من المسودة إلى التوقيع.. السعودية وأمريكا تبرمان اتفاق التعاون النووي
اتفاق «123» لمدة 30 عامًا يفتح الطريق أمام التقنية الأمريكية ودورة وقود محلية.. ويبدأ مسار المراجعة في الكونغرس
الرياض | بث
وقّعت المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية رسميًا اتفاقًا للتعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، لينتقل الملف من مرحلة التفاوض والموافقة المبدئية إلى إطار حكومي موقّع ينتظر استكمال إجراءات النفاذ.
ووقّع الاتفاق صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز وزير الطاقة، ووزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، بعد موافقة الرئيس دونالد ترمب على صيغته النهائية.
ويمتد الاتفاق ثلاثين عامًا، ويندرج ضمن ما يُعرف باتفاقات «123»، نسبة إلى المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكي، وهي المظلة القانونية اللازمة لتمكين الشركات الأمريكية من تصدير المفاعلات والمواد والتقنيات والخدمات النووية إلى دولة أخرى.
ويتيح الاتفاق للشركات الأمريكية المشاركة في تطوير البرنامج النووي المدني السعودي، وتوريد المفاعلات والمعدات والخدمات الفنية، وبناء شراكة طويلة الأمد تشمل التدريب والتشغيل وتطوير الكفاءات وسلاسل الإمداد.
ولا يعني التوقيع بدء نقل التقنية أو تشغيل منشآت نووية فورًا؛ إذ يبقى الاتفاق خاضعًا لمراجعة الكونغرس، ثم للتراخيص والموافقات التنفيذية الخاصة بكل مشروع أو عملية نقل.
BETH سبقت الإعلان
كانت وكالة BETH قد نشرت في 18 يوليو 2026 تقريرًا موسعًا بعنوان:
«السعودية تقترب من امتلاك دورة الوقود النووي»
وكشف التقرير الموافقة المبدئية داخل الإدارة الأمريكية على مسودة الاتفاق، وتناول أبعاده المتعلقة بالتخصيب المحلي، والضمانات الرقابية، والمراحل القانونية التي تسبق دخوله حيز النفاذ.
ويؤكد التوقيع الرسمي ما خلص إليه التقرير قبل الإعلان بأربعة أيام: أن المفاوضات لم تعد تتعلق ببناء مفاعلات أمريكية داخل المملكة فقط، بل بموقع السعودية داخل سلسلة الصناعة النووية ودورة الوقود نفسها.
ماذا تغيّر؟
عند نشر تقرير BETH، كان الاتفاق:
- مسودة حظيت بموافقة مبدئية داخل الإدارة الأمريكية.
- ينتظر اعتماد الرئيس ترمب.
- لم يُوقّع رسميًا بين الحكومتين.
- لم يبدأ مساره التشريعي داخل الكونغرس.
أما الآن فقد:
- وافق الرئيس الأمريكي على صيغته النهائية.
- وقّع وزيرا الطاقة السعودي والأمريكي الاتفاق.
- أصبح إطارًا حكوميًا رسميًا للتعاون لمدة ثلاثين عامًا.
- انتقل إلى مسار المراجعة وإجراءات النفاذ.
وبذلك أُنجزت أهم مرحلة سياسية في الاتفاق، بينما بقيت المراجعة التشريعية والتراخيص التنفيذية والعقود التجارية.
التخصيب في قلب الاتفاق
ظل امتلاك المملكة دورة وقود نووي محلية، بما فيها إنتاج اليورانيوم منخفض التخصيب، العقدة الأساسية في المفاوضات مع واشنطن.
وأكد الأمير عبدالعزيز بن سلمان في يناير 2023 عزم المملكة على الاستفادة من مواردها المحلية في جميع مراحل دورة الوقود، بدءًا من استخراج اليورانيوم وإنتاج «الكعكة الصفراء»، وصولًا إلى التخصيب وتصنيع الوقود.
وبحسب التفاصيل المنشورة عن الاتفاق، فإنه لا يفرض حظرًا مطلقًا على التخصيب أو إعادة معالجة الوقود المستهلك، بل يفتح إمكان تطوير هذه القدرات ضمن دراسة مشتركة وترتيبات تنفيذية وضمانات رقابية يتفق عليها الطرفان.
ومن المنتظر أن يدرس البلدان خلال عامين الحاجة الفنية والاقتصادية إلى التخصيب المحلي، ومستواه، وطبيعة المنشآت المطلوبة، وآليات التشغيل والرقابة.
وهذا يعني أن الاتفاق يفتح الطريق القانوني والسياسي أمام التخصيب، لكنه لا يمنح إذنًا تشغيليًا فوريًا ولا يعني أن المملكة بدأت تخصيب اليورانيوم بالفعل.
فالانتقال إلى التنفيذ يتطلب:
- إنشاء المنشآت والبنية الفنية.
- تحديد مستويات التخصيب واستخداماته.
- استكمال أنظمة الرقابة والضمانات.
- إصدار التراخيص الأمريكية ذات الصلة.
- بناء القدرات البشرية والتشغيلية السعودية.
لماذا يثير الاتفاق اهتمامًا دوليًا؟
تخصيب اليورانيوم تقنية مزدوجة الاستخدام.
فعند المستويات المنخفضة يُستخدم اليورانيوم وقودًا للمفاعلات المدنية، بينما يمكن عند رفع مستوى التخصيب إنتاج مواد تدخل في تصنيع الأسلحة النووية.
ولهذا تبنت واشنطن في بعض اتفاقاتها السابقة، وفي مقدمتها الاتفاق مع دولة الإمارات، سياسة تمنع التخصيب وإعادة المعالجة محليًا، فيما عُرف بـ«المعيار الذهبي» لمنع الانتشار.
أما الاتفاق السعودي فيمثل تحولًا عن هذا النموذج؛ إذ يعترف بأن المملكة لا تريد استيراد المفاعلات والوقود بصورة دائمة، بل تسعى إلى بناء جزء من الصناعة والمعرفة ودورة الوقود داخل أراضيها.
الضمانات والرقابة
وفق المعلومات المتاحة، لا يشترط الاتفاق انضمام السعودية إلى «البروتوكول الإضافي» للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يمنح الوكالة صلاحيات موسعة للتفتيش والوصول إلى مواقع غير معلنة.
ويتضمن الاتفاق بدلًا من ذلك إطار ضمانات ثنائيًا بين الرياض وواشنطن، إلى جانب التزامات المملكة القائمة بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ونظام ضمانات الوكالة الدولية.
ومن المتوقع أن تكون تفاصيل الرقابة، وحدود التخصيب، وآلية التعامل مع الوقود المستهلك، من أبرز الملفات التي ستخضع للنقاش داخل الكونغرس.
ماذا بقي قبل النفاذ؟
لا يزال الاتفاق يمر بمراحل قانونية وتنفيذية، تشمل:
- إحالته إلى الكونغرس مصحوبًا بتقييم لمنع الانتشار النووي.
- خضوعه لمراجعة تستمر 90 يومًا من أيام الانعقاد المتواصل.
- عدم إقرار مجلسي النواب والشيوخ قرارًا مشتركًا برفضه.
- إصدار الموافقات الخاصة بنقل المواد والمعدات والتقنيات.
- إبرام العقود التجارية واتفاقات البناء والتشغيل.
- استكمال ترتيبات السلامة والأمن والرقابة النووية.
ويمكن للرئيس الأمريكي استخدام حق النقض ضد قرار رفض الاتفاق، ما يجعل تعطيله بحاجة إلى أغلبية قادرة على تجاوز الفيتو الرئاسي.
وبذلك فإن الاتفاق أصبح موقّعًا، لكنه لا يصبح نافذًا بصورة كاملة ولا يسمح بعمليات النقل والتنفيذ تلقائيًا قبل عبور هذه المراحل.
التحليل
من استيراد المفاعل إلى امتلاك الصناعة
لا تكمن أهمية الاتفاق في شراء مفاعلات نووية لإنتاج الكهرباء فقط.
فالتحول الاستراتيجي يبدأ عندما تنتقل المملكة من استهلاك التقنية إلى المشاركة في صناعتها؛ من استكشاف اليورانيوم واستخراجه، مرورًا بإنتاج الوقود، وصولًا إلى تشغيل المفاعلات وتطوير الخبرات الوطنية.
وهنا تصبح الطاقة النووية قطاعًا اقتصاديًا وصناعيًا متكاملًا، يضم:
- التعدين ومعالجة الخامات.
- الهندسة والتصنيع المتقدم.
- التدريب والبحث العلمي.
- السلامة والرقابة الإشعاعية.
- تشغيل المفاعلات وصيانتها.
- إدارة الوقود والنفايات.
- سلاسل توريد ووظائف عالية التخصص.
والقيمة الحقيقية لن تُقاس بعدد المفاعلات فقط، بل بمقدار المعرفة والتقنية والصناعة التي ستبقى داخل المملكة.
لماذا وافقت واشنطن؟
تدرك الولايات المتحدة أن رفض المطالب السعودية لن يؤدي بالضرورة إلى توقف البرنامج النووي، بل قد يدفع الرياض إلى موردين وشركاء آخرين يملكون القدرة على بناء المفاعلات ونقل التقنية.
وكانت واشنطن أمام خيارين:
التشدد في شروطها، مع احتمال خسارة السوق والتأثير الاستراتيجي.
أو التوصل إلى صيغة تحفظ حضورها داخل البرنامج السعودي وتربط تطويره بالتقنية والرقابة الأمريكية.
اختارت الإدارة الأمريكية الشراكة؛ لأن بقاء البرنامج داخل منظومتها يمنحها نفوذًا أكبر من الوقوف خارجه، كما يفتح أمام الشركات الأمريكية سوقًا تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات.
ماذا تكسب السعودية؟
يفتح الاتفاق أمام المملكة مسارًا لتحقيق مجموعة من الأهداف:
- إدخال الطاقة النووية ضمن مزيج الطاقة الوطني.
- إنتاج الكهرباء وتحلية المياه.
- خفض استهلاك النفط والغاز في توليد الكهرباء.
- توجيه موارد الطاقة إلى التصدير والصناعات الأعلى قيمة.
- تنمية القدرات العلمية والهندسية.
- الاستفادة من موارد اليورانيوم المحلية.
- بناء سلسلة إمداد نووية وطنية.
- تعزيز الاستقلال والأمن في مجال الطاقة.
ولا تزال السعودية تخطط لإنشاء أول محطة نووية كبيرة تضم مفاعلين بقدرة تقارب 1.4 غيغاواط لكل منهما، فيما لم تُعلن حتى الآن ترسية العقد النهائي على شركة بعينها.
الخلاصة
ما نشرته BETH في 18 يوليو بوصفه تحولًا مرتقبًا أصبح اليوم اتفاقًا رسميًا موقّعًا.
لكن التوقيع لا يعني أن المفاعلات بدأت العمل، أو أن المملكة شرعت في تخصيب اليورانيوم؛ بل يعني أن البلدين أنجزا الإطار الحكومي الذي يمكن أن ينقل السعودية، بعد استكمال المراجعة والتراخيص والبناء، من استيراد التقنية والوقود إلى المشاركة في إنتاجهما.
في 18 يوليو كانت السعودية تقترب من دورة الوقود النووي؛ وبعد التوقيع الرسمي، وقّعت الإطار الذي يفتح الطريق القانوني إليها، إذا اجتاز المراجعة واستُكملت التراخيص.