الأشياء التي لا نقولها
كتب: عبدالله العميره
هناك أشياء كثيرة لا نقولها.
ليس لأنها أسرار.
ولا لأننا لا نعرف الكلمات.
بل لأننا نظن أن الوقت ما زال طويلًا.
نؤجل كلمة شكر.
واعتذارًا كان يمكن أن ينهي مسافة.
ونخفي إعجابنا بشخص، أو امتناننا له، أو حتى استياءً صغيرًا كان يمكن أن يُقال بهدوء قبل أن يكبر.
نقول لأنفسنا:
غدًا.
في المناسبة القادمة.
عندما تهدأ الأمور.
حين يصبح الوقت مناسبًا.
ثم نكتشف أن بعض الكلمات لها وقت صلاحية.
ليس لأن معناها يتغير، بل لأن الإنسان الذي كان يجب أن يسمعها ربما تغير.
أو ابتعد.
أو أننا نحن لم نعد الأشخاص أنفسهم.
وأحيانًا لا نصمت لأننا نؤجل الكلام.
بل لأننا نعتقد أن الصمت هو الشكل الأرقى من الطيبة.
نتجاوز.
ونعذر.
ونتحمل.
ونقول:
لا بأس.
مع أن هناك بأسًا.
نقبل ما لا يعجبنا حتى لا نحرج أحدًا.
نتنازل حتى لا نخسر علاقة.
ونصمت عن الأشياء الصغيرة حتى لا نصنع مشكلة كبيرة.
وهذا جميل أحيانًا.
فالإنسان لا يستطيع أن يعيش وهو يحاسب الآخرين على كل كلمة وكل موقف.
لكن الطيبة تبدأ في التحول إلى عبء عندما يصبح الآخرون مطمئنين إلى أنك ستتحمل دائمًا.
حين يعرفون أنك لن تعترض.
وأنك ستصلح ما يفسدونه.
وأنك ستفهم غيابهم، وتبرر تقصيرهم، وتسامح قبل أن يعتذروا.
وهنا تحدث مفارقة غريبة:
قد تتحول أجمل صفة فيك إلى أكثر الأشياء إيلامًا لك.
ليس لأن الطيبة خطأ.
بل لأن الطيبة التي لا تضع حدودًا قد تعلّم الآخرين، من دون قصد، أن حدودك غير موجودة.
ثم تأتي اللحظة التي تقول فيها:
يكفي.
فيتفاجأون.
لا لأنك تغيرت.
بل لأنهم لم يعرفوا أبدًا كم كنت تتحمل.
وهنا نصل إلى واحد من أغرب اكتشافات الحياة:
نحن نعرف بعض الناس متأخرًا.
نعيش معهم سنوات.
نضحك، ونعمل، ونسافر، ونتبادل التفاصيل.
ثم يأتي موقف واحد يكشف شيئًا لم نره طوال تلك السنوات.
قد نكتشف إنسانًا أجمل مما كنا نظن.
شخصًا يقف معنا عندما يغادر الجميع.
أو يذكر معروفًا ظننا أنه نسيه.
أو يتصرف بنبل في لحظة لا تمنحه شيئًا في المقابل.
وقد يحدث العكس.
فنكتشف أن العلاقة التي حسبناها عميقة كانت تعتمد، في جانب منها، على قدرتنا المستمرة على العطاء.
وأن بعض الذين أحبوا طيبتنا لم يكونوا يحبونها لأنها جميلة..
بل لأنها كانت مريحة لهم.
ولعل هذا ما يجعل معرفة الناس مسألة لا تحسمها السنوات وحدها.
فالزمن يكشف بعض الوجوه.
لكن المواقف تكشف ما وراءها.
والإنسان لا يظهر كاملًا في الأيام العادية.
نحن نعرفه أكثر حين تختلف المصالح، وحين نقول «لا»، وحين نتوقف عن أداء الدور الذي اعتاد أن يرانا فيه.
وربما نحن أيضًا لا نعرف أنفسنا إلا متأخرًا.
لا نعرف أين تنتهي قدرتنا على الاحتمال حتى نصل إليها.
ولا نعرف قيمة صوتنا حتى نصمت طويلًا.
ولا نفهم أن الطيبة تحتاج إلى شجاعة أخرى تحميها:
شجاعة أن تقول ما يجب أن يقال.
أن تقول:
هذا أزعجني.
وهذا أسعدني.
وهذا لا أقبله.
وهذا المعروف لن أنساه.
وأنت مهم.
وأنا ممتن.
وأعتذر.
وأحيانًا:
لن أستطيع الاستمرار بهذا الشكل.
فالوضوح ليس نقيض الطيبة.
وقد يكون أصدق أشكالها.
لأن الأشياء التي لا نقولها لا تختفي.
بعضها يبقى داخلنا.
يتراكم.
ويغير نظرتنا إلى الأشخاص والعلاقات، بينما الطرف الآخر لا يعرف أصلًا أن شيئًا تغير.
ثم نستغرب أننا لم نعرف بعض الناس إلا متأخرًا.
وربما الحقيقة أننا تأخرنا نحن أيضًا في أن نُريهم من نكون.
لهذا، ليست المشكلة دائمًا في الكلمات القاسية التي نقولها.
أحيانًا تكون في الكلمات الضرورية التي لم نقلها.
كلمة كانت ستحفظ علاقة.
أو تضع حدًا.
أو تكشف إنسانًا.
أو تجعلنا نعرفه في وقت أبكر.
وفي النهاية، ربما لا نستطيع قول كل شيء.
ولا ينبغي لنا ذلك.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الصمت الذي تختاره حكمة..
والصمت الذي تدفع ثمنه لاحقًا.
فبعض الأشياء التي لا نقولها تمر.
وبعضها يعود إلينا بعد سنوات، على هيئة سؤال واحد:
لماذا لم أقلها حين كان للكلام معنى؟
_____
المقال التالي : إما نعيم دائم أو عذاب دائم