حين يتحول النادي إلى هوية

news image

لماذا يتعصب الناس لكرة القدم؟ ولماذا يحتاج الإنسان إلى شيء يجعله يشعر بأنه أفضل من الآخرين؟
 

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث | BETH
إشراف: عبدالله العميره

السؤال ليس:

لماذا يتعصب الناس لكرة القدم؟

بل ربما:

لماذا يحتاج الإنسان أصلًا إلى فريق، أو جماعة، أو فكرة، أو رمز، يشعر من خلالها بأنه أقوى، وأفضل، وأقرب إلى الحقيقة من الآخرين؟

فالكرة ليست سوى المسرح.

أما القصة الحقيقية، فبدأت قبل الكرة بآلاف السنين.

الإنسان لا يحب أن يكون وحيدًا

منذ القبائل الأولى، احتاج الإنسان إلى الانتماء.

قبيلة.
مدينة.
دين.
لغة.
حزب.
وطن.
فريق كرة.

كان الانتماء وسيلة للبقاء.

لكن العقل البشري لم يكتفِ بالانتماء.

بل أضاف شيئًا آخر:

"نحن أفضل منهم."

وهنا بدأت الحكاية.

من القميص إلى الهوية

المشكلة أن بعض الناس لا يشجعون ناديًا.

بل يسكن النادي داخلهم.

فإذا فاز الفريق، شعر وكأنه هو من انتصر.

وإذا خسر، بدا وكأن الهزيمة وقعت على أسرته كلها.

أما إذا انتقد أحد النادي، فالأمر لا يُفهم على أنه رأي رياضي، بل إهانة شخصية تستوجب الرد، وربما الحرب العالمية الثالثة.

لماذا يتعصب الناس؟

لأن التعصب يمنح أشياء كثيرة مجانًا:

  • هوية جاهزة.
  • شعورًا بالانتماء.
  • أصدقاء يشبهونك.
  • أعداء تكرههم.
  • تفسيرًا بسيطًا لكل شيء.
  • وإحساسًا جميلًا بأنك دائمًا على حق.

فالعقل يحب الاختصارات.

ومن المريح جدًا أن يكون الخطأ دائمًا عند الحكم، والإعلام، والاتحاد، والمؤامرة الكونية، بينما يبقى فريقك أعظم اختراع عرفته البشرية.

السوشيال ميديا .. مصنع التضخم

في الواقع، كثير من الناس المتزنين لا يدخلون المعارك.

لكن السوشيال ميديا لا تكافئ الهدوء.

الخوارزميات لا تقول:

"أعطوني أكثر الناس حكمة."

بل تقول:

"أعطوني أكثرهم غضبًا."

وهكذا يتحول صاحب الرأي المتزن إلى مشاهد صامت.

بينما يتحول المتعصب إلى مراسل حربي، ومحقق جنائي، وخبير لوائح، وقاضٍ دولي، ومؤرخ، ومتحدث رسمي باسم العدالة الكونية، كل ذلك بين الشوطين.

هل المتعصب جاهل؟

ليس بالضرورة.

ففي كل مكان من العالم يوجد متعصبون يحملون أعلى الشهادات.

الذكاء لا يمنع التعصب.

وأحيانًا يجعل صاحبه أكثر براعة في الدفاع عن أوهامه.

فالإنسان لا يستخدم عقله دائمًا للوصول إلى الحقيقة.

بل يستخدمه أحيانًا للدفاع عن انتماءاته.

ولماذا يريد الإنسان أن يشعر بأنه أفضل من الآخرين؟

لأن الشعور بالتفوق يمنح راحة نفسية.

فمن الصعب أن يقول الإنسان:

"أنا شخص عادي."

ولهذا يبحث البعض عن مجد مستعار.

فإذا لم يحقق بطولة بنفسه، استعار بطولة النادي.

وإذا لم يصنع إنجازًا، اكتفى بالعيش داخل إنجازات الآخرين.

ثم يبدأ الحديث بصيغة عجيبة:

"فزنا."

"هزمناهم."

"لقنّاهم درسًا."

مع أن أقصى مساهماته في المباراة كانت تغيير القناة عند الدقيقة السبعين.

السخرية الكبرى

أن مشجعين من الفريق نفسه قد يختلفون في كل شيء:

في السياسة.
والاقتصاد.
والثقافة.
وربما حتى في طريقة إعداد الشاي.

لكنهم يتحولون فجأة إلى إخوة في الدم لأن أحد عشر لاعبًا يرتدون اللون نفسه.

وفي المقابل، قد يتحول صديقان عاشا معًا عشرات السنين إلى خصمين لأن لاعبًا لمس الكرة بيده داخل منطقة الجزاء.

المشكلة ليست في الكرة

فالكرة جميلة.

والانتماء جميل.

وحتى التعصب الخفيف جزء من متعة اللعبة.

لكن الخطر يبدأ عندما يتحول النادي إلى عقيدة.

وعندما تصبح العدالة مرتبطة بلون القميص.

وعندما يصبح الاعتراف بالخطأ خيانة.

وعندما يتحول الإنسان من مشجع للفريق...

إلى حارس لعصمة الفريق.

السؤال الذي قد لا يكون عن الكرة أصلًا

ربما لا تكشف كرة القدم شيئًا جديدًا.

بل تكشف ما هو موجود أصلًا.

فالإنسان الذي يتعصب لنادٍ بطريقة عمياء، قد يتعصب لفكرة، أو حزب، أو زعيم، أو قبيلة، أو حتى إشاعة.

لأن المشكلة ليست في الشعار...

بل في الحاجة القديمة داخل الإنسان إلى أن يقول:

أنا أنتمي... إذن أنا أفضل.

وربما لهذا لم يكن السؤال الحقيقي يومًا:

لماذا يتعصب الناس لكرة القدم؟

بل:

لماذا يحتاج الإنسان إلى أن يستعير العظمة من شيء خارج نفسه، بدلًا من أن يبنيها داخله؟

 

لحظة وعي

من مؤشرات التعصب أن تصبح فرحتك بخسارة خصمك أكبر من فرحتك بانتصار فريقك.

شجّع فريقك كما تشاء، وافرح كما تشاء، واختلف كما تشاء؛ لكن لا تجعل الآخرين يكرهونك، أو يكرهون ناديك، بسبب سلوك لا يشبه جمال اللعبة.

فالانتماء حق.

والتعصب الأعمى خيار.

وحريتك في التشجيع تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين وكرامتهم.

وفي النهاية، تبقى كرة القدم لعبة جميلة...

ولا تستحق أن نخسر بسببها احترامنا لأنفسنا، أو احترام الآخرين لنا.

الصورة:

من يؤثر على من؟