الحزن الممتع
كتب: عبدالله العميره
يقال:
ابكِ.. فالدموع تغسل الأحزان.
ولا أعرف من قالها أول مرة، لكن يبدو أننا أخذنا النصيحة بجدية شديدة.
بكينا في الأغاني، والمسلسلات، والسينما.
ثم، بعدما انتهينا من البكاء، اشترينا تذكرة أخرى لنعود ونبكي من جديد.
لدينا علاقة غريبة جدًا بالحزن.
لا نكتفي بأن نحزن عندما يحزننا شيء، بل نصنع له موسيقى، وإضاءة، وكلمات، وسهرة كاملة.
ثم نسمي ذلك:
طربًا.
خذ الأغنية العربية مثلًا.
هناك عناصر يصعب أن تخلو منها أغنية عاطفية قديمة:
الليل.. والعين.. والقلب.. وسيرة الحب.
ومن ظل يغني للحب طوال حياته، لم يتزوج أبدًا.
رحل، وترك أجيالًا تتغنى بالهم والحزن.
الليل طويل.
والعين لا تنام.
والقلب موجوع.
وإذا لم يكن القلب موجوعًا في بداية الأغنية، فلا تقلق؛ سيصيبه شيء قبل المقطع الأخير.
أما العين، فوظيفتها الأساسية البكاء.
من النادر أن تجد شاعرًا يقول لها:
نامي قليلًا، غدًا لديك عمل.
العين العربية في الأغاني موظفة بدوام كامل في قسم الدموع.
والليل بدوره مظلوم؛ فمنذ عشرات السنين ونحن نحمله مسؤولية الفراق والوحدة والحنين والشكوى.
ولا أحد تقريبًا تذكّر أن الليل وُجد أيضًا للنوم.. وللراحة والطمأنينة.
حتى في الحب، وما يفترض أن يحمله من بهجة، قالت قصيدة شهيرة مغنّاة:
حبيبتي..
لأجل أن أنسى جرحك وأستريح،
سأبكي.
وبعد البكاء سأبكي.
وأكيد ستأتي لحظة،
ويجف دمعي.
ثم تأتي المفارقة الأجمل:
أن المستمع لا يكتفي بسماع هذه الأحزان، بل يستمتع بها.
يجلس مرتاحًا، يحتسي قهوته، ويطلب من المطرب أن يزيده وجعًا.
وإذا بلغ المطرب بيتًا شديد الحزن، انتشى المستمع وقال:
الله!
يسمع إنسانًا يقول إن حياته عذاب، وقلبه مكسور، وعينه لا تتوقف عن البكاء.. فيطرب.
وهذه وحدها ظاهرة تستحق الدراسة.
وفي بعض الأغاني نصل إلى مرحلة أكثر إثارة:
يمكن للإنسان أن يرقص على مأساة كاملة.
خذ مثلًا:
كتاب حياتي يا عين.. ما شفت زيه كتاب
الفرح فيه سطرين.. والباقي كله عذاب
نحن هنا أمام كارثة إنسانية مكتملة:
حياة لم يكن فيها من الفرح إلا سطران، وصحة ذهبت، وأطباء عجزوا، ودموع لا تنتهي، وزمن غدّار.
ومع ذلك، قد تسمعها في مناسبة، فترى من يهز كتفيه ويحرك قدميه، ثم يقول لمن بجواره:
ارفع الصوت!
هنا يصبح الحزن حالة عجيبة:
حزنًا ممتعًا.
ولا يختلف الأمر كثيرًا في المسلسلات العربية.
لا بد من أم تبكي، وأب مقهور، وابن مظلوم، وامرأة خانها الزمن، ورجل خذله الجميع، وعائلة لديها من المصائب ما يكفي لإغلاق الحي كله حدادًا.
وحين تنتهي الحلقة عند أعلى درجات البؤس، تظهر العبارة الشهيرة:
يتبع.
وطبعًا سنتابع.
نريد أن نعرف ماذا سيفعل بهم الكاتب غدًا.
كأن الإنسان يعود من يومه بما فيه من مسؤوليات وهموم، ثم يقول لنفسه:
ينقصني قليل من الكآبة.
ويفتح التلفزيون.
الحزن، بالطبع، جزء أصيل من الإنسان، ومن الطبيعي أن يكون جزءًا من الفن.
وربما كان الفن أحد أجمل الطرق التي يتصالح بها الإنسان مع ألمه.
لكن السؤال:
متى أصبح الحزن هو الطريق الأسرع إلى قلوبنا؟
ولماذا يبدو الفرح في كثير من أعمالنا خفيفًا وعابرًا، بينما نمنح الحزن أجمل الكلمات، وأقوى الألحان، وأفضل المشاهد؟
كأن الفرح ضيف مستعجل.
أما الحزن، فنعطيه غرفة خاصة، ونعد له القهوة، ونطلب منه أن يبقى قليلًا.
ربما لأن الإنسان يجد راحة حين يرى ألمًا يشبه ألمه، أو لأنه يفرغ في الفن ما لا يستطيع تفريغه في الحياة.
لكننا تجاوزنا مجرد التنفيس.
لقد فعلنا شيئًا أكثر براعة:
تعلمنا كيف نستمتع بالحزن.
نطرب له.
نحفظه.
نردده.
ونطلب إعادته.
وقد نرقص عليه.
حتى أصبح للحزن عندنا مقام موسيقي، ووقت مفضل، وذكريات جميلة.
وربما أصبح لدينا، وسط كل هذه المفارقات، اختراع لا ينافسنا فيه كثيرون:
الحزن الممتع.
لذلك لا تتعجب أن تجد أكثر البيئات تخلفًا في العقل والإنتاج الحضاري، هي ذاتها الأكثر امتلاءً بالحزن وأدواته، والأكثر انشغالًا بالابتذال وأدواته؛ فكلها، في النهاية، تُغرق العقل فيما لا يفيد.