الخبر لا يكفي
لماذا تنشر وكالة أنباء مقالات فكرية وتقارير تحليلية ومواد هادئة؟ ولماذا لا تشبه BETH الوكالات التي اعتادها القارئ العربي؟ الجواب يبدأ من سؤال أكبر: هل وظيفة الإعلام أن ينقل ما حدث فقط، أم أن يساعد الإنسان على فهمه؟
كتب: عبدالله العميره
تصلني في الآونة الأخيرة أسئلة متكررة من متابعي وكالة BETH، بعضها بدافع الفضول، وبعضها يحمل دهشة حقيقية:
لماذا تنشر وكالة أنباء مقالات إلى جانب الأخبار والتقارير؟
ولماذا تكتب بأسلوب مختلف وجريء لم نعتده في الوكالات العربية؟
السؤال مفهوم؛ لأن النموذج السائد لوكالات الأنباء العربية ظل سنوات طويلة مرتبطًا بالخبر الرسمي، واللغة الجامدة، والتغطية التي تقول إن الحدث وقع، لكنها نادرًا ما تذهب إلى ما وراء وقوعه.
نشأت معظم هذه الوكالات داخل بيئة رسمية، ثم واصلت العمل بالقوالب نفسها، حتى أصبحت في أحيان كثيرة تشبه الصحف المحلية التي تنقل عنها؛ تخاطب نفسها بلغتها، بدل أن تخاطب العالم بلغته وأسئلته وطرائق فهمه.
ولا أعني بلغة العالم الكلمات التي يتحدث بها فقط، بل لغة العقل؛ فالحاجة الأهم أن يفهم الصحفي كيف يفكر المتلقي، وكيف يقرأ الخبر، وما الأسئلة التي تتشكل في ذهنه قبل أن يكتب له.
أما في BETH، فنحن ننطلق من تصور مختلف:
الخبر بداية العمل، وليس نهايته.
كل مادة لها عقل
من يتابع إنتاج الوكالة سيلاحظ أن التحليل ليس قسمًا منفصلًا نلجأ إليه عند الأحداث الكبرى، بل منهج يمتد إلى معظم ما نقدمه.
لدينا خبر يمنح القارئ المعلومة.
وتقرير يضعها في سياقها.
وتحليل يكشف ما وراءها.
ومقال يقرأ أثرها في الإنسان والمجتمع وصناعة القرار.
لهذا لا نقدم إنتاجًا انطباعيًا يقوم على رأي عابر أو مشاعر غير منضبطة. فما ننشره من مقالات هو في جوهره مقالات تحليلية أو تقريرية؛ تبدأ من واقعة، وتطرح أسئلتها، وتقارن دلالاتها، ثم تصل إلى قراءة يستطيع القارئ مناقشتها.
ونحاول دائمًا أن نقرأ ما يدور في داخل المتلقي، وأن نعبّر نيابةً عنه عما يشعر به ولا يستطيع صياغته؛ فنحرّك مكامن التفكير والإحساس لديه، ونمنح ما يختبئ في داخله لغةً وصوتًا.
قد يأتي النص في هيئة مقال، لكنه يحمل انضباط التقرير.
وقد يبدو تقريرًا، لكنه يمتلك عمق المقال.
نحن لا ننشغل كثيرًا باسم القالب؛ ما يعنينا هو قيمة ما يصل إلى القارئ.
حتى الهدوء صحافة
تنشر BETH أيضًا مقالات هادئة قد تبدو بعيدة عن صخب الأخبار والحروب والسياسة.
وهذه ليست استراحة فارغة، ولا كلمات وجدانية تُضاف لإكمال المشهد. إنها جزء من رؤيتنا للإنسان الذي يتلقى يوميًا صور القتل، والكوارث، والصراعات، والتهديدات، ثم يغلق هاتفه محملًا بكل ما شاهده.
من حق هذا الإنسان أن يجد في الإعلام مساحة تعيد إليه توازنه، وتمنحه فكرة أو درسًا أو لحظة تأمل.
ومقالاتنا الهادئة، وإن بثت الطمأنينة، لا تخلو من معنى؛ فهي تناقش الخوف، والفقد، والتعلق، والعلاقات، وازدحام العقل، والقدرة على مواصلة الحياة.
فالإعلام الذي يعرف كيف يقلق الإنسان، ينبغي أن يعرف أيضًا كيف يساعده على فهم قلقه.
الوكالة ليست نشرة حوادث
لسنا مقتنعين بأن وكالة الأنباء يجب أن تكون مستودعًا للأخبار الجافة والمؤلمة، تنقل الحوادث والبيانات وفق أجندة ثابتة، ثم تعتبر أن مهمتها انتهت.
الوكالة العالمية الحقيقية ينبغي أن تتسع للسياسة والاقتصاد والثقافة والعلم والمجتمع والفكر والحياة.
وأجندتنا في BETH ليست قائمة موضوعات نفرضها على المتلقي؛ بل محاولة جادة لفهم ما يحتاج إليه:
أن يعرف ما حدث.
وأن يفهم لماذا حدث.
وأن يرى ما قد يحدث بعده.
وأن يجد، وسط كل ذلك، ما يخاطب عقله وروحه.
لا يعني التنوع التخلي عن الضوابط؛ فنحن لا نبحث عن الإثارة الرخيصة، ولا نقدم موضوعات ملتوية أو إثارة سطحية، ولا نتجاوز أخلاقيات المهنة.
الواقع هو عمود العمل، لكن الواقع نفسه أوسع من البيانات الرسمية والأخبار العاجلة.
لا شيء يتوقف
الصحافة ليست قالبًا مقدسًا، والإعلام ليس مهنة اكتملت أدواتها ثم توقفت.
كل فن في الحياة يتطور، فكيف لا يتطور فن الإعلام وعلم الصحافة، وهما الأكثر اتصالًا بالإنسان وتقنياته وطرق معرفته بالعالم؟
لهذا سيجد متابع BETH تغيرات متواصلة؛ إن لم تظهر كل يوم، ظهرت كل أسبوع أو مع بداية مرحلة جديدة.
نجرّب نوافذ تحريرية مختلفة، ونطوّر الصور والفنون الإعلامية، ونراجع أساليب العرض، ونبحث عن لغة تصل إلى القارئ أينما كان، وتخاطب عقله بالطريقة التي يفهمها ويتفاعل معها.
ولم نصل إلى ذلك مصادفة؛ بل عبر ثلاثة عشر عامًا لم تقتصر على صناعة الخبر وتطوير الفنون الصحفية، وإنما شملت دراسة أنماط التفكير لدى المتلقين في مجتمعات مختلفة، وكيف يقرؤون الخبر، ويتأثرون به، وما الأثر الذي يتركه في عقولهم.
نحن نثق بخبرتنا، ونثق أكثر بقدرة زميلاتنا وزملائنا على الابتكار.
فالوكالة التي لا تتغير مع قارئها، ستستمر في النشر، لكنها ستتوقف عن الوصول.
وماذا عن الذكاء الاصطناعي؟
يأتي السؤال أحيانًا بصيغة تبدو استفسارًا، لكنها لا تخلو من محاولة انتقاص:
هل تعتمدون على الذكاء الاصطناعي؟
والجواب بسيط: من يعمل اليوم في الإعلام والمعرفة ولا يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي؟
هذه الأدوات متاحة للجميع؛ للمؤسسات والأفراد، وللكبير والصغير، وللصحفي وغير الصحفي. ولذلك لا يشكل مجرد استخدامها تفوقًا ولا تهمة.
السؤال الحقيقي ليس: هل تستخدم الذكاء الاصطناعي؟
بل: ماذا تستطيع أن تصنع به؟
الأداة لا تختار القضية، ولا تفهم وحدها حساسية المجتمع، ولا تميز تلقائيًا بين الجرأة والتهور، ولا تعرف هوية المؤسسة، ولا تحدد السؤال الذي غاب عن الآخرين.
تحتاج إلى صحفي يفهم مهنته، ويعرف ما يريد، ويملك القدرة على التحقق والاختيار والنقد والتعديل، ثم يتحمل مسؤولية ما ينشر.
أما الصحفي الذي لا يعرف غايته، فلن تمنحه أكثر الأدوات تطورًا رؤيةً لا يملكها. قد تنتج له كلمات كثيرة، لكنها لن تمنحه سؤالًا ذكيًا، ولا حسًا مهنيًا، ولا قدرة على اكتشاف ما وراء الخبر.
الذكاء الاصطناعي لا يلغي عقل الصحفي؛ بل يكشف حجمه.
وفي BETH لا نسلّم عقلنا للأداة، بل نضع الأداة داخل منظومة يقودها العقل والخبرة والسياسة التحريرية. نستخدمها في البحث والمقارنة وتوسيع زوايا الرؤية وتطوير الإنتاج، ثم يبقى القرار للإنسان الذي يعرف المهنة ومجتمعه ومسؤوليته.
لماذا لا نشبههم؟
لأننا لم نؤسس BETH لتكون نسخة إضافية من نموذج موجود.
تصلني كثيرًا طلبات للعمل في BETH. وفي آخرها، رحبت بصاحبة الطلب، وقلت إن أهم ما نبحث عنه هو «صحفي عالمي». أجابت بأنها لم تفهم المقصود، وحين اعتذرت عن عدم إمكان الاستمرار، كتبت غاضبة: «أنا مخطئة لأنني تواصلت».
لم تكن المشكلة في أنها لم تفهم العبارة؛ فمن حقها أن تسأل، ومن واجبنا أن نوضح. لكن ردها كشف أن بعض المتقدمين يريدون مكانًا في مؤسسة مختلفة، من دون استعداد لفهم ما يجعلها مختلفة.
فالصحفي العالمي ليس من يعرف أخبار العالم فقط؛ بل من يتسع عقله للسؤال، ويتعامل مع ما لا يفهمه بالفضول، لا بالغضب.
نحترم كل تجربة مهنية، لكننا لا نعتقد أن احترام المهنة يعني تكرار قوالبها القديمة. فالصحافة لا تتقدم حين يقلد اللاحقُ السابقَ، بل حين يسأل عمّا لم يعد السابق قادرًا على تقديمه.
لهذا ستستمر المقالات، والتقارير التحليلية، والنوافذ الفكرية، والمواد الإنسانية، والتجارب الجديدة.
سنراجعها ونطورها، وقد نستبدل بعضها حين تظهر صيغة أفضل؛ لكننا لن نعود إلى مفهوم يرى وكالة الأنباء آلةً لإعادة توزيع البيانات.
نحن لا نريد للمتابع أن يغادر BETH حاملًا خبرًا فقط؛ بل أن يغادرها بفهم أوسع مما كان لديه قبل أن يدخلها.
ومن اعتاد أن تقف الوكالة عند آخر سطر في الخبر، قد يستغرب ما نفعله.
أما نحن، فنرى أن العمل الحقيقي يبدأ من هناك.