هل للقيم جغرافيا؟

news image

حين يكون الدين واحدًا في منبعه، مختلفًا في تطبيقه، هل تصنع الشرق والغرب قيم الإنسان أم تصنعها السلطة والتاريخ والمصلحة؟

 

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

حين يُقال: «القيم الغربية» و«القيم الشرقية»، يبدو الأمر كأن العالم مقسوم أخلاقيًا إلى نصفين.

غرب يؤمن بالحرية والفرد وحقوق الإنسان.

وشرق يؤمن بالأسرة والجماعة والدين والتقاليد.

لكن هل هذا التقسيم حقيقي؟

وهل القيم تنبع من الجغرافيا؟

أم من الدين؟

أم أن ما نسمّيه قيمًا غربية وشرقية ليس سوى حصيلة قرون من التاريخ والصراع والسلطة والمصالح والعادات؟

السؤال يصبح أكثر تعقيدًا حين نتذكر أن الديانات التوحيدية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام، نشأت جميعها في هذه المنطقة من العالم.

من الشرق خرجت الرسالات، ومنه انتقلت إلى أمم وشعوب وقارات أخرى.

فكيف تحولت المسيحية التي نشأت في الشرق إلى أحد أبرز مكونات هوية الغرب؟

وكيف أصبح اليهودي في أوروبا أو الولايات المتحدة يوصف بأنه غربي، فيما يوصف اليهودي الذي عاش في العراق أو اليمن أو المغرب بأنه شرقي؟

وكيف يكون المسلم في إندونيسيا آسيويًا، وفي السنغال أفريقيًا، وفي فرنسا غربيًا، مع أن الدين واحد؟

ربما تكون المشكلة في السؤال نفسه.

فالدين لا يملك جغرافيا ثابتة، والقيم لا تحمل جواز سفر.

هل القيم مبنية على الدين؟

الدين أحد أهم منابع القيم، لكنه ليس المنبع الوحيد.

لقد قدمت الأديان للبشر منظومات كبرى تحدد معاني الخير والشر، والعدل والظلم، والرحمة والقسوة، والأمانة والخيانة، والحق والباطل.

لكن الإنسان لا يتلقى قيمه من النص الديني وحده، بل يتلقاها أيضًا من أسرته، ومدرسته، ومجتمعه، وتاريخه، وقوانينه، ونظامه السياسي، ووضعه الاقتصادي، وما مرّ به مجتمعه من حروب أو ازدهار أو استعمار أو عزلة.

وفي الإسلام، ترتبط القيم ارتباطًا وثيقًا بالعقيدة، وتستمد أصولها من القرآن الكريم والسنة النبوية، وتقوم على ترسيخ مكارم الأخلاق في سلوك الإنسان وعلاقته بغيره.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

ومن سماحة الإسلام، خاتم الرسالات السماوية، واعترافه بالقيم الإنسانية العامة، أنه لم يقدم الأخلاق بوصفها قطيعة مع ما سبق، بل أكد ما جاءت به الشرائع السماوية من فضائل، وأقر ما اهتدى إليه البشر بفطرتهم وعقولهم وتجاربهم من مكارم الأخلاق.

ولهذا أوضح النبي ﷺ أن رسالته جاءت لتتمم البناء الأخلاقي، لا لتبدأه من فراغ؛ فتثبت ما سبقتها إليه الرسالات، وتصحح ما انحرف منه، وتكمل ما تحتاج إليه حياة الإنسان.

أفلا ينبغي أن نتمثل هذه الأخلاق، لتصبح قاسمًا مشتركًا بين الناس، ودافعًا إلى السلام والمحبة والأخوّة الإنسانية؟

ومع ذلك، قد يعتنق شخصان الدين نفسه، ويقرآن النص نفسه، ثم يختلفان في طريقة فهمه وتطبيقه.

ليس لأن الدين تغير، بل لأن البيئة التي قرأ كل منهما الدين من خلالها مختلفة.

الدين يمنح الإنسان المرجعية، لكن الثقافة تؤثر في التفسير، والسلطة تحدد مساحة التطبيق، والمصلحة قد تنتقي من القيم ما يخدمها، والتاريخ يترك آثاره في الوعي حتى بعد مرور قرون.

ولهذا لا يكفي أن نسأل: ما دين هذا المجتمع؟

بل يجب أن نسأل أيضًا:

كيف فهم هذا المجتمع دينه؟

ومن تولى تفسيره؟

وكيف استخدمته السلطة؟

وما الذي أضافته العادات إليه؟

وما الذي حُذف منه حين تعارض مع المصالح؟

من الشرق إلى الغرب

نشأت اليهودية والمسيحية والإسلام في الشرق، وجاءت كل رسالة في سياق تاريخي وإنساني محدد، مؤكدة الإيمان بالله، ومبادئ العدل والرحمة والمسؤولية الأخلاقية.

وختم الله الرسالات بالإسلام، وجعله رسالة عالمية للناس جميعًا، تقوم على كمال الدين وشموله وصلاحيته لكل زمان ومكان، مع حفظ القرآن الكريم من التحريف والتبديل.

ومن الحِكم التي يذكرها العلماء في ختم النبوة أن البشرية بلغت مرحلة تؤهلها لحمل رسالة مكتملة وثابتة، لا تحتاج إلى نبي جديد، وأن الإسلام جاء بمنهج شامل ينظم العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات، ويلبي حاجات الإنسان المتجددة من خلال أصول ثابتة ومجال واسع للاجتهاد.

ومع ذلك، يبقى سؤال يحتاج دائمًا إلى إجابة:

لماذا بقي الناس على الديانتين السابقتين؟ ولماذا لم يجتمعوا في دين واحد؟

من المنظور الإسلامي، جاء الإسلام مصدقًا لأصل الرسالات السابقة ومهيمنًا عليها، ودعا الناس جميعًا إلى اتباعه، لكنه لم يجعل الإيمان قسرًا؛ لأن الهداية تقوم على الاختيار، والحياة في أصلها دار ابتلاء. كما أن الأديان، مع مرور الزمن، لم تعد عقائد فقط، بل أصبحت هويات تاريخية وثقافية واجتماعية تتوارثها الشعوب. ولهذا استمر الاختلاف الديني، وسيبقى ما بقي اختلاف البشر في الإيمان والفهم والاختيار.

لماذا لم نكن أمة واحدة؟

الله قادر على أن يجعل الناس جميعًا على دين واحد، لكنه خلق الإنسان بإرادة وقدرة على الاختيار، وجعل الحياة ميدانًا للابتلاء بين الهدى والضلال.

قال تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ۚ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.

فالحكمة الإلهية اقتضت أن يكون الإيمان اختيارًا؛ لأن الطاعة التي لا يمكن رفضها ليست اختبارًا، والإيمان المفروض لا يكشف صدق الإنسان.

وقد يقول قائل: إذا كان الإسلام خاتم الأديان، ورسالة محمد ﷺ موجهة إلى الناس جميعًا، أفليس على البشر اتباعه؟

بلى، فمن المنظور الإسلامي، جاء الإسلام متممًا للرسالات السابقة ومهيمنًا عليها، ودعا البشر جميعًا إلى اتباعه. لكن عالمية الرسالة لا تلغي حرية الاختيار، ووجوب الإيمان بها لا يعني فرضها بالقوة؛ فمهمة المسلم البلاغ بالحكمة والقدوة الحسنة، أما الهداية والحساب فلله وحده.

أما المستفيد من تحويل الاختلاف إلى خلاف وعداوة، فهو كل من يبحث عن سلطة أو نفوذ أو مصلحة؛ إذ يسهل جمع الناس بالخوف من عدو أكثر من جمعهم حول قيمة مشتركة.

ولا تعارض بين إرادة الله وإرادة الإنسان؛ فالله أراد للإنسان أن يملك قدرة حقيقية على الاختيار، لكنه لا يخرج باختياره عن علم الله وقدرته ومشيئته.

وإرادة الإنسان لا تمنحه حق الاعتراض على حكمة الله أو رفض قضائه، بل تمنحه مساحة الاختيار التي يُحاسب عليها. فالاختلاف وقع بمشيئة الله الكونية، لكنه لا يبيح للإنسان الضلال أو الظلم أو تحويل الاختلاف إلى عداوة؛ لأن الله بيّن له طريق الهدى، ثم حمّله مسؤولية ما يختار.

فالله شاء كونًا أن يوجد الاختيار والاختلاف، لكنه لم يأمر شرعًا بالكفر أو الظلم والعداوة.

وبذلك تكون إرادة الإنسان جزءًا من الابتلاء الذي أراده الله، لا إرادة مستقلة عنه.

ثم انتقلت الأديان عبر القوافل والهجرات والفتوحات والحروب والتجارة والتبشير والتفاعل الحضاري.

وعندما انتقلت المسيحية إلى أوروبا، لم تبقَ مجرد رسالة قادمة من الشرق، بل دخلت في نسيج المجتمعات الأوروبية، وتأثرت بلغاتها وفلسفاتها وصراعاتها وإمبراطورياتها.

ومع مرور الزمن، لم يعد الغرب يكتفي باعتناق المسيحية، بل أعاد تشكيل تجربته الدينية وفق تاريخه الخاص.

ثم جاءت صراعات الكنيسة والملوك، والحروب الدينية، وحركة الإصلاح، وعصر التنوير، وصعود الدولة القومية، لتُنتج ما أصبح يسمى لاحقًا «القيم الغربية».

لكن هذه القيم لم تخرج من المسيحية وحدها.

لقد تشكلت من المسيحية، والفلسفة اليونانية، والقانون الروماني، والتجربة الأوروبية، والثورات السياسية، والتقدم العلمي، والاستعمار، والرأسمالية، والصراع الطويل بين الفرد والسلطة.

وكذلك القيم الشرقية ليست منتجًا خالصًا للإسلام أو اليهودية أو المسيحية.

فهي مزيج من الدين، والعائلة الممتدة، والتقاليد القبلية، والإرث الإمبراطوري، والبيئة الاقتصادية، ونظم الحكم، والعادات المحلية، وتجارب الاستعمار والمقاومة.

إذن، ما نسميه «قيمًا غربية» أو «شرقية» ليس دينًا مستقلًا.

إنه تركيب تاريخي وثقافي معقد.

الدين واحد.. بيئات مختلفة

ما الفرق بين مسيحي شرقي ومسيحي غربي؟

كلاهما يؤمن بالمسيح، لكنهما قد يختلفان في اللغة والكنيسة والطقوس والعلاقة مع المجتمع والسلطة، وفي فهم دور الأسرة والفرد والدولة.

وما الفرق بين يهودي شرقي ويهودي غربي؟

العقيدة قد تجمعهما، لكن الذاكرة الثقافية والتاريخ الاجتماعي وتجربة العيش بين مجتمعات مختلفة قد تصنع بينهما اختلافات واسعة.

وما الفرق بين مسلم شرقي ومسلم غربي؟

الإسلام واحد في أصوله، لكن المسلم في الشرق قد يعيش داخل مجتمع تشكلت أعرافه حول حضور الإسلام التاريخي، بينما يعيش المسلم في الغرب داخل نظام اجتماعي وقانوني نشأ في سياق مختلف.

وقد يكون المسلم الغربي أشد تمسكًا ببعض القيم الإسلامية من مسلم يعيش في بلد إسلامي.

وقد يكون المسيحي الشرقي أكثر محافظة من مسيحي غربي.

وقد يكون اليهودي القادم من بيئة شرقية أقرب في عاداته الاجتماعية إلى جيرانه المسلمين والمسيحيين الشرقيين من قربه إلى يهودي نشأ في أوروبا.

وهنا تظهر الحقيقة التي يتجاهلها التقسيم البسيط:

قد يكون تأثير الجار في السلوك اليومي أقوى من تأثير شريك العقيدة البعيد.

فالإنسان لا يتشكل بالدين وحده، بل باللغة والمكان والذاكرة والمجتمع.

لكن إذا كان القرب قادرًا على بناء هذا التشابه، فلماذا يحوّل بعض الناس الاختلاف في الدين أو الثقافة إلى عداوة وحروب؟

لأنهم لا يرون في الاختلاف تنوعًا إنسانيًا، بل تهديدًا لهويتهم ومكانتهم ومصالحهم. وحين يستثمر الخوفَ قادةٌ أو جماعات تبحث عن النفوذ، يتحول المختلف من جار يمكن فهمه والتعايش معه إلى عدو تجب مواجهته.

وهكذا لا تبدأ الحروب من اختلاف الدين أو الثقافة، بل من توظيف الاختلاف لصناعة الخوف والكراهية وتحقيق المصالح.

هل الغرب أكثر تحررًا؟

يقدم الغرب نفسه بوصفه فضاءً للحرية والمساواة وحقوق الإنسان، وهي قيم عظيمة أسهمت التجربة الغربية الحديثة في تطوير مؤسساتها وقوانينها.

لكن امتلاك الخطاب لا يعني دائمًا الالتزام الكامل به.

فالتاريخ الغربي نفسه شهد العبودية والاستعمار والحروب العنصرية والإبادة والتمييز الديني.

ولا تزال آثار هذه التجارب حاضرة في بعض الأفكار والمواقف، حتى في عصر الانفتاح والاتصال العالمي.

ولهذا قد تسمع غربيًا يتحدث عن الحرية، ثم يرفض اختلاف الآخرين.

وقد يدافع عن المساواة، ثم ينظر إلى الشعوب الأخرى من موقع التفوق.

وقد يطالب بفصل الدين عن السياسة، ثم يستخدم خلفيته الدينية والثقافية لتبرير موقف سياسي.

التناقض هنا لا يخص الغرب وحده.

فالشرق أيضًا قد يتحدث عن الرحمة، ثم يمارس القسوة.

وقد يرفع قيمة الكرامة، ثم يقبل الإهانة.

وقد يحتفي بالتسامح الديني في تاريخه، ثم يضيق باختلاف صغير داخل مجتمعه.

المشكلة ليست في أن الغرب بلا قيم، أو أن الشرق أكثر أخلاقًا.

المشكلة أن المجتمعات جميعها تميل إلى تقديم أجمل ما في مبادئها، وإخفاء ما يناقضها في ممارساتها.

حين تتحول القيم إلى أداة تفوق

أخطر ما يحدث للقيم هو تحويلها من مبادئ إنسانية إلى وسيلة لتصنيف البشر.

حين يقول مجتمع إن قيمه أرقى بطبيعتها من قيم الآخرين، فهو لا يعود إلى الدفاع عن الأخلاق، بل يبدأ في بناء هرم حضاري يضع نفسه في قمته.

ومن هنا تنشأ العنصرية الثقافية.

لم يعد المتعصب يقول صراحة إن عرقه أفضل، بل قد يقول إن «قيمه» أفضل، وإن الآخرين لا يزالون غير مؤهلين للحرية أو الديمقراطية أو التقدم.

وبذلك تتغير الكلمات، بينما تبقى الفكرة القديمة.

التفوق العرقي يتحول إلى تفوق حضاري.

والاستعلاء الاستعماري يتحول إلى خطاب أخلاقي.

والتمييز ضد الإنسان يصبح دفاعًا مزعومًا عن القيم.

لكن القيمة التي لا تشمل الإنسان المختلف ليست قيمة عالمية.

والحرية التي تُمنح لمن يشبهنا وتُحجب عمن يختلف عنا ليست حرية.

وحقوق الإنسان التي تتغير وفق الجنسية أو الدين أو المصلحة السياسية ليست حقوقًا، بل امتيازات تمنحها القوة لمن تختار.

هل توجد قيم عالمية؟

رغم اختلاف المجتمعات، توجد مساحة أخلاقية مشتركة بين البشر.

لا يكاد مجتمع يعلن أن الخيانة فضيلة، أو أن الظلم غاية، أو أن قتل الأبرياء قيمة، أو أن الكذب أساس للثقة.

تختلف المجتمعات في تعريف بعض المفاهيم وحدودها وطرق تطبيقها، لكنها تلتقي عند أصول كبرى مثل العدل والرحمة والأمانة والكرامة وحماية الضعيف.

هذه الأصول لم يصنعها الشرق وحده، ولم يحتكرها الغرب.

أكدتها الأديان، وناقشتها الفلسفات، وطورتها التجارب الإنسانية، وحولتها المجتمعات الحديثة إلى قوانين ومؤسسات.

لذلك فإن الأدق ألا نتحدث عن قيم شرقية وقيم غربية بوصفهما عالمين متناقضين، بل عن قيم إنسانية تختلف المجتمعات في فهمها وترتيبها والوفاء بها.

قد يمنح مجتمع الأولوية للفرد، ويمنح آخر الأولوية للأسرة.

قد يركز مجتمع على الحرية، ويركز آخر على الاستقرار.

لكن الخلل يبدأ حين تُستخدم الحرية لهدم المسؤولية، أو يُستخدم الاستقرار لقمع الإنسان، أو تُستخدم الأسرة لإلغاء الفرد، أو تُستخدم الفردية لتفكيك المجتمع.

القيمة لا تُقاس باسمها، بل بنتيجتها على الإنسان.

الإنسان قبل الاتجاهات

لا يوجد يهودي شرقي وآخر غربي في جوهر الإيمان فقط، بل توجد تجربتان تاريخيتان وثقافيتان مختلفتان.

ولا يوجد مسيحي شرقي وآخر غربي لأن المسيح ينتمي إلى جغرافيا مختلفة في كل مرة، بل لأن المجتمعات أعادت تشكيل علاقتها بالدين وفق تاريخها.

ولا يوجد إسلام شرقي وإسلام غربي في أصول الدين، بل يوجد مسلمون يعيشون في بيئات مختلفة، ويتأثرون بأنظمة وتعليم وثقافات وتجارب متباينة.

الشرق والغرب لا يصنعان ضميرين مختلفين للإنسان.

إنهما يصنعان سياقين مختلفين لحياته.

أما العنصرية والانغلاق والاستعلاء، فلا تصبح قيمًا غربية لمجرد أن غربيًا مارسها، كما لا تصبح القسوة والتعصب قيمًا شرقية لمجرد ظهورهما في الشرق.

هذه أمراض إنسانية ترتدي في كل مجتمع اللغة التي تسمح لها بالبقاء.

الاختبار الأخلاقي

القيم ليست ابنة الدين وحده، ولا ابنة الجغرافيا وحدها.

إنها حصيلة الدين والثقافة والتاريخ والعائلة والتعليم والقانون والسلطة والمصلحة والتجربة الإنسانية.

ولهذا لا يكون السؤال الحقيقي:

هل هذه قيمة شرقية أم غربية؟

بل:

هل تحفظ كرامة الإنسان أم تهدرها؟

هل تحقق العدل أم تستخدمه شعارًا؟

هل تقبل المختلف أم تمنحه حقوقه فقط حين يشبهها؟

لقد خرجت الديانات التوحيدية من الشرق، لكنها لم تبقَ ملكًا للشرق.

وانتقلت إلى الغرب، لكنها لم تتحول إلى ملكية غربية.

فالرسالات لا تُقاس بالمكان الذي نشأت فيه، ولا بالمكان الذي انتشرت إليه، بل بما تصنعه في ضمير الإنسان.

قد يختلف الشرق والغرب في اللغة والعادات والتاريخ، لكن الاختبار الأخلاقي واحد:

ماذا يفعل الإنسان بالقيم حين يمتلك القوة؟

فحين يكون ضعيفًا، يسهل عليه الحديث عن العدل.

أما حين يصبح قويًا، تظهر قيمه الحقيقية.

حين تتكلم المعاملة

لم يصل الإسلام إلى أنحاء العالم بالكلمة المباشرة وحدها، ولا بالقوة أو الجيوش في كل مكان.

ففي إندونيسيا، أسهم التجار المسلمون، إلى جانب العلماء والدعاة، في تعريف الناس بالإسلام عبر تواصل إنساني رفيع، تجلّى في الصدق والأمانة وحسن المعاملة والوفاء بالعهود.

من هؤلاء؟

وما الذي يجعلهم يتعاملون بهذه الأخلاق؟

ومن أي دين جاءت هذه القيم؟

لقد رأى الناس أثر الرسالة في أصحابها قبل أن يسمعوا تفاصيلها، وحين سألوا عنها، لم يكونوا تحت ضغط الدعوة أو الإكراه، بل أمام نموذج إنساني دفعهم إلى المعرفة، ثم ترك لهم حرية الاختيار.

وهنا يظهر أحد أعمق قوانين التأثير والإعلام:

الرسالة المنضبطة غير المباشرة قد تحقق ما تعجز عنه الرسائل المباشرة، حتى حين تكون الأخيرة مدعومة بالسلطة والقوة وكثرة التكرار.

فالناس قد يقاومون من يقول لهم: «كونوا مثلي»، لكنهم يقتربون ممن يدفعهم سلوكه إلى السؤال: «كيف أصبح هكذا؟».

والإعلام الحقيقي لا يبدأ من مطالبة الآخرين بتصديق الرسالة، بل من بناء ما يجعلها جديرة بالتصديق.

أن تكون أولًا، ثم تقول للناس:

هأنذا.

وتُروى في هذا المعنى قصة شيخ أزهري دُعي إلى إحدى الجامعات الأميركية لإلقاء محاضرة عن أخلاق الإسلام، وأمانته، ونظافته، ورحمته.

وفي المطار، لاحظ مرافقه أنه أطرق طويلًا يفكر، فسأله عما يشغله.

فقال الشيخ:

«أخشى بعد أن أنتهي من الحديث عن جمال أخلاق الإسلام، أن يسألني طالب أميركي غير مسلم: ما دام الإسلام هكذا، فلماذا أنتم هكذا؟».

ذلك السؤال لا يواجه المسلمين وحدهم، بل يواجه كل دين وثقافة ومؤسسة ودولة ترفع قيمًا لا تظهر في سلوكها.

فأقوى رسالة إعلامية ليست التي تصف أخلاقنا، بل التي تجعل الآخرين يرونها فينا.

وأخطر ما يضعف أي قيمة ليس الهجوم عليها، بل أن يناقضها من يدّعي تمثيلها.

قبل أن تسأل كيف توصل رسالتك إلى العالم، اسأل: ماذا يرى العالم حين ينظر إليك؟