نعمة ألّا يحدث شيء
لماذا نبحث عن الأحداث، بينما تُرممنا الساعات التي تمر بلا خوف ولا مفاجآت؟
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
في نهاية كل يوم، يسأل الإنسان نفسه:
ماذا حدث اليوم؟
فإن لم يجد لقاءً مهمًا، أو خبرًا مفرحًا، أو إنجازًا جديدًا، أو مفاجأة تستحق الحكاية، ظن أن يومه مرّ فارغًا.
لكنه لا يسأل:
ما الذي كان يمكن أن يحدث ولم يحدث؟
لم يرن الهاتف حاملًا خبرًا مؤلمًا.
لم يتأخر عزيز في طريق عودته.
لم يخذله جسده.
لم تتحول كلمة عابرة إلى خصومة.
ولم يطرق الخوف الباب.
هل كان ذلك يومًا فارغًا؟
أم يومًا مزدحمًا بالنعم التي جاءت متخفية في هيئة هدوء؟
نحن نكتب تاريخ حياتنا بالأحداث الكبرى، لكن الحياة لا تتكون منها وحدها.
فبين ولادة ووداع، وبين نجاح وخسارة، وبين لقاء وفراق، تمتد آلاف الساعات التي لا يقع فيها شيء استثنائي.
هذه الساعات لا تدخل الصور، ولا نتحدث عنها في المجالس، ولا تبقى واضحة في الذاكرة.
ومع ذلك، هي التي تحمل الحياة كلها.
لماذا نبحث عن الأحداث؟
لأن العقل ينتبه إلى ما يتغير، لا إلى ما يستمر.
صوت مفاجئ يوقظه.
خبر جديد يجذبه.
وخطر محتمل يستنفره.
أما الأشياء المستقرة، فيعتادها حتى تكاد تختفي من وعيه.
لا نشعر بالقلب وهو ينبض بانتظام، لكننا نقلق عند أول اضطراب.
ولا نفكر في نعمة التنفس، إلا عندما يضيق النفس.
ولا ننتبه إلى دفء البيت، إلا عندما نغادره أو نفقد أحد الجالسين فيه.
العقل لا يفعل ذلك جحودًا، بل لأنه منشغل بالمستجدات والمخاطر. غير أن هذه القدرة التي تحمينا قد تجعلنا نغفل عما يطمئننا.
وتعلم الإنسان أيضًا أن يقيس أيامه بما أنجزه فيها:
ماذا صنعت؟
كم ربحت؟
من قابلت؟
وإلى أين وصلت؟
حتى الراحة أصبحت عند بعض الناس مشروعًا ينبغي إثبات نجاحه، وصارت اللحظة الجميلة تحتاج إلى صورة كي يشعر صاحبها بأنها حدثت.
وهكذا لم يعد الهدوء كافيًا.
لا بد أن يقع شيء، وأن يُرى، وأن يعرف الآخرون أنه وقع.
لكن الحياة التي تحتاج دائمًا إلى حدث كي نشعر بها قد تفقد قدرتها على منحنا أبسط متعها.
حين يصبح الهدوء فراغًا
يخشى بعض الناس الأيام الهادئة، لأنها تتركهم وحدهم أمام أنفسهم.
فالضجيج يمنح العقل شيئًا ينشغل به، والمواعيد تمنح اليوم شكله، والأخبار المتلاحقة تؤجل الأسئلة الداخلية.
أما عندما يهدأ كل شيء، فقد يشعر الإنسان بالفراغ، لا لأن حياته فارغة، بل لأنه اعتاد سماع العالم أكثر من سماع نفسه.
ولهذا يفتح هاتفه بلا سبب، ويتنقل بين الأخبار بلا هدف، ويبحث عن حدث، ولو كان مقلقًا.
لكن الهدوء ليس غيابًا للحياة.
إنه المساحة التي تستعيد فيها الحياة توازنها.
فالعقل لا يُرمم نفسه أثناء الضجيج المستمر، والقلب لا يتعافى وهو مطالب كل لحظة بأن يشرح ألمه، والوجدان لا يستعيد رقته وسط سيل لا ينقطع من الصور والمخاوف والصراعات.
بعض ما يصلحنا لا يحدث أمام أعيننا.
يحدث ونحن ننام.
أو نصمت.
أو نجلس إلى جوار شخص لا نحتاج أمامه إلى الكلام.
ما لا تصنعه المفاجآت
قد تكون أكثر لحظات يومك قيمة هي اللحظة التي جلست فيها وحدك، وشربت كوبًا من الماء، ونظرت من النافذة دون أن تنتظر شيئًا.
وقد يكون أجمل ما حدث أنك تناولت طعامك مع أسرتك، ولم يرفع أحد صوته، ولم يكن في المكان مقعد ينتظر غائبًا.
وقد تكون النعمة في أن يومك انتهى كما بدأ:
الوجوه نفسها بخير.
الأبواب ما زالت مفتوحة.
والأسماء التي تحبها ما زالت تجيب عندما تناديها.
هذه التفاصيل لا تصنع قصة مثيرة، لكنها تصنع حياة قابلة للعيش.
فالإنسان لا يحتمل أن تكون أيامه كلها قممًا ومنعطفات.
إنه يحتاج إلى مساحات مستوية يسير فيها دون أن يصعد أو يسقط.
ويحتاج إلى أيام لا تختبر قوته، ولا تطلب منه بطولة، ولا تجبره على البدء من جديد.
أيام يكفيه فيها أن يكون إنسانًا عاديًا يؤدي عمله، ويعود إلى بيته، ويطمئن إلى من يحب، ثم ينام.
القلب يريد الأمان
نربط الحب غالبًا بالمواقف الكبيرة:
اعتراف مؤثر.
هدية ثمينة.
لقاء منتظر.
وتضحية لا تُنسى.
لكن القلب لا يعيش على اللحظات الكبرى وحدها.
إنه يعيش على الأمان المتكرر.
على صوت لا يخشاه.
وعتاب لا يهينه.
ويد لا تتركه كلما اختلف.
وشخص لا يضطر أمامه إلى الدفاع المستمر عن نياته ومشاعره.
ربما أجمل ما يمنحه إنسان لإنسان ليس أن يملأ حياته بالمفاجآت، بل أن يكون معه مكانًا لا يحتاج فيه إلى الحذر.
فالحب الناضج لا يجعل القلب في حالة تأهب، ولا يدفعه كل ليلة إلى التساؤل: هل سيبقى غدًا؟
إنه يخفف الخوف، ويمنح الروح الحق في أن تستريح.
وهنا تصبح الأيام التي لا يحدث فيها شيء دليلًا على أن أشياء كثيرة تسير كما ينبغي.
ذاكرة لا تحفظ الطمأنينة
في ذاكرة الإنسان ظلم غير مقصود للأيام الجميلة.
فالألم يترك علامة واضحة، بينما تمر الطمأنينة بخفة.
نتذكر اليوم الذي مرضنا فيه، ولا نتذكر مئات الأيام التي استيقظنا فيها معافين.
نتذكر الرحلة التي تعطلت، وننسى الطرق الكثيرة التي أوصلتنا سالمين.
ونحفظ لحظة الفراق، لكننا لا نتذكر كل الأمسيات التي سبقتها، حين كان من نحب معنا ولم نفكر في احتمال غيابه.
لهذا قد يظن الإنسان أن حياته كانت ممتلئة بالألم، لأن الألم قابل للتذكر، بينما الأمان قابل للعيش.
لكن الأيام الهادئة لم تكن قليلة.
نحن فقط لم نضع لها أسماء.
ماذا عن الأخبار؟
وكالة الأنباء موجودة لتغطية الأحداث، وتفسيرها، وربط أسبابها بنتائجها، وكشف ما قد تعنيه للإنسان والمجتمع والدولة.
فالحدث هو المادة الأولى للخبر، ولا إعلام بلا متابعة لما يتغير في العالم.
لكن العالم لا يتكون من السياسة والحروب والأسواق وحدها.
يتكون أيضًا من الفكر والثقافة والعلم والفن والرياضة والمجتمع، ومن الأسئلة التي تدور في العقل، والمشاعر التي تتحرك في القلب، والتجارب الصغيرة التي تصنع الإنسان دون أن تظهر في العناوين.
ومن يتابع «بث» يلحظ تنوع أطروحاتها؛ فهي تنتقل من الحدث السياسي إلى الفكرة الإنسانية، ومن قراءة القرار إلى قراءة النفس، ومن صوت العواصم الصاخب إلى ذلك الصوت الخافت الذي لا يسمعه الإنسان إلا عندما يهدأ.
هذا التنوع ليس ابتعادًا عن وظيفة وكالة الأنباء، بل توسيع لها.
لأن مهمة الإعلام ليست أن يخبر الإنسان بما يجري حوله فقط، بل أن يساعده على فهم ما يجري داخله أيضًا.
ما لا تقوله النشرات
الإعلام بطبيعته يلاحق الاستثناء.
فالطائرة التي وصلت بسلام ليست خبرًا، لكن الطائرة التي تعطلت تصبح عنوانًا.
والطريق الذي عبره الآلاف آمنين لا يظهر في النشرات، لكن حادثًا واحدًا قد يتقدمها.
والدول التي لم تتحارب لا تحظى بالتغطية التي تحظى بها حرب واحدة.
وهذا مفهوم مهنيًا، لأن الخبر هو ما يخرج عن المعتاد.
لكن المتلقي قد يخطئ عندما يتعامل مع النشرة بوصفها صورة كاملة للعالم.
فإذا شاهد عشر حرائق، ظن أن الأرض كلها تحترق.
وإذا تابع سلسلة من الجرائم، شعر بأن الخير اختفى.
وإذا أمضى يومه بين الحروب والكوارث والخلافات، قد يعود إلى فراشه حاملًا أوجاع أماكن لم يزرها، وخائفًا من أخطار لم تقترب منه.
الأخبار تحصي الحرائق، لكنها لا تستطيع إحصاء ملايين المصابيح التي بقيت مضاءة في البيوت.
وتنقل إلينا أصوات الخصومات، بينما تمر آلاف المصالحات بعيدًا عن الكاميرات.
ليست المشكلة في الخبر، بل في أن ننسى أن ما يُنشر هو الجزء الاستثنائي من العالم، لا العالم كله.
هل ندعو إلى حياة بلا أحداث؟
لا.
فالحياة تحتاج إلى الحركة والطموح والمغامرة والتجدد.
والإنسان يحتاج إلى أهداف توقظه، وأحلام تدفعه، وأحداث تمنحه الخبرة والمعنى.
لكن المشكلة تبدأ عندما نظن أن اليوم الهادئ يوم ضائع، وأن الراحة كسل، وأن الاستقرار ملل، وأن السعادة لا تكون إلا في قمة جديدة.
ليست كل الأيام مخصصة لصناعة الإنجازات.
بعضها خُلق كي نستعيد قدرتنا على الاستمرار.
وليس علينا أن نطالب كل لحظة بأن تكون استثنائية.
يكفي بعض اللحظات أن تكون آمنة.
النعمة التي لا نراها
ربما لا تكون السعادة دائمًا في أن يحدث ما نريد.
قد تكون في ألّا يحدث ما نخشاه.
أن يمر يوم آخر دون خسارة.
أن يصل المسافر.
أن يجيب الغائب.
أن يبقى المريض مستقرًا.
أن يفتح الإنسان باب بيته، فيجد الأشياء والأشخاص في أماكنهم.
أن يختلف مع من يحب، ثم يبقى الحب أكبر من الخلاف.
وأن يضع رأسه على وسادته دون أن يحمل سؤالًا يخيفه من الصباح.
هذه ليست حياة بلا أحداث.
هذه حياة تحفظك بهدوء، دون أن تطلب منك الانتباه إلى كل مرة فعلت فيها ذلك.
قبل أن تنام
في نهاية هذا اليوم، قد تظن أنه لم يحدث لك شيء يستحق الذكر.
لكنّك عدت سالمًا.
وما زال من تحبهم قريبين.
ولم يطرق الخوف بابك.
ومنحك الليل سريرًا ونافذة وشيئًا من السكينة.
لا تقل:
مرّ اليوم ولم يحدث شيء.
قل:
مرّ اليوم، ولم يحدث ما يؤلمني.
وتلك، أحيانًا، أعظم النعم.