قبعة الولاية الرابعة

news image

 

ترامب يعود مزهوًّا إلى عشاء مراسلي البيت الأبيض، ويحوّل أمسية الصحافة إلى استعراض للنجاة والقوة واختبار مبكر لمعركة 2028

واشنطن | بث

بعد ثلاثة أشهر من محاولة اغتيال أدت إلى إيقاف عشاء مراسلي البيت الأبيض، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الأمسية التي أُعيد تنظيمها، ليس بوصفه ضيفًا نجا من الخطر فحسب، بل رئيسًا أراد تحويل عودته إلى مشهد سياسي كامل.

دخل ترامب قاعة فندق «والدورف أستوريا» في واشنطن على أنغام أغنيته الانتخابية المعتادة، وبدا مزهوًّا بعودته إلى المناسبة التي اضطر إلى مغادرتها تحت حماية جهاز الخدمة السرية في أبريل الماضي.

كان المشهد يحمل رسالة واضحة:

محاولة الاغتيال أوقفت الحفل، لكنها لم تُخرج ترامب من المسرح.

وقال في مستهل كلمته: «كما قلت قبل ثلاثة أشهر، يجب أن يستمر العرض»، قبل أن يشيد بجهاز الخدمة السرية وأجهزة إنفاذ القانون، ويخص الضابط فيكتور غونزاليس بالتحية، بعدما أصيب أثناء تصديه للمسلح الذي حاول اقتحام موقع الحفل السابق.

ومنحت جمعية مراسلي البيت الأبيض غونزاليس جائزة تقديرًا لشجاعته، وسط تصفيق الحاضرين وقوفًا.

أمسية بطعم الانتصار

لم يكن إصرار ترامب على حضور الحفل المعاد مجرد مشاركة بروتوكولية.

فالرئيس الذي قاطع عشاء مراسلي البيت الأبيض طوال ولايته الأولى، عاد هذه المرة إلى قاعة تمثل المؤسسة الإعلامية التي خاض معها واحدة من أطول معاركه السياسية.

وبدا أن ترامب أراد جمع صورتين في مشهد واحد:

صورة الرئيس الذي نجا من محاولة اغتيال.

وصورة السياسي الذي يدخل إلى قلب المؤسسة الإعلامية لمهاجمتها من داخل منصتها.

ولهذا انتقلت كلمته، التي استمرت أكثر من ساعة، من الحديث عن الوحدة وتكريم رجال الأمن إلى السخرية من خصومه، ومهاجمة صحافيين بالاسم، وتجديد وصف وسائل إعلام بأنها تقدم «أخبارًا زائفة».

قبعة «ترامب 2028»

جاءت اللحظة الأكثر إثارة عندما أعلن ترامب، في صيغة ساخرة، نيته الترشح لما وصفه بـ«ولاية رابعة» في رئاسة الولايات المتحدة.

وقال مخاطبًا الصحافيين إنه يريد إنقاذ نسب مشاهداتهم، ثم ارتدى قبعة حمراء كُتب عليها «Trump 2028»، مضيفًا أنه أصبح جيدًا جدًا في خوض الانتخابات الرئاسية.

لكن العبارة تحتاج إلى ضبط سياسي ودستوري.

ترامب خاض الانتخابات الرئاسية ثلاث مرات، أعوام 2016 و2020 و2024؛ ولذلك ستكون انتخابات 2028، إذا خاضها، حملته الرئاسية الرابعة، وليست ولايته الرابعة.

أما من حيث الحكم، فقد فاز بالرئاسة مرتين، في 2016 و2024، وخسر انتخابات 2020.

كما يمنع التعديل الثاني والعشرون للدستور الأميركي انتخاب أي شخص رئيسًا أكثر من مرتين، ما يعني أن ترامب لا يستطيع الفوز بولاية رئاسية جديدة وفق النص الدستوري القائم، إلا إذا أُجري تعديل دستوري بالغ التعقيد.

لذلك لا يمكن التعامل مع العبارة باعتبارها إعلان ترشح قانونيًا مكتملًا.

لكنها أيضًا ليست مزحة خالية من السياسة.

ماذا أراد ترامب؟

من خلال قبعة 2028، حقق ترامب عدة أهداف في لحظة واحدة.

أولًا، اختبر رد الفعل السياسي والإعلامي على فكرة بقائه في السلطة بعد انتهاء ولايته الحالية.

ثانيًا، أعاد تأكيد أنه سيظل الشخصية المركزية داخل الحزب الجمهوري، حتى مع بدء البحث عن مرشح انتخابات 2028.

ثالثًا، وجّه رسالة إلى الطامحين لخلافته بأن المعركة لن تبدأ من دونه، وأن تأييده قد يكون المدخل الضروري لنيل ترشيح الحزب.

ورابعًا، ضمن أن تصبح عبارة «ترامب 2028» عنوان الأمسية، متقدمة على جوائز الصحافة ورسائل جمعية المراسلين.

إنه أسلوبه المعتاد:

يقول العبارة في قالب ساخر، ثم يترك خصومه والإعلام يناقشون مدى جديتها.

فإن لاقت قبولًا، استطاع تطويرها.

وإن واجهت رفضًا واسعًا، أمكنه القول إنها كانت مزحة.

وبهذه الطريقة، لا يعلن ترامب قراره، لكنه يضع الفكرة في المجال العام، ويجعل الآخرين يناقشونها نيابة عنه.

هجوم من داخل القاعة

هاجم ترامب عددًا من الصحافيين والشخصيات الإعلامية، وخص مراسلة «سي إن إن» كايتلان كولينز والصحافي جوش دوسي بالانتقاد، رغم أنه صافح الفائزين بجوائز التغطية الرئاسية في بداية الأمسية.

ووصف تقرير كولينز الفائز بالجائزة بأنه «زائف»، ثم وسّع هجومه ليشمل وسائل الإعلام وخصومه الديمقراطيين، محولًا جزءًا من كلمته إلى خطاب يشبه تجمعاته الانتخابية.

لكن لماذا يهاجم ترامب الإعلام في مناسبة مخصصة للاحتفاء بالصحافة؟

لأن الصراع مع الصحافة ليس تفصيلًا في خطابه، بل أحد مصادر قوته السياسية.

ترامب يحتاج إلى الإعلام خصمًا بقدر حاجته إليه ناقلًا لرسائله.

فعندما يصف التغطية الناقدة بأنها «أخبار زائفة»، فإنه يحاول إضعاف ثقة جمهوره بها قبل أن تنشر تقارير تضر بصورته أو تنتقد سياساته.

كما يسمح له الهجوم على الصحافيين بالظهور، رغم وجوده في البيت الأبيض، في صورة السياسي الخارج على المؤسسة، الذي يواجه النخب السياسية والإعلامية نيابة عن أنصاره.

والأهم أنه حوّل القاعة من منصة تحاسب السلطة بالأسئلة إلى منصة جعل فيها الصحافيين أنفسهم موضوعًا للهجوم.

عداوة ومصلحة

يدرك ترامب، في الوقت نفسه، أن وسائل الإعلام التي يهاجمها أسهمت في صناعة حضوره السياسي، وأن الصدام المستمر معها يبقيه في صدارة الأخبار.

وقد لخّص هذه العلاقة المتناقضة عندما خاطب الصحافيين قائلًا: «عندما أرحل، ستفلسون جميعًا. سينتهي نموذج أعمالكم، ولن تجدوا شخصًا آخر تهتمون بتغطيته».

تكشف العبارة أن ترامب لا يرى علاقته بالإعلام عداوة خالصة.

إنها علاقة تبادل قاسية:

الإعلام يحتاج إلى أخباره وتصريحاته المثيرة لجذب الجمهور، وترامب يحتاج إلى التغطية، حتى لو كانت سلبية، ليظل مركز الحياة السياسية.

ولهذا لا يريد إسكات الإعلام تمامًا، بل يريد إبقاءه قريبًا منه، مشغولًا به، ومدفوعًا إلى الرد على كل ما يقوله.

إنه يهاجم الصحافة، ثم يمنحها في اللحظة نفسها الخبر الذي يصعب عليها تجاهله.

مفارقة الأمسية

أقيم الحفل دفاعًا عن حرية الصحافة، لكن ضيفه الأبرز أمضى جزءًا كبيرًا من كلمته في مهاجمة الصحافيين.

وعاد ترامب إلى المناسبة بعد محاولة اغتياله متحدثًا عن الوحدة، ثم استعاد سريعًا لغة الانقسام والهجوم على الخصوم.

ولوّح بانتخابات 2028 في وقت يمنعه الدستور من الفوز بولاية جديدة، لكنه نجح في جعل مستقبله السياسي محور الحديث قبل عامين من الانتخابات.

هذه التناقضات ليست عارضة.

إنها جوهر النموذج السياسي لترامب:

مصالحة وهجوم.

مزاح وتهديد.

احترام للإعلام واتهام له.

والحديث عن الالتزام بالدستور، مع اختبار متواصل لحدوده.

قراءة BETH

لم تكن الأمسية إعلانًا رسميًا لحملة انتخابية جديدة، لكنها كانت إعلانًا عن شيء آخر:

ترامب لا يريد أن يبدأ عصر ما بعد ترامب.

ظهوره بقبعة 2028 يعني أنه يريد البقاء حاضرًا فوق المرشحين الجمهوريين، ومؤثرًا في اختيار خليفته، وربما دافعًا حزبه إلى مناقشة خيارات كانت تبدو مستحيلة.

وقد لا يكون الهدف الحقيقي تعديل الدستور أو خوض الانتخابات مجددًا.

ربما يكون الهدف إبقاء الحزب والجمهور والإعلام في انتظار قراره، ومنع ظهور خليفة سياسي مستقل عنه قبل أن يحدد هو شكل المرحلة المقبلة.

أما هجومه على الإعلام، فلم يكن انفعالًا عابرًا.

لقد أراد أن يذكّر الصحافيين بأنهم، في روايته السياسية، ليسوا مراقبين محايدين للسلطة، بل خصم يمكن مهاجمته واستخدامه في الوقت نفسه.

عاد ترامب إلى الأمسية التي أوقفها الرصاص، ووقف أمام الصحافيين الذين طالما هاجمهم، ثم ارتدى قبعة انتخابات يمنعه الدستور من الفوز بها.

وهكذا خرج من الحفل محققًا ما أراده:

أن تتحدث الولايات المتحدة عن بقائه، لا عن رحيله.