اليوم 162: مصارعة في حلبة هرمز
واشنطن تعلن سيطرتها الكاملة على مضيق هرمز، وطهران تتمسك بأنها صاحبة قرار فتحه، فيما تكشف حركة السفن أن الممر لم يعد إلى طبيعته، وأن الحرب انتقلت من تبادل الضربات الواسعة إلى صراع على من يملك حق العبور وشروطه.
متابعة وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
المشهد الآن
دخلت الحرب الأمريكية الإيرانية يومها الـ162 من دون عودة إلى الضربات الجوية الواسعة، لكن الهدوء العسكري لم يتحول إلى تسوية سياسية.
فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة تملك «السيطرة الكاملة» على مضيق هرمز، واصفًا الانتشار البحري الأمريكي بأنه جدار يمنع إيران من فرض إرادتها على الممر.
في المقابل، رفضت طهران الرواية الأمريكية، وأكدت أن المضيق لن يُفتح بصورة طبيعية قبل استجابة واشنطن لشروطها، وفي مقدمتها رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، والإفراج عن الأصول المجمدة، وتحديد التزامات أمريكية قابلة للتنفيذ.
وهكذا لم يعد الخلاف على فتح المضيق فقط، بل على السؤال الأصعب:
من يملك سلطة تعريف المضيق المفتوح: القوة البحرية الأمريكية، أم الجغرافيا والسيادة الإيرانية؟
لا تمديد للتفاهم
نفت مصادر إيرانية وجود مفاوضات لتمديد مهلة اتفاق يونيو، وقالت إن الاتفاق انهار بعد إخلال الولايات المتحدة بالتزاماتها، وإن الاتصالات الحالية تجري بصورة غير مباشرة عبر الوسطاء.
وتطالب طهران بالعودة إلى الاتفاق السابق قبل الانتقال إلى مفاوضات جديدة، بينما ترى واشنطن أن إيران مطالبة أولًا بإعادة فتح المضيق ووقف تهديد السفن.
هذا يعني أن الطرفين لا يختلفان على التفاصيل فحسب؛ بل على نقطة البداية:
واشنطن تقول: افتحوا المضيق ثم نتفاوض.
وطهران تقول: نفّذوا التزاماتكم ثم نفتحه.
ولا تظهر حتى الآن صيغة قادرة على كسر هذا الترتيب المتعاكس.
السيطرة لا تعني الفتح
تقدم الولايات المتحدة أرقامًا تقول إن ما يقارب تسعة ملايين برميل يوميًا يعبر هرمز، وإن إجمالي صادرات المنطقة عبر المضيق والمسارات البديلة يبلغ نحو 15 مليون برميل.
لكن بيانات تتبع السفن ترسم صورة مختلفة؛ إذ تقدر التدفقات الفعلية عبر المضيق بما يتراوح بين 1.74 و6.98 ملايين برميل يوميًا، بينما كانت الصادرات الإقليمية قبل الحرب تقترب من 18.7 مليون برميل.
وقد يكون جزء من الفارق ناتجًا من إطفاء السفن أجهزة التتبع، أو استخدام مسارات وأنابيب بديلة، لكن اتساع الفجوة يجعل التصريحات الأمريكية أقرب إلى رواية سياسية عن السيطرة منها إلى دليل نهائي على عودة الملاحة الطبيعية.
فالقوة البحرية تستطيع حماية سفينة أثناء عبورها، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة الثقة إلى شركات الملاحة والتأمين والبحارة.
السفينة الأولى قد تعبر بالسلاح، أما الملاحة الطبيعية فلا تعود إلا حين تتأكد السوق أن السفينة التالية ستعبر من دونه.
المعركة تنتقل إلى السفن
أطلقت القوات الأمريكية النار في 11 أغسطس على سفينة الشحن «فيلا نوفا» التي ترفع علم بنما، وقالت إن السفينة حاولت كسر الحصار المفروض على إيران، وإن مروحية أمريكية استهدفت غرفة محركاتها.
تكشف الحادثة أن واشنطن انتقلت من محاولة فتح الممر في وجه القيود الإيرانية إلى فرض قيودها الخاصة على السفن المتجهة إلى إيران.
وهنا تتشكل مفارقة الحرب:
كل طرف يقول إنه يحمي حرية الملاحة، بينما يستخدم الملاحة نفسها للضغط على الطرف الآخر.
كما تزيد الحادثة خطر انتقال المواجهة من حرب بين دولتين إلى أزمة دولية تطال سفنًا وأطقمًا وشركات ودول تسجيل لا تشارك مباشرة في الحرب.
ماذا يريد ترامب؟
أمام الرئيس الأمريكي ثلاثة مسارات أعلنها بوضوح:
- مواصلة الضغط العسكري والبحري.
- تنفيذ ضربات أقوى إذا رفضت إيران الشروط.
- تشديد الخنق الاقتصادي حتى يصبح الوضع الداخلي الإيراني غير قابل للاستمرار.
لكن سلوك ترامب خلال الأسابيع الماضية يُظهر أنه يستخدم التهديد بالضربة لإجبار الوسطاء على انتزاع تنازل إيراني، ثم يؤجل التنفيذ كلما ظهرت إمكانية لاتفاق.
ولهذا، فإن حديث «السيطرة الكاملة» لا يعني بالضرورة أن ضربة واسعة أصبحت وشيكة؛ بل قد يكون محاولة لإقناع إيران بأن ورقة هرمز فقدت قيمتها، ودفعها إلى التفاوض قبل أن تضطر واشنطن إلى إثبات هذا الادعاء عسكريًا.
ماذا تريد إيران؟
تدرك طهران أنها لا تستطيع مضاهاة القوة الأمريكية في مواجهة مفتوحة، لكنها تعرف أيضًا أن واشنطن لم تستطع حتى الآن تحويل التفوق العسكري إلى نهاية سياسية للحرب.
لذلك تتمسك إيران بهرمز لأنه بقي أهم أوراقها:
- يرفع تكلفة الحرب على الاقتصاد العالمي.
- يمنحها حضورًا في أي تفاوض.
- يمنع واشنطن من إعلان نصر كامل.
- يربط أمن الطاقة برفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.
لكن استمرار الإغلاق يضغط على إيران نفسها، ويهدد بعزلها عن الدول التي تتفهم مطالبها السياسية لكنها لا تقبل تعطيل تجارتها وطاقة العالم.
هرمز يمنح إيران قوة تفاوضية، لكنه قد يتحول مع الوقت إلى عبء اقتصادي وسياسي عليها.
ماذا بعد؟
الأرجح خلال الأيام المقبلة ليس سلامًا شاملًا ولا عودة فورية إلى القصف الواسع، بل تصعيد محسوب في البحر:
عبور تجريبي محمي
قد يدفع الوسطاء نحو السماح بمرور عدد محدود من السفن في مسارات متفق عليها، من دون إعلان إيراني عن فتح كامل للمضيق، ومن دون رفع أمريكي فوري للحصار.
فصل هرمز عن الحرب
ستسعى واشنطن إلى اتفاق ملاحي مستقل يمنع استهداف السفن، ثم تؤجل ملفات النووي والعقوبات والتعويضات إلى مفاوضات لاحقة. أما إيران فستقاوم هذا الفصل حتى تحصل على مقابل اقتصادي واضح.
تصعيد انتقائي
إذا فشلت الوساطة، فقد تضرب الولايات المتحدة قدرات ساحلية أو بحرية إيرانية محددة، بدل العودة مباشرة إلى حملة جوية طويلة داخل إيران.
اختبار الحصار الأمريكي
قد تدفع طهران بسفن أخرى نحو موانئها، أو تستخدم سفنًا غير إيرانية وشبكات نقل أكثر تعقيدًا؛ لاختبار قدرة الولايات المتحدة على فرض حصارها من دون إثارة مواجهة مع دول ثالثة.
نقطة الانفجار
أخطر ما في المرحلة الحالية أن قرار الحرب لم يعد محصورًا في البيت الأبيض أو القيادة الإيرانية.
فقد تشعلها سفينة أخطأت المسار، أو طائرة مسيّرة لم تُعرف هويتها، أو قائد ميداني أساء تقدير اقتراب قطعة بحرية، أو هجوم على منشأة طاقة في الخليج أو البحر الأحمر.
وهذا يجعل الهدوء الراهن أكثر هشاشة مما يبدو؛ لأن كثرة القوى والأسلحة والممرات المهددة ترفع احتمال أن يسبق الحادثُ القرارَ السياسي.
التقدير
لا تسيطر الولايات المتحدة على هرمز بالمعنى السياسي الكامل، ولا تسيطر إيران عليه بالمعنى العسكري المطلق.
واشنطن تملك القوة القادرة على فرض العبور، وطهران تملك القدرة على إبقاء العبور خطرًا ومكلفًا.
ولهذا تحاول كل منهما إعلان الانتصار قبل الوصول إلى الاتفاق:
ترامب يريد أن يُفتح المضيق بوصفه نتيجة للقوة الأمريكية.
وإيران تريد أن يُفتح بوصفه نتيجةً لتنازلات أمريكية.
وبين الروايتين، تنتظر الأسواق أول سفن تعبر بانتظام، لا أول تصريحات تصدر من واشنطن أو طهران.
الحرب لم تقترب من السلام؛ لكنها دخلت معركة تحديد من يكتب شروط الممر. وإذا لم يجد الوسطاء صيغة تحفظ ماء وجه الطرفين، فقد يصبح هرمز المكان الذي تبدأ منه الضربة التالية، لا الطريق الذي تنتهي عبره الحرب.