أصلحوا المكيّف أولًا

news image

لماذا يجيد بعض القادة والوعّاظ صناعة الخوف، ولا يجيدون صناعة الحلول؟

كتب: عبدالله العميره

كل بضعة أيام، يخرج بيان من موسكو أو كييف ليعلن نجاح ضربة جديدة.

مصنع دُمّر.

مستودع احترق.

مصفاة توقفت.

ميناء تعطّل.

ومركز للإنتاج لم يعد قادرًا على الإنتاج.

تُعرض الصور، وتُحصى الخسائر، وتُقدَّم العملية بوصفها إنجازًا عسكريًا يثبت قدرة هذا الطرف على الوصول إلى عمق الطرف الآخر.

وفي يونيو، أعلنت أوكرانيا استهداف مصنع روسي ينتج مكونات إلكترونية تُستخدم في الصواريخ. وفي يوليو، تعرضت أكبر مصفاة نفط روسية لهجوم أدى إلى توقف عملياتها. وفي المقابل، أعلنت روسيا تنفيذ عمليات استهدفت عشرات المنشآت داخل أوكرانيا، من بينها مؤسسات للصناعات العسكرية، فيما امتدت الضربات إلى الموانئ والطاقة والبنية الأساسية.  

وبعيدًا عن ضرورة التحقق من كل رواية عسكرية، يبقى المشهد نفسه مثيرًا للتأمل:

أصبح الإنسان يتباهى بقدرته على تدمير ما احتاج بناؤه إلى سنوات.

المصنع الذي كان يمكن أن ينتج آلة أو دواءً أو طاقة أو مادة تفيد حياة الناس، يتحول في لحظة إلى هدف.

والميناء الذي كان يمكن أن يحمل القمح إلى دولة محتاجة، يصبح ساحة حرب.

والمليارات التي كان يمكن أن تبني مدنًا وطرقًا ومستشفيات، تُنفق في القتال، ثم تُطلب مليارات أخرى لإعادة ما دُمّر، إن بقي من يعيد البناء.

بعد ذلك يقف القادة أمام شعوبهم ليحدثوهم عن النصر.

لكن أي نصر هذا الذي يُقاس بعدد المصانع التي توقفت، والمدن التي أُطفئت، والفرص التي احترقت؟

حين يصبح الهدم بطولة

ليس الهدف هنا المساواة بين من يبدأ الحرب ومن تُفرض عليه.

هناك معتدٍ ومدافع، وهناك احتلال ومقاومة، وهناك فرق أخلاقي وقانوني لا يجوز محوه تحت عبارات عامة عن السلام.

والدفاع عن الوطن حق، وقد يصبح ضرورة لا يملك الإنسان ترف التخلي عنها.

لكن حتى الحرب المفروضة لا ينبغي أن تتحول إلى ثقافة تمجّد التدمير، ولا إلى حالة يجد فيها القائد هويته ومجده واستمراره.

فالسؤال ليس: هل يحق للدولة أن تدافع عن نفسها؟

بل: هل يبقى هدف الدفاع الوصول إلى السلام، أم يصبح استمرار الحرب هدفًا قائمًا بذاته؟

بعض القادة لا يخلقون الحلول، بل يجيدون إنتاج العُقد، ثم يقدمون أنفسهم بوصفهم الأشخاص الوحيدين القادرين على إدارتها.

لا يفتحون طريقًا للخروج من الأزمة، بل يبنون داخلها مقاعدهم.

وكلما تعقدت، ازدادت حاجتهم إليها.

يشبهون زعماء العصابات وقطاع الطرق؛ لا يعرفون كيف يصنعون الثروة، فيبحثون عمن يسلبونه. ولا يجيدون التجارة، فيفضّلون السيطرة. ولا يملكون مشروعًا للحياة، فيحوّلون الموت إلى مشروع.

فالسرقة أسرع من الاستثمار.

والهدم أسرع من البناء.

وإطلاق الصاروخ أسهل من توقيع اتفاق يحتاج إلى تنازل وشجاعة ومسؤولية.

ليست الحروب سواء

ولا يصح وضع ما يجري بين روسيا وأوكرانيا، وما يحدث بين الولايات المتحدة وإيران، في ميزان واحد.

فالمواجهة الأميركية الإيرانية جاءت في سياق مختلف، بعد سنوات من تدخلات النظام الإيراني وتهديداته، واستخدامه الحرس الثوري وأذرعه المسلحة لزعزعة المنطقة، ثم تعريض الملاحة والطاقة ودول الجوار للخطر.

وهنا لا تظهر إيران دولة تبحث عن السلام ولا تجده، بل نظامًا يراوغ، يفاوض حين يحتاج إلى الوقت، ثم يتراجع حين تقترب لحظة الالتزام. كما يبدو الحرس الثوري مستعدًا لتعريض سلامة إيران وشعبها لقوة عسكرية ضاربة، من أجل حماية نفوذه وبقائه.

لذلك يمكن فهم الضربات الأميركية باعتبارها محاولة لردع هذا السلوك، وإجبار طهران على احترام قواعد لا تريد الالتزام بها طوعًا.

لكن حتى التأديب العسكري يجب أن يمتلك هدفًا واضحًا ونهاية سياسية ممكنة؛ لأن الردع إذا تحول إلى تدمير مفتوح بلا سقف، فقد يصبح هو نفسه جزءًا من المشكلة.

الفرق كبير بين حرب تُخاض للاستيلاء والتوسع، وقوة تُستخدم لضبط عابث؛ لكن المعيار في الحالتين يبقى واحدًا: هل تقود القوة إلى حل، أم تنتج نارًا جديدة؟

لماذا يميل الناس إلى الظلام؟

هذا الميل لا يظهر في الحروب فقط.

نجده في السياسة والإعلام والتعليم والإدارة، وحتى في بعض الخطابات الدينية والاجتماعية.

كنت في يوم من الأيام أتحاور مع شخص يتدين بجهل لا بعلم، في فترة كاد فيها هذا النوع من التدين أن يطبق على المجتمع.

قلت له:

تكتبون لوحات تسمونها إرشادية، تقولون فيها:

«من لا يؤدي الصلاة يدخل النار».

لماذا لا تكتبون:

«من يؤدي الصلاة يدخل الجنة»؟

لماذا النار دائمًا؟

أين الجنة؟

السؤال يبدو بسيطًا، لكنه يكشف طريقة كاملة في النظر إلى الإنسان.

هناك من يعتقد أن الناس لا يتحركون إلا بالخوف.

يخيف الطفل كي يطيعه.

ويخيف الموظف كي يعمل.

ويخيف المجتمع كي يصمت.

ويخيف المتدين كي يلتزم.

ويخيف الناخب كي يصوّت.

ويخيف الدولة كي تتنازل.

الخوف وسيلة سريعة؛ لأنه يخاطب أقدم غريزة في الإنسان: النجاة.

أما الأمل، فيحتاج إلى ثقة.

والإقناع يحتاج إلى علم.

والبناء يحتاج إلى وقت.

والحل يحتاج إلى عقل يتحمل المسؤولية.

لذلك يفضّل بعض الناس النار؛ ليس لأنها أفضل، بل لأنها أسهل في الاستخدام.

الخوف يمنح سلطة

من يصف الخطر يبدو عالمًا بما لا يعرفه الآخرون.

ومن يلوّح بالعقوبة يظهر قويًا.

ومن يصنع عدوًا يستطيع أن يجمع الناس حوله.

أما من يقدم حلًا، فعليه أن يشرح كيف سينفذه، ومتى تظهر نتائجه، ومن سيتحمل تكلفته، وماذا سيفعل إذا أخفق.

الخوف لا يحتاج إلى كل ذلك.

يكفي أن تقول للناس:

العدو قادم.

الجحيم ينتظركم.

المؤامرة تحيط بكم.

إذا رحلتُ، سقط الوطن.

إذا لم تسمعوا كلامي، هلكتم.

وهكذا تتحول القيادة من صناعة المستقبل إلى إدارة الرعب منه.

ويصبح الواعظ حارسًا للنار، والسياسي حارسًا للعدو، والمسؤول حارسًا للأزمة.

ولو انتهى الخوف، فقدوا جزءًا كبيرًا من سلطتهم.

أصلح المكيّف

وتحضرني هنا قصة تختصر هذا المقال كله.

كان الناس يصلّون في مسجد، ويستمعون إلى خطيب يطيل الحديث.

وفي عز الحر، انقطعت الكهرباء، فتوقف المكيّف وانطفأت الأنوار، وبدأ المصلون يشعرون بالاختناق.

توقف الخطيب لحظة، ثم وجد في الموقف فرصة لموعظة جديدة، فقال:

هل شعرتم بهذا الحر؟

نار جهنم أشد عليكم.

عندها قام رجل كبير في السن وقال له:

«قم صلّح المكيّف، وذكّرنا بنعيم الجنة، وخلّ عنك الثرثرة»

قد تبدو العبارة طريفة، لكنها تحمل فلسفة كاملة في القيادة والإدارة والإرشاد.

الخطيب كان بارعًا في وصف النار.

أما الرجل فكان يبحث عن الحل.

الخطيب استثمر معاناة الناس ليزيد خوفهم.

أما الرجل فسأل عن سبب المعاناة وكيف يمكن إنهاؤها.

الخطيب نقلهم من حرارة المسجد إلى نار جهنم.

أما الرجل فأراد إعادة الكهرباء وتشغيل المكيّف، ثم الاستماع إلى حديث يمنحه أملًا في الجنة.

وهذا ما تفعله بعض القيادات في العالم.

تصف الأزمة.

وتشرح خطورتها.

وتحذر من نتائجها.

وتحمّل الآخرين مسؤوليتها.

ثم تطلب من الناس مزيدًا من الصبر والخوف والتضحية.

لكنها لا تصلح المكيّف.

الشرارة التي تُترك

ليست كل الحرائق نتيجة إهمال، وليست كل الحروب قابلة للمنع، لكن كثيرًا من الكوارث لم تبدأ كبيرة.

بدأت شرارة صغيرة، رآها أحدهم ولم يطفئها.

وتجاوزًا محدودًا، لم يجد من يوقفه.

وعصابة من أفراد قليلين، اختبرت سلطة الدولة، فاكتشفت أن لا أحد يراقبها أو يحاسبها.

العصابات لا تكبر بقوتها وحدها، بل باطمئنانها إلى غياب المتابعة والعقاب.

يبدأ أفرادها بخطوة صغيرة لا تجد ردًا، ثم يخطون أخرى أكبر. ومع كل مرة ينجون فيها، لا يزداد عددهم وسلاحهم فقط، بل يزداد يقينهم بأن الطريق مفتوح أمامهم.

وهكذا تتحول مجموعة صغيرة إلى عصابة، والعصابة إلى قوة، والقوة إلى خطر يكلّف المجتمع أضعاف ما كان سيكلّفه إيقافها في البداية.

والحرائق لا تصبح كوارث بسبب النار وحدها، بل بسبب الدقيقة التي مرّت ولم يتحرك فيها أحد، والتحذير الذي لم يؤخذ بجدية، والعطل الذي تأجل إصلاحه، والشرارة التي ظنها الجميع أصغر من أن تستحق الانتباه.

وكذلك الحروب.

لا تتسع بالسلاح فقط، بل بتراكم الأخطاء المؤجلة، والخطابات المحرّضة، والمظالم التي تُترك، والاتفاقات التي لا يأتي إليها أحد إلا بعد أن ترتفع كلفة الحل.

وكثير من الأزمات لا تصبح خطيرة لأنها كانت قوية منذ البداية، بل لأن من كان يستطيع إيقافها مبكرًا قرر أنها أصغر من أن تستحق التدخل.

وحين يُهمَل العطل، يحترق السلك.

وحين يُترك السلك، يشتعل المكان.

ثم يأتي المسؤول متأخرًا، محاطًا بالكاميرات، ليتحدث عن بطولة إطفاء حريق كان يمكن ألا يقع.

القيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد الحرائق التي أطفأتها أمام الناس، بل بعدد الشرارات التي منعتها من أن تصبح حرائق دون أن يشعر بها أحد.

ولهذا، لا يكفي أن نصلح المكيّف بعد توقفه؛ بل يجب أن نراقب الأسلاك قبل أن تحترق.

من يبني السلام؟

بعد الحرب العالمية الثانية، كان بإمكان أوروبا أن تبقى أسيرة الثأر.

ملايين القتلى، ومدن مدمرة، وكراهية تراكمت عبر أجيال.

لكن فرنسا وألمانيا اختارتا أن تربطا مصالحهما في الفحم والصلب، وهما المادتان اللتان تقوم عليهما صناعة الحرب.

لم تلغيا التاريخ، ولم تنسيا الدماء، لكنهما جعلتا الحرب التالية أكثر صعوبة، لأن المصنع والسوق والاستثمار أصبح كل منها مصلحة مشتركة.

لم يكن السلام خطابًا أخلاقيًا فقط.

كان هندسة للمصالح.

وفي جنوب أفريقيا، كان بإمكان نيلسون مانديلا أن يحوّل خروجه من السجن إلى مشروع انتقام طويل، لكنه أدرك أن قيادة الدولة أصعب من قيادة الغضب.

فالقائد الحقيقي ليس من يستطيع إشعال النار؛ فكثيرون يستطيعون ذلك.

القائد هو من يستطيع الوقوف أمام جمهور غاضب، ويقوده إلى حل قد لا يشبع رغبته في الانتقام، لكنه يحمي أبناءه من حرب جديدة.

القوة التي لا تبني

ليست كل قدرة قوة.

قد تملك صاروخًا يصل إلى مصنع، لكنك لا تملك فكرة تمنع إطلاقه.

وقد تستطيع إسقاط جسر، لكنك تعجز عن بناء جسر بين شعبين.

وقد تهزم خصمًا في معركة، ثم تفشل في صناعة سلام يستطيع الجميع العيش داخله.

وقد تُخيف الناس لسنوات، لكنك لا تستطيع أن تجعلهم يحبون ما تدعوهم إليه.

القوة التي لا تنتج حياة ليست كاملة.

والقيادة التي لا تخلق حلولًا ليست قيادة، مهما كثرت حولها الأعلام والحراسات والخطب.

فالزعيم لا يستحق الاحترام لأنه يستطيع إصدار أمر بالهجوم.

أي قائد عسكري يستطيع أن يقدم له قائمة الأهداف.

لكن الاحترام الحقيقي يستحقه من يجد طريقًا حين تُغلق الطرق، ويبتكر مصلحة مشتركة حين تتصارع المصالح، ويمنع الحرب حين يصبح إشعالها هو القرار الأسهل.

من يعجز عن الجنة

ربما لهذا يكثر بعض الناس من الحديث عن النار.

لأن وصف الجحيم أسهل من بناء طريق إلى الجنة، مع أن مصير الإنسان إلى الجنة أو النار ليس بيد أحد من البشر، بل هو إلى حكم الله ورحمته وإرادته سبحانه وتعالى.

ومن يعجز عن تقديم الأمل، يقدم الخوف.

ومن يعجز عن صناعة المستقبل، يصنع عدوًا.

ومن لا يعرف كيف يبني مصنعًا، قد يتباهى بتدميره.

ومن لا يستطيع حل المشكلة، يحوّلها إلى موعظة.

ومن يهمل الشرارة وهي صغيرة، قد يقف لاحقًا أمام الحريق متظاهرًا بالبطولة.

العالم لا يحتاج إلى مزيد من القادة الذين يصفون الحريق ببلاغة.

ولا إلى مزيد من الوعّاظ الذين يحدثون الناس عن شدة الحر بينما يقفون بجوار مفتاح الكهرباء.

ولا إلى مسؤولين يشرحون الأزمة حتى يحفظ الناس تفاصيلها، ثم يتركونها كما هي.

العالم يحتاج إلى من يرى الشرارة قبل أن تصبح حريقًا.

ومن يعرف أين العطل.

ومن يملك شجاعة الاعتراف به.

ومن يستطيع إصلاحه.

قبل أن تحدثونا عن قوة الصواريخ، أخبرونا كيف ستتوقف الحرب.

وقبل أن تتفاخروا بالمصانع التي دمرتموها، أخبرونا عن المصانع التي ستبنونها.

وقبل أن تطلبوا من الشعوب احتمال مزيد من النار، افتحوا لها نافذة نحو الحياة.

وقبل أن تصفوا لنا الجحيم مرة أخرى:

أصلحوا المكيّف أولًا.