اليوم 163: ضغط بلا حسم

بعد 163 يومًا من الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، لا تظهر خطوات تقود إلى اتفاق قريب أو مواجهة عسكرية واسعة؛ لكن واشنطن تهيئ لحصار أطول وعقوبات أشد، فيما تتمسك طهران بورقة هرمز. وبينهما، تتحول أزمة الثقة من عقبة أمام الاتفاق إلى مبرر لإطالة الحرب.
متابعة وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
قال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، مساء الخميس، إن التعامل مع إيران ينطوي بطبيعته على صعوبة في التنبؤ، متهمًا طهران بتقديم التزامات لا تفي بها.
وقال فانس:
«يبرمون اتفاقًا، ثم لا يلتزمون به».
وأوضح أن الإدارة الأمريكية تستخدم أدواتها الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية وفق تطورات المواجهة، سواء تعلق الأمر بالعمليات العسكرية، أو البرنامج النووي الإيراني، أو أسعار الطاقة.
ولا تكمن أهمية التصريح في اتهام إيران وحده؛ بل في أنه يقدم تفسيرًا أمريكيًا لغياب المسار الواضح: واشنطن لا تريد تقييد نفسها بخطة واحدة، وتحتفظ بحق الانتقال بين التفاوض والضغط والتهديد العسكري وفق سلوك طهران.
الحصار قد يطول
بالتزامن مع تصريح فانس، قال وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث إن القوات البحرية الأمريكية تستطيع مواصلة حصار الموانئ الإيرانية «إلى أجل غير محدد»، من خلال تدوير السفن والقوات العاملة في المنطقة.
كما أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت أن واشنطن تستعد لاتخاذ إجراءات اقتصادية غير مسبوقة ضد إيران، واصفًا ما يجري الإعداد له بأنه قد يمثل أشد أشكال العزل الاقتصادي التي فُرضت على دولة، مع توقع الكشف عن تفاصيل إضافية خلال الأسبوع المقبل.
ويكشف تزامن التصريحات توزيعًا واضحًا للأدوار:
- فانس يبرر صعوبة التوصل إلى اتفاق.
- هيغسيث يؤكد القدرة على إطالة الحصار.
- بيسنت يهيئ لخنق اقتصادي أشد.
وهذا يعني أن الولايات المتحدة لا تعلن نهاية الدبلوماسية، لكنها تستعد لمرحلة يمكن أن تستمر فيها الحرب من دون قصف واسع.
هرمز يبقى العقدة
في المقابل، ردت طهران على إعلان الرئيس دونالد ترامب «السيطرة الكاملة» على مضيق هرمز، مؤكدة أن المضيق يخضع لسيطرتها، وأن أي سفينة لا تستطيع العبور من دون موافقتها.
كما تتمسك إيران بأن إعادة الملاحة الطبيعية لا يمكن أن تسبق تنفيذ الالتزامات الأمريكية، وفي مقدمتها تخفيف الحصار عن موانئها والإفراج عن أصولها المجمدة.
أما واشنطن، فتطالب بفتح المضيق أولًا، ثم الانتقال إلى تنفيذ بقية التفاهمات.
وبذلك لا يزال الطرفان عالقين أمام ترتيب متعاكس:
واشنطن تريد التنفيذ الإيراني قبل المقابل الأمريكي، وطهران تريد المقابل الأمريكي قبل التنفيذ الإيراني.
وتؤكد مصادر إيرانية أن الاتصالات غير المباشرة لم تحقق تقدمًا في إحياء الاتفاق المؤقت، وأن الحديث عن تمديده غير مطروح حاليًا.
التحليل
تصريح فانس لا يغلق باب الاتفاق، لكنه يرفع شروطه.
فعندما تقول واشنطن إن إيران لا تفي بالتزاماتها، فإنها تمهد للمطالبة باتفاق لا يقوم على الوعود، بل على التنفيذ المتزامن، والتحقق الميداني، وإمكانية إعادة العقوبات أو استخدام القوة عند الإخلال به.
وفي المقابل، تستخدم طهران الحجة نفسها ضد الولايات المتحدة، وتتهمها بالتراجع عن التزاماتها السابقة.
وهنا تصبح المشكلة أكبر من الخلاف على هرمز أو العقوبات:
كل طرف يطلب من الآخر أن يثبت حسن نيته أولًا، بينما يحتفظ هو بأوراق الضغط كاملة.
لذلك يصعب التنبؤ بنسبة مئة في المئة بما سيحدث؛ لأن القرار لا تحكمه خطة معلنة واحدة، بل توازن متغير بين كلفة الحصار، وأسعار الطاقة، وحركة السفن، والضغط الداخلي، ونتائج الوساطة.
ماذا بعد؟
الأرجح خلال الأيام المقبلة:
أولًا: تشديد اقتصادي قبل ضربة عسكرية
ستمنح واشنطن العقوبات الجديدة والحصار البحري فرصة لإحداث أثر أكبر، قبل العودة إلى حملة جوية واسعة.
ثانيًا: استمرار الاتصالات غير المباشرة
لن تتوقف الوساطات، لكن هدفها القريب سيكون اتفاقًا محدودًا على الملاحة، لا تسويةً شاملة للحرب والنووي والعقوبات.
ثالثًا: محاولة بناء اتفاق قابل للتحقق
قد تقوم الصيغة الممكنة على خطوات متزامنة: تسمح إيران بعبور عدد محدد من السفن، مقابل إجراء اقتصادي أمريكي محدود، ثم تتوسع الخطوات إذا التزم الطرفان.
رابعًا: ارتفاع خطر الحوادث البحرية
كلما طال الحصار، ازدادت احتمالات اعتراض سفينة، أو وقوع اشتباك، أو استهداف منشأة طاقة؛ ما قد يعيد الضربات الواسعة من دون أن يكون أي طرف قد اتخذ قرار الحرب مسبقًا.
التقدير
لا يبدو أن واشنطن قررت توجيه ضربة كبرى الآن، لكنها تريد إقناع إيران بأنها تستطيع إبقاء الحصار والعزلة مدة أطول مما تستطيع طهران تحمله.
وإيران لا تملك إنهاء التفوق العسكري الأمريكي، لكنها لا تزال قادرة على منع واشنطن من تحويله إلى استقرار ملاحي أو نصر سياسي.
الحرب في يومها الـ163 لا تسير نحو نهاية واضحة؛ بل نحو اختبار طويل: من يتأثر أولًا، الاقتصاد الإيراني تحت الحصار، أم الاقتصاد العالمي تحت ضغط هرمز وأسعار الطاقة؟
وإذا لم تُبنَ صيغة تجعل التنفيذ متزامنًا وقابلًا للتحقق، فستبقى المفاوضات دائرةً من الاتهامات، وسيظل البحر أقرب إلى إنتاج الحدث التالي من غرف الوسطاء.