وحينها، لا تختفي الأخطاء.
بل يختفي من يملك الشجاعة للإشارة إليها.
ولهذا؛ فإن أخطر ما يصيب أي مؤسسة ليس كثرة الأخطاء..
بل غياب بيئة تسمح باكتشافها.
التشخيص الرابع: هل كان التركيز على الأشخاص أكثر من النظام؟
كثيرًا ما نربط النجاح بشخص.
والفشل بشخص.
لكن المؤسسات الكبرى لا تُدار بهذه الطريقة.
فالنتائج تصنعها منظومة:
الحوكمة.
التخطيط.
بناء المواهب.
الرقابة.
التقييم.
جودة القرار.
أما الأشخاص، فهم جزء من هذه المنظومة، لا المنظومة نفسها.
ولهذا، فإن تغيير شخص واحد لا يضمن تغيير النتائج.
إذا بقيت الأدوات التي أنتجت الفشل كما هي.
التشخيص الخامس: هل المنتخب هو المشكلة؟
ربما يكون المنتخب هو آخر حلقات السلسلة.
لا أولها.
فالمنتخب لا يصنع نفسه.
بل تبدأ صناعته من الأكاديميا ت، واكتشاف المواهب في سن مبكرة..
وتطوير المسابقات المحلية.
وتأهيل المدربين.
وبناء بيئة احترافية حقيقية.
وتوفير الاحتكاك المستمر بالمدارس الكروية العالمية.
فالمنتخب ليس بداية المنظومة .. بل هو آخر منتجاتها.
ولهذا، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون:
لماذا خسر المنتخب؟
بل:
كيف بُني المنتخب أصلًا؟
التشخيص السادس: هل الكفاءة هي معيار الاختيار؟
من أكثر ما يخل بمنظومة العمل، أيًا كان مجالها، ويقضي على روح الإبداع، أن تصبح الولاءات معيارًا يتقدم على الكفاءات.
فيبدأ الاختيار على أسس لا علاقة لها بالأداء أو القدرة؛ فهذا قريب، وذاك صديق، وآخر صاحب نفوذ، ورابع لا يُستغنى عنه لأنه "كاتم للأسرار".
وقد يمتد الأمر إلى اختيار شخصيات ضعيفة الاستقلالية، يسهل التأثير في قراراتها، لأنها تدرك أن بقاءها في المنصب مرهون برضا من اختارها، لا بما تحققه من إنجازات أو نتائج.
وعندما يصبح معيار البقاء هو الولاء للأشخاص، لا الأداء للمؤسسة، تتراجع الجرأة على إبداء الرأي، ويضعف النقد المهني، وتتحول الاجتماعات من ورشٍ لصناعة القرار إلى جلساتٍ لتأكيد ما يريده المسؤول.
وعندها، لا تخسر المؤسسة كفاءاتها فحسب..
بل تخسر أيضًا قدرتها على تصحيح أخطائها من الداخل.
فالمؤسسة التي تُقصي أصحاب الرأي، لا يبقى فيها إلا أصحاب الصدى.
وهنا تتحول المؤسسة، تدريجيًا، من بيئة تحكمها معايير مهنية إلى دائرة مغلقة تحكمها العلاقات الشخصية.
إنه فكر إداري قبلي، أو ما يشبه التكتلات المغلقة التي تُقدِّم الانتماء على الكفاءة، والثقة الشخصية على الإنجاز.
وفي مثل هذه البيئات، لا يغيب المبدعون لأنهم أقل كفاءة
بل لأن معيار البقاء لم يعد الكفاءة، وإنما القرب من مركز القرار.
فالمؤسسات الناجحة لا تضع الولاء في مواجهة الكفاءة، لأنهما ليسا عنصرين متعارضين، بل عنصران متكاملان.
فالكفاءة تمنح المؤسسة القدرة على الإنجاز، والولاء يمنحها الاستقرار والانتماء.
لكن قيمة الولاء لا تكتمل إلا إذا اقترنت بالقدرة، والإنتاج، والتطوير المستمر.
أما حين يتقدم الولاء على الكفاءة، فإن المؤسسة تخاطر بوضع الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب، وعندها لا يصبح الفشل نتيجة مفاجئة، بل نتيجة طبيعية.
فالمؤسسات لا تُبنى بالثقة وحدها.
بل بالثقة في أصحاب الكفاءة.
وهنا يتجاوز المقال حدود الرياضة.
القضية لا تتعلق بإدارة اتحاد رياضي فحسب.
فكل مؤسسة لا تراجع نفسها في الوقت المناسب، معرضة لأن تصل إلى النتيجة نفسها، مهما اختلف نشاطها أو حجمها.
العلاج
إذا كان التشخيص صحيحًا، فإن العلاج لا يبدأ بإعلان اسم الرئيس الجديد.
بل يبدأ بإعادة بناء المنظومة.
1: إعلان مؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس، يعرف الجميع من خلالها معنى النجاح، وكيف يُقاس.
2 إنشاء مراجعة فنية وإدارية مستقلة بعد كل موسم، لا بعد كل أزمة.
3: الفصل بين صناعة القرار وتقييم القرار، حتى لا تصبح الجهة التي تنفذ هي نفسها التي تمنح نفسها النجاح.
4 نشر تقرير سنوي للجمهور يوضح ما تحقق، وما لم يتحقق، ولماذا.
فالشفافية ليست عبئًا على المؤسسات.
بل إحدى أدوات تطويرها.
5: إعادة الاستثمار في القاعدة، لأن المنتخبات لا تُصنع في المعسكرات الأخيرة، بل في سنوات الإعداد الأولى.
6: بناء ثقافة مؤسسية تعتبر النقد المهني جزءًا من النجاح، لا تهديدًا له.
فالرياضة اليوم تمس شريحة واسعة من المجتمع، وفي مقدمتها الشباب، الذين يمثلون النسبة الأكبر من أبناء الوطن، ويتابع ملايين منهم ما يجري في الملاعب والمنتخبات لحظة بلحظة.
والانتصارات لا تمنحهم الفرح فقط، بل تعزز الثقة والانتماء، كما أن الإخفاقات المتكررة لا تعني خسارة مباراة فحسب، بل تترك أثرًا نفسيًا لدى جمهور يرى في المنتخب جزءًا من صورة وطنه.
والألم لا ينشأ من الخسارة وحدها.
بل من الشعور بأن أسبابها معروفة، وأن الخلل شُخِّص مبكرًا، ومع ذلك بقيت المنظومة على حالها، وكأنها محصنة ضد المراجعة والإصلاح.
وعندها، قد يشعر المواطن أن صوته لم يُسمع، وأن رأيه لم يؤخذ في الحسبان، وأن قيمة ما يحمله من انتماء وحرص على نجاح وطنه لم تجد ما تستحقه من اهتمام.
ولهذا، فإن إصلاح المنظومة الرياضية لا يخص كرة القدم وحدها
بل يبعث رسالة أوسع، مفادها أن كل منظومة في الوطن تخضع للمراجعة، وأن النجاح لا تحميه الأسماء، بل تحميه الكفاءة، والمساءلة، والتطوير المستمر.
ما بعد الاستقالة
إذا كان تغيير الرئيس يعني نهاية الأزمة
فستكون المشكلة قد حُلّت.
أما إذا كانت الاستقالة مجرد بداية لمراجعة شاملة، فإنها قد تتحول إلى نقطة تحول تاريخية.
فالمؤسسات العظيمة لا تخشى الاعتراف بالفشل.
بل تخشى أن يتكرر الفشل للأسباب نفسها.
النهاية
في الطب، لا يكتفي الجراح بإزالة العَرَض.
بل يبحث عن السبب الذي أدى إلى ظهوره.
لأن إزالة العَرَض لا تعني علاج المرض إذا بقي سببه.
وكذلك المؤسسات.
فالاستقالات قد تُرضي الغضب مؤقتًا.
لكنها لا تبني نجاحًا دائمًا.
أما النجاح الحقيقي..
فيبدأ يوم تمتلك المؤسسة الشجاعة لتشريح نفسها قبل أن يشّرحها الآخرون.
فالتاريخ لا يتذكر كثيرًا من غادر المنصب..
بل يتذكر المؤسسة التي امتلكت الشجاعة لتشخيص نفسها... قبل أن يحكم عليها التاريخ.
فالمنظومات العظيمة لا تخاف من التشريح... بل تخاف من تأجيله.
إشارة أخيرة
في كثير من مجتمعاتنا العربية، تتقدم المشاعر على العقل، ويعلو الانفعال على التقييم الموضوعي.
وحين يقع الظلم، أو يسود العبث، أو تتكرر الإخفاقات، قد يطول الصمت أكثر مما ينبغي، حتى يصبح الخلل واضحًا للجميع، وتفوح رائحته، فلا يعود ممكنًا إخفاؤه أو تبريره.
عندها، ينتقل المشهد سريعًا من الصمت إلى الغضب، ومن التجاهل إلى المطالبة بالمحاسبة.
لكن المفارقة أن المرحلة التالية تبدأ أحيانًا بالبحث عن مخارج للمخطئ، أو بمحاولات لتخفيف المسؤولية عنه، أو تصويره وكأنه الضحية، بينما يُنسى أصل القضية، ويُهمَّش حق المؤسسة والمجتمع في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
فالمؤسسات لا تُبنى بالتستر على الأخطاء، ولا بحماية من تسبب فيها، بل بالشجاعة في كشف الخلل، ومحاسبة المسؤول، وإغلاق الثغرة التي سمحت بتكراره.
العدالة لا تبدأ بإبعاد الأشخاص..
بل تبدأ بإغلاق الطريق الذي أوصلهم إلى الخطأ.
لعل ما شهدته الجماهير العربية من احتفاء واسع بما قدمه منتخبا مصر والمغرب يؤكد أن الشعوب لا تبحث عن الفوز وحده... بل عن الروح التي تستحق الفوز.
فالانتصارات لا تصنع الأفراح فقط... بل تصنع الصورة، وتعزز الانتماء، وتبني جانبًا مهمًا من القوة الناعمة للدول.
ويبقى سؤال يستحق التأمل:
ما الذي تضيفه المنتخبات الناجحة إلى القوة الناعمة لأوطانها؟
وللحديث بقية... عن القوة الناعمة، وعن الذين يلوّنون قلوبهم وعقولهم بألوانٍ غير لون الوطن.