المستشار المفسد
كيف يتحول صاحب الرأي إلى مهندس للخصومة بين الدول، وكيف يصبح الإعلام مدخلًا لزراعة القطيعة وفصل الدولة عن مجتمعها؟
كتب: عبدالله العميره
لا تبدأ القطيعة بين الدول دائمًا بصاروخ، ولا تُعلن الحرب في كل مرة من منصة عسكرية.
أحيانًا تبدأ الأزمة داخل غرفة هادئة، يجلس فيها مسؤول يستمع إلى مستشار يعرف ماذا يقول، ومتى يقوله، وأي مخاوف يوقظها، وأي معلومات يحجبها.
لا يطلب المستشار المفسد من الدولة أن تعادي دولة أخرى مباشرة؛ فهذا يثير الشك والمقاومة. بل يبدأ بخطوات صغيرة تبدو مهنية وعقلانية:
ينتقي خبرًا، ويضخم تصريحًا، ويقدم الاحتمال بوصفه حقيقة، والخلاف العابر بوصفه تهديدًا، وسوء الفهم بوصفه مؤامرة.
ثم يضع أمام صاحب القرار ملفًا صُمم ليقوده إلى نتيجة واحدة، قبل أن يوهمه بأنه ترك له حرية الاختيار.
المستشار الخطير لا يصنع القرار بنفسه؛ بل يصنع البيئة النفسية التي تجعل القرار الخاطئ يبدو الخيار الوحيد.
عين الدولة الوحيدة
المستشار الحقيقي يوسع مجال الرؤية أمام صاحب القرار؛ يعرض ما يؤيد رأيه وما ينقضه، ويفصل بين المعلومة والتحليل، وينبه إلى الكلفة المحتملة، ولا يخشى أن يقول: «لا أعرف».
أما المستشار المفسد فيفعل العكس.
يضيّق مجال الرؤية، ويقصي الآراء المخالفة، وينتقي من الوقائع ما يخدم غايته، ثم يبني حول المسؤول جدارًا من التفسيرات المتشابهة، حتى لا يعود يسمع إلا صدى رأي واحد.
وهنا لا يعود الخطر في فساد الرجل وحده، بل في تحوله إلى بوابة إلزامية للمعلومة:
هو الذي يختار ما يصل إلى المسؤول، ويفسر نيات الدول الأخرى، ويصنف الأصوات بين صديق وعدو، ويقترح الخبراء الذين يؤكدون قراءته، ثم يرشح مستشارين يشبهونه حتى تتحول الحلقة المغلقة إلى مؤسسة كاملة.
وبمرور الوقت، لا يكون قد أقنع الدولة بفكرته فقط؛ بل يكون قد أعاد تشكيل جهازها الإدراكي ليرى العالم بعينيه.
كيف جاءوا ونجحوا؟
نادرًا ما يصل صاحب الأجندة إلى موقع حساس معلنًا أهدافه الحقيقية.
يصل غالبًا في صورة الخبير اللامع، وصاحب العلاقات الدولية، والباحث الذي يعرف الغرب، أو الإعلامي القادر على مخاطبة الخارج، أو المستشار الذي يملك «مفاتيح» المؤسسات والمنصات ومراكز التأثير.
وتفتح له الطريق أربعة أبواب:
خبرة لا تُفحص
قد تنبهر المؤسسة بالسيرة الذاتية، ولا تبحث بما يكفي في مسار الولاءات والمصالح والعلاقات والتمويل والتحولات الفكرية.
فتسأل: ماذا يعرف؟
ولا تسأل: لمن عمل؟ ومن صنع شبكته؟ وما المصالح التي قد تدخل معه إلى الغرفة؟
ثقة تتحول إلى ثغرة
حين يُختار المستشار بناءً على الارتياح الشخصي وحده، تتحول الثقة من فضيلة إلى نقطة ضعف.
فالكفاءة لا تلغي ضرورة الفحص، والقرب لا يعفي من المساءلة، والإعجاب بذكاء الشخص لا يثبت سلامة أهدافه.
إجابة جاهزة للأزمة
الدولة التي تواجه أزمة تبحث عن تفسير عاجل، والمستشار المفسد يقدم تفسيرًا حادًا ومريحًا:
هذا عدو.
وذاك متآمر.
وتلك الوسيلة يجب إسكاتها.
وهذا المجتمع لا يفهم إلا القوة.
فتمنح الإجابة الجاهزة المسؤول شعورًا مؤقتًا بالسيطرة، ولو كانت مبنية على نصف معلومة.
شبكة التزكية
لا يدخل أصحاب الأجندات فرادى.
يزكي أحدهم الآخر، ويستضيفه في مركز بحثي، ويقدمه إلى وسيلة إعلامية، ويمنحه صفة «الخبير»، ثم تُستخدم هذه الصفة لتبرير تعيينه مستشارًا.
وبعد وصوله، يعيد إنتاج الشبكة داخل المؤسسة.
هكذا لا يحتل شخص موقعًا فقط؛ بل تدخل معه منظومة من العلاقات والمصالح والتفسيرات.
الإعلام يزرع القطيعة
خلال الأزمة الخليجية عام 2017، لم يكن الإعلام ناقلًا للخلاف فحسب؛ بل تحول في كثير من المنصات إلى جزء من المعركة.
وأظهرت دراسات تحليل الخطاب التي تناولت مئات العناوين المنشورة خلال الأزمة تشبع التغطية الإعلامية بالاصطفاف الأيديولوجي، فيما أسهمت الحسابات الآلية والأخبار المضللة والحملات الرقمية في توسيع الانقسام وتحويل الخلاف السياسي إلى خصومة اجتماعية.
وكان عزمي بشارة قد انتقل إلى قطر، وأسس المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ثم معهد الدوحة للدراسات العليا، وأسهم في بناء منظومة إعلامية وبحثية واسعة. وهذه أدوار معلنة تكشف مقدار النفوذ الذي يستطيع المثقف صنعه حين ينتقل من كتابة الرأي إلى بناء المؤسسات المنتجة للرأي والنخب والخطاب.
لكن تحميل شخص واحد المسؤولية الكاملة عن أزمة شاركت في صناعتها دول وأجهزة ومؤسسات ومنصات يختزل ظاهرة أكبر من فرد، وقد يحجب عن الأنظار الشبكات القادرة على إعادة إنتاج النفوذ، وصناعة شخصيات تحمل التوجه نفسه، وإيصالها إلى مواقع التأثير داخل مؤسسات خليجية وعربية أخرى.
ولا يعني ذلك الجزم بوجود دوائر خفية في دولة بعينها من دون أدلة؛ بل التنبيه إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في المستشار منفردًا، وإنما في قدرته على صناعة مستشارين يشبهونه، ثم توزيعهم داخل مواقع التأثير.
وفي بعض الأحيان، لا يكون المستشار قد فرض إرادته على من وضعه في موقعه؛ بل يظهر توافق بين ما يريده وما تريده الجهة التي اختارته، فيتحول من صاحب أجندة خفية إلى أداة واعية لتنفيذ توجه معلوم.
عندئذ لا تعود المسؤولية مسؤوليته وحده، بل تمتد إلى من منحه الموقع، وفتح له الأبواب، ووفر له أدوات التأثير.
ويظل الإعلام النشاط الأكثر قدرة على كشف ملامح هذه الصناعة وغاياتها؛ لأن ما يُدبَّر داخل الغرف المغلقة يخرج عبر الشاشة والمنصة والعنوان في صورة خطاب متكرر يكشف اتجاهه والهدف المراد بلوغه.
فالإعلام لا يفضح الرسالة وحدها؛ بل قد يكشف شبكة من صنعها، وتوقيت إطلاقها، والجمهور المستهدف بها، كما يكشف أحيانًا مقدار التوافق بين إرادة المستشار وإرادة من وضعه.
فالقضية ليست اسمًا بعينه، بل نموذج المستشار الذي يجمع بين القرب من القرار، وإدارة المعرفة، وصناعة الخطاب، وبناء شبكة من الباحثين والإعلاميين.
كيف تُصنع العداوة؟
لا يقول المستشار المفسد: اقطعوا العلاقة.
بل يقترح سلسلة من الخطوات تبدو كل واحدة منها محدودة:
يصعّد نبرة وسيلة إعلامية، ويختار ضيوفًا يكررون رواية واحدة، ويستخرج مقاطع قديمة من سياقها، ثم يطلق حسابات مجهولة لاختبار خطاب أكثر عدوانية.
وبعد ذلك تُنسب هذه الحسابات إلى «الرأي العام»، ويقال لصاحب القرار إن المجتمع غاضب ويطالب بموقف حازم.
وفي الحقيقة، قد يكون المستشار هو الذي صنع الغضب، ثم قدمه إلى الدولة بوصفه حقيقة اجتماعية مستقلة.
يأتي الرد من الدولة الأخرى، فتُستخدم ردة فعلها دليلًا على صحة التحذير الأول.
وهكذا تكتمل الدائرة:
المستشار يتوقع العداء.
الإعلام يستفزه.
الطرف الآخر يرد.
ثم يقول المستشار: ألم أحذركم؟
إنه لا يقرأ المستقبل؛ بل يصنع الظروف التي تحقق نبوءته.
المال والإعلام
يقال إن من أراد التحكم في دولة سعى إلى التأثير في القضاء والقوة العسكرية؛ لأن الأول يحدد ما هو مشروع، والثانية تحدد ما هو ممكن.
لكن الدولة الحديثة لا تُدار بالقوة والقانون وحدهما.
هناك بابان أقل ضجيجًا وأكثر نفاذًا:
المال والإعلام.
المال يحدد من يستطيع الحركة، وما الذي يمكن تمويله، ومن يملك المؤسسات والمنصات ومراكز الأبحاث.
والإعلام يحدد ما الذي يراه المجتمع، وكيف يفسره، ومن يحب، وممن يخاف، وما الذي يعده نجاحًا أو إخفاقًا.
ومن ينجح في التأثير في الاثنين لا يحتاج إلى إصدار الأوامر مباشرة؛ يكفيه أن يمول الفكرة، ويصنع لها جمهورًا، ثم يقدم صداها إلى الدولة باعتباره اتجاهًا عامًا.
التلاعب من المدرجات
وإذا أراد أحد التلاعب بالمجتمع وفصل الدولة عن جمهورها، فلن يتجه إلى نشرات الأخبار وحدها؛ بل إلى أكثر المساحات قدرة على تحريك العاطفة الجماعية، وفي مقدمتها كرة القدم.
فالرياضة ليست مجرد مباراة؛ إنها هوية وانتماء وذاكرة وفرح وغضب، وجماهير مستعدة للدفاع عن ألوانها.
والمستشار المفسد يعرف أن إشعال خلاف رياضي قد يكون أسهل من إشعال خلاف سياسي، وأن نقل التعصب من المدرجات إلى العلاقات بين الشعوب لا يحتاج إلا إلى تحكيم يُتهم بالمؤامرة، ومقطع يُقتطع من سياقه، وإعلامي يحول المنافسة إلى كرامة وطنية، وحسابات تسيء إلى شعب كامل باسم نادٍ أو منتخب.
عندئذ يتراجع العقل، وتتقدم الغريزة، ويصبح المختلف رياضيًا عدوًا سياسيًا واجتماعيًا.
حين يعجز صاحب الأجندة عن إقناع المجتمع بعداوة شعب آخر، قد يحاول تدريبه عليها في مباراة.
ولهذا لا يقتصر أمن المجتمعات على حماية الحدود والمؤسسات؛ بل يشمل حماية مشاعر الناس من الاستثمار السياسي المنظم.
نفوذ بلا توقيع
أخطر خطأ ترتكبه الدولة أن تتعامل مع المستشار بوصفه موظفًا يقدم رأيًا لا أكثر.
فالمستشار القريب من القرار قد يعرف أسرارًا لا يعرفها الوزراء، ويؤثر في ملفات لا يظهر اسمه عليها، ويشارك في اختيار الأشخاص الذين ينفذون رؤيته، ثم يغادر منصبه من دون أن يتحمل علنًا كلفة النتائج.
الوزير يوقع، والمسؤول يعلن، والمؤسسة تنفذ؛ لكن الفكرة قد تكون خرجت من شخص لا يراه الجمهور، ولا يخضع للقدر نفسه من الرقابة.
ولهذا يجب أن تتناسب سلطة المستشار مع حجم مساءلته.
لا يجوز أن يكون تأثيره أكبر من منصبه، وحصانته أكبر من مسؤوليته.
كيف تختار الدول مستشاريها؟
لا يكفي أن يكون المستشار ذكيًا أو متعلمًا أو واسع العلاقات.
فالاختيار الآمن يحتاج إلى منظومة، لا إلى انطباع:
- فحص مهني وأمني ومالي شامل.
- إعلان المصالح والارتباطات السابقة والحالية.
- كشف مصادر الدخل والتمويل والعلاقات البحثية والإعلامية.
- مراجعة تضارب المصالح دوريًا، لا عند التعيين فقط.
- تحديد صلاحيات المستشار ومسؤوليته كتابة.
- منع احتكاره للمعلومة أو وصوله المنفرد إلى صاحب القرار.
- إلزامه بعرض البدائل والرأي المخالف والنتائج المحتملة.
- تقييم توصياته بعد التنفيذ ومقارنتها بتوقعاته.
- تدوير المستشارين وعدم تحويل شخص واحد إلى ذاكرة الدولة وعينها الوحيدة.
- إجراء مراجعة مستقلة بعد كل إخفاق استراتيجي كبير.
وتؤكد أنظمة الحوكمة الحديثة ضرورة الإفصاح المالي، والتدقيق الأمني، وفحص تضارب المصالح والالتزامات الخارجية في شاغلي المواقع الاستشارية الحساسة؛ لأن الخبرة وحدها لا تكفي لضمان استقلال القرار.
لكن الفحص الأمني، على أهميته، قد يكشف العلاقة ولا يكشف الفكرة.
فقد يكون المستشار نظيف الملف المالي، ولا يرتبط رسميًا بجهة أجنبية، لكنه يحمل تصورًا أيديولوجيًا مغلقًا يدفع الدولة إلى خيارات تضر بمصالحها.
ولهذا يجب أن يشمل الاختيار سؤالًا أعمق:
هل يفهم هذا المستشار الدولة كما هي، أم يريد استخدامها لتحقيق العالم الذي يتخيله؟
متى نعرف أنه مفسد؟
تظهر خطورته حين:
- يقسم العالم باستمرار إلى مخلصين وخونة.
- يرفض وصول الرأي الآخر إلى المسؤول.
- يحول كل نقد إلى مؤامرة.
- تتكرر توقعاته الخاطئة ولا تتراجع مكانته.
- يربط بقاءه بإبقاء الدولة في حالة خوف دائم.
- يصنع خصومًا أكثر مما يحل مشكلات.
- يصبح حضوره الإعلامي أكبر من نتائج عمله.
- يحيط نفسه بأشخاص يدينون له بالولاء لا للدولة.
- يضعف علاقات بلاده بجيرانها، ثم يقدم العزلة بوصفها استقلالًا.
المستشار المفسد لا يُقاس بما يقوله عن وطنيته، بل بما تتركه نصائحه في وطنه من قوة أو عزلة، ومن ثقة أو قطيعة.
من سمح له؟
لا يستطيع المستشار، مهما بلغ خبثه، أن يفسد دولة وحده.
ينجح حين يجد مسؤولًا يريد من يؤكد شكوكه لا من يصححها، وحين تضعف المؤسسات، وتختلط الصداقة بالكفاءة، وتصبح النصيحة الشفهية أقوى من الدراسة المكتوبة.
ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال فقط:
كيف دخل المستشار؟
بل أيضًا:
ما الفراغ المؤسسي الذي سمح له بأن يصبح أقوى من المؤسسة؟
فالدولة المحصنة لا تبحث عن مستشار لا يخطئ؛ فهذا غير موجود. لكنها تبني نظامًا يمنع خطأ فرد واحد من التحول إلى سياسة عامة، ويمنع هوى مستشار من أن يصبح خصومة بين شعبين.
الكلمة تهدم جسرًا
قد تحتاج الدول إلى سنوات لبناء الثقة، ثم يأتي مستشار يحمل هدفًا فاسدًا، فيضع كلمة في خطاب، وعنوانًا على شاشة، وتفسيرًا في تقرير، فتبدأ الجسور بالتصدع.
وقد تحتاج المصالحة إلى سنوات أخرى لإزالة ما زرعه في أسابيع.
فالمستشار ليس تفصيلًا إداريًا، والإعلام ليس مرآة محايدة، وكرة القدم ليست دائمًا لهوًا بريئًا.
كلها مساحات يمكن أن تبني المجتمع، ويمكن أن تتحول في يد صاحب أجندة إلى أدوات تفصل الدولة عن جيرانها، وعن مجتمعها، وأحيانًا عن مصالحها الحقيقية.
أخطر المستشارين ليس من يبيع أسرار الدولة لخصومها؛ بل من يقنعها بأن مصلحتها تكمن في تنفيذ ما يريده خصومها.
وعندما تُكتشف النتيجة، يكون قد غادر الغرفة، وبقيت الدولة وحدها تدفع ثمن النصيحة.
منظور آخر
لا يأتي المفسد دائمًا متسللًا من خلف الأسوار؛ فقد يدخل من الباب الرسمي، بملف أنيق، ولغة واثقة، وسيرة تبهر من يقرؤها.
وتكشف الصورة الجانب الأشد خطورة: قد لا يختطف المستشار القلم، بل يناوله إياه صاحب القرار بنفسه؛ فتلتقي إرادة النصيحة الفاسدة بإرادة من اختارها، ثم تمتد آثارها إلى المال والإعلام والمدرج، قبل أن تظهر شقوقها على الجسر بين الدول والمجتمعات.
الخطر لا يسكن اسم المستشار ولا مظهره؛ بل يبدأ لحظة تحوله من صاحب رأي إلى عين وحيدة ترى الدولة من خلالها العالم.
فإذا احتكر شخص واحد نافذة القرار، لم يعد مهمًا كم نافذة تملكها الدولة؛ لأنها لن ترى إلا المشهد الذي اختاره لها.