عيون BETH في عواصم القرار
14 أغسطس 2026
تتصدر أزمة مضيق هرمز اهتمامات الصحافة العالمية، لكن زوايا التناول تكشف اختلافًا واضحًا بين العواصم: واشنطن تبحث عن أثر الحصار وكلفة الحرب، ولندن تقرأ صعود التحالف السعودي التركي الباكستاني، وموسكو وبكين تبرزان فشل القوة الأمريكية في انتزاع القرار من إيران، بينما تنظر نيودلهي وطوكيو إلى أمن الطاقة وتغير مسارات النفط.
متابعة وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
واشنطن | السيطرة التي لا تعيد السفن
تركز الصحافة الأمريكية على التناقض بين إعلان الرئيس دونالد ترامب أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز، وبين حركة السفن التي لم تعد إلى مستوياتها الطبيعية.
وتختصر وول ستريت جورنال هذه المفارقة في عنوان لافت: «ترامب يقول إن هرمز تحت السيطرة الأمريكية.. لكن قليلًا من السفن يصغي»، مشيرة إلى أن إيران لا تحتاج إلى إغلاق كامل للممر؛ إذ تكفي هجمات محدودة ومتقطعة لجعله شديد الخطورة على شركات الملاحة والتأمين.
وتتابع واشنطن بوست الملف من زاوية شروط طهران وكلفة الحرب، موضحة أن إيران تربط فتح المضيق بالتعويضات وتخفيف العقوبات، في وقت تتزايد فيه الأعباء العسكرية والاقتصادية على الولايات المتحدة والأسر الأمريكية.
أما الاهتمام الأحدث، فيتركز على إعلان واشنطن قدرتها على إبقاء الحصار البحري على الموانئ الإيرانية إلى أجل غير محدد، والاستعداد لفرض إجراءات اقتصادية تصفها الإدارة الأمريكية بأنها غير مسبوقة.
الصحافة الأمريكية لم تعد تسأل فقط: هل تسيطر واشنطن على المضيق؟ بل: كم سيكلفها إثبات هذه السيطرة، وكم تستطيع الاستمرار فيها؟
لندن | اتفاق مكة يتحول إلى قوة
تمنح فايننشال تايمز مساحة بارزة لاتفاق الدفاع المشترك بين المملكة وتركيا وباكستان، وتقرأه بوصفه انتقالًا نحو قدر أكبر من الاعتماد الإقليمي على الذات في ظل الحروب وتراجع الثقة بكفاية الضمانات الأمنية التقليدية.
وفي تحليل نشرته اليوم، وصفت الصحيفة باكستان بأنها تتحول إلى «قوة مفصلية» تستطيع التحرك بين الولايات المتحدة والصين والعالم الإسلامي، معتبرة أن انضمامها إلى اتفاق مكة يرفع وزنها الاستراتيجي، رغم أزماتها الداخلية.
وكانت الصحيفة قد أبرزت أن الاتفاق الثلاثي لا يقتصر على التعهد بالدفاع المشترك، بل يمهد لتعاون في الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية ونقل التقنية.
وتتعامل الصحافة البريطانية مع التحالف باعتباره سؤالًا يتجاوز الدول الثلاث:
هل بدأت المنطقة بناء نظام أمني من داخلها، بدل انتظار الحماية من خارجها؟
أوروبا | تأييد الملاحة وتجنب الحرب
تميل الصحافة الأوروبية إلى دعم حرية الملاحة في هرمز، لكنها تعكس تردد الحكومات في الانضمام إلى عملية عسكرية قد تتحول من حماية السفن إلى مشاركة مباشرة في الحرب.
ويظهر الخطاب الأوروبي حذرًا من الروايتين معًا: فهو لا يقبل أن تفرض إيران شروطها على ممر دولي، لكنه لا يمنح واشنطن تفويضًا مفتوحًا لتوسيع المواجهة.
ولهذا يتركز الاهتمام على صيغة محدودة تضمن عبور السفن وتمنع الرسوم والتهديدات، مع فصل المهمة البحرية عن الحرب الأمريكية على إيران.
أوروبا تريد مضيقًا مفتوحًا، لكنها لا تريد أن تكون القوة التي تفتحه بالنار.
موسكو | القوة لا تمنح الشرعية
تمنح الصحافة الروسية مساحة واسعة للتصريحات الإيرانية التي تؤكد أن السفن لا تستطيع عبور هرمز من دون موافقة طهران، في مواجهة إعلان ترامب السيطرة الأمريكية الكاملة.
كما تبرز موسكو العقوبات الأمريكية الجديدة والحصار البحري باعتبارهما دليلًا على انتقال واشنطن من محاولة الحسم العسكري إلى الاستنزاف الاقتصادي.
ويخدم هذا التناول الرواية الروسية الأوسع: أن التفوق العسكري الأمريكي قد يفرض وجودًا في البحر، لكنه لا يمنح واشنطن وحدها حق تحديد قواعد المرور أو تشكيل النظام الأمني للمنطقة.
ويظل الموقف الروسي حريصًا في الوقت نفسه على استمرار عبور سفنه وسفن الدول التي تصنفها إيران «صديقة»، ما يجعل موسكو معترضة على الهيمنة الأمريكية، لكنها مستفيدة جزئيًا من الانتقائية الإيرانية.
بكين | هرمز قضية طاقة عالمية
تضع الصحافة الصينية أزمة هرمز داخل سياق أوسع من المواجهة الأمريكية الإيرانية، وتتعامل معها بوصفها تهديدًا للتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد الآسيوية.
وتبرز تشاينا ديلي ثلاثة محاور متصلة: مطالبة ترامب إيران بتعويضات، وتمسك طهران بحق فرض رسوم أو شروط على العبور، وتحول الولايات المتحدة إلى زيادة الضغط على الاقتصاد الإيراني.
أما الصحافة الصينية الصادرة بالإنجليزية، فتطرح سؤالًا يتصل بموقع بكين: هل تستطيع الصين والهند ودول «بريكس» استخدام وزنها الاقتصادي لدفع تسوية تمنع استمرار تعطيل المضيق؟
الصين لا تريد انتصارًا أمريكيًا يعزز السيطرة على أهم طريق لنفطها، ولا تريد إغلاقًا إيرانيًا يرفع كلفة طاقتها.
لذلك لا تبحث بكين عن المنتصر في هرمز؛ بل عن ممر لا يتحكم فيه طرف واحد ولا يتوقف بقرار طرف واحد.
نيودلهي | عين على التحالف وأخرى على النفط
تقرأ الصحافة الهندية اتفاق مكة بحساسية خاصة بسبب وجود باكستان وتركيا داخله، وتسأل عن أثره في موازين القوة وعلاقات المملكة مع القوى الآسيوية.
وتشرح إنديان إكسبريس ما تمنحه كل دولة للتحالف، وما ينبغي للهند مراقبته، مع تركيز واضح على الوزن النووي الباكستاني، والصناعة الدفاعية التركية، والمكانة الاقتصادية والسياسية للمملكة.
وفي الجانب الاقتصادي، تتحرك المصافي الهندية للبحث عن إمدادات بديلة مع استمرار اضطراب هرمز؛ وهو ما يجعل نيودلهي تنظر إلى الأزمة من زاويتين متوازيتين:
- منع تشكل توازن أمني يضعف موقعها أمام باكستان.
- حماية إمدادات الطاقة من أن تصبح رهينة للمواجهة.
طوكيو | النفط يغير طريقه
ينصب اهتمام الصحافة اليابانية على أمن الطاقة أكثر من تفاصيل الصراع السياسي.
ومع استمرار انخفاض حركة السفن، بدأت مصافٍ في اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان زيادة مشترياتها من النفط الأمريكي وغرب أفريقيا، رغم ارتفاع تكلفته مقارنة بالإمدادات الخليجية.
واشترت شركتا إينيوس وكوزمو إنرجي اليابانيتان شحنات أمريكية بعلاوات سعرية مرتفعة، في مؤشر على أن الشركات لم تعد تنتظر عودة هرمز سريعًا، بل بدأت تعديل مصادر الإمداد فعليًا.
وتواصل جابان تايمز متابعة شروط إيران لإعادة فتح المضيق، لأن طوكيو تعتمد بصورة كبيرة على نفط المنطقة، وأي تغيير دائم في قواعد العبور يمس أمنها الاقتصادي مباشرة.
في طوكيو، لا يُقاس فتح هرمز بالتصريحات؛ بل بعودة الناقلات وانخفاض فاتورة الشحن والتأمين.
الأرقام تكشف الواقع
ارتفعت حركة ناقلات السلع عبر هرمز يوم الخميس إلى تسع سفن، مقارنة بخمس في اليوم السابق، لكنها بقيت دون متوسط أغسطس البالغ 12 سفينة يوميًا، وسلكت غالبية السفن مسارات قريبة من الجانب الإيراني.
ويؤكد ذلك أن العبور لم يتوقف كليًا، لكنه لم يعد طبيعيًا، وأن طهران لا تزال قادرة على التأثير في الطريق الذي تسلكه السفن وتوقيت مرورها.
كما ارتفع خام برنت إلى نحو 87.97 دولارًا للبرميل، وصعد الخام الأمريكي إلى 82.16 دولارًا، مدفوعين بمخاوف إطالة الحصار، رغم توقعات تباطؤ الطلب وارتفاع المخزونات الأمريكية.
ما يهم المملكة
تلتقي اهتمامات الصحافة العالمية اليوم عند أربعة ملفات تمس المملكة مباشرة:
أمن الممرات
لم يعد أمن هرمز منفصلًا عن البحر الأحمر وباب المندب. وأي ضغط على المسارين يرفع قيمة الموانئ السعودية وخط أنابيب شرق–غرب، لكنه يرفع أيضًا حجم التهديدات التي تواجهها.
اتفاق مكة
يتحول الاتفاق من خبر سياسي إلى موضوع استراتيجي دولي. وسيزداد الاهتمام به كلما ظهرت آليات التنفيذ والتدريبات المشتركة ومشروعات التصنيع ونقل التقنية.
موقع المملكة
تنظر الصحافة إلى الرياض بوصفها مركزًا في ثلاثة مسارات متزامنة: خفض التصعيد، وحماية الطاقة، وبناء قوة ردع إقليمية. وهذا الجمع بين الدبلوماسية والقوة هو ما يميز الحضور السعودي في الأزمة.
الطاقة الآسيوية
تحول المصافي الآسيوية مؤقتًا نحو النفط الأمريكي لا يلغي أهمية النفط السعودي، لكنه ينبه إلى أن استمرار اضطراب الممرات يدفع المشترين إلى إعادة بناء سلاسل الإمداد. والمحافظة على موثوقية التصدير عبر أكثر من طريق تصبح قيمة استراتيجية لا تجارية فقط.
الخلاصة
الصحافة العالمية لا ترى نهاية قريبة للحرب، لكنها بدأت تتعامل مع آثارها كوقائع قد تطول: حصار مستمر، ومسارات نفط تتغير، وتحالفات إقليمية تتشكل، وأسواق تدفع كلفة عدم اليقين.
واشنطن تريد إثبات أن قوتها قادرة على إخضاع إيران اقتصاديًا.
وطهران تريد إثبات أن الجغرافيا تمنع واشنطن من إعلان النصر.
أما العواصم الأخرى، فلا تنتظر معرفة المنتصر؛ بل تعيد ترتيب أمنها وطاقتها وتحالفاتها على احتمال أن يطول الصراع.
وفي قلب هذا التحول، تبرز المملكة لا بوصفها دولة تتأثر بالأزمة فقط، بل قوة تعمل على حماية الممرات، وتنويع طرق الطاقة، وبناء تحالف يرفع قدرتها على منع الحرب أو مواجهتها.