الخطاب الأميركي.. والخطاب الإيراني

news image

بين صناعة الحدث وحماية الرواية

 

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

المقدمة

لا تُخاض الحروب بالسلاح وحده.

فإلى جانب الصواريخ والطائرات والتحركات العسكرية، تدور حرب أخرى لتحديد معنى ما يحدث: مَن بدأ؟ مَن انتصر؟ مَن تراجع؟ ومَن ذهب إلى التفاوض لأنه أراده، لا لأنه اضطر إليه؟

في هذه الحرب، لا تنقل اللغة الحدث فقط، بل تعيد تشكيله؛ فقد تصنع الكلمات نصرًا لم يتحقق، أو تخفي هزيمة وقعت، أو تقدم التراجع بوصفه حكمة، والعجز بوصفه صبرًا استراتيجيًا.

ومن هنا تأتي أهمية فحص الخطابين الأميركي والإيراني، لا من خلال تصريح واحد أو مرحلة عابرة، بل بوصفهما مدرستين مختلفتين في الاتصال السياسي والإعلام الحربي.

فما طبيعة كل خطاب؟ وأيهما أقرب إلى الإعلام الحديث؟ وأيهما يستند إلى تقاليد دعائية أقدم؟ وأي الخطابين أقرب إلى عقل المتلقي؟ وهل يصلح أحدهما مرجعًا للمعلومة؟

ليس لكل دولة صوت واحد

الخطاب الأميركي لا يصدر من مركز واحد؛ إذ توجد تصريحات الرئيس، وبيانات البيت الأبيض والخارجية، وإعلانات البنتاغون والقيادة العسكرية، إلى جانب صحافة مستقلة قد تناقض الرواية الحكومية وتحقق فيها.

وكذلك لا تتحدث إيران بصوت واحد؛ فهناك المرشد، ورئاسة الجمهورية، والخارجية، والحرس الثوري، والبرلمان، ووسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية، والجماعات المتحالفة معها في المنطقة.

غير أن تعدد الأصوات في الولايات المتحدة يجري غالبًا داخل نظام مؤسسي معلن، بينما يعكس في إيران أحيانًا توزيعًا مقصودًا للأدوار؛ فتتحدث الخارجية بلغة دبلوماسية، ويرفع الحرس مستوى التهديد، وتنشر المنصات المقربة رسائل تستطيع الدولة لاحقًا التنصل منها.

ولهذا لا تكفي مقارنة تصريح أميركي بتصريح إيراني؛ بل ينبغي فحص البيئة التي أنتجت كل خطاب والوظيفة التي يؤديها.

الخطاب الأميركي

من الدعاية إلى الاتصال الاستراتيجي

لم يبدأ اهتمام الولايات المتحدة بالتأثير الإعلامي مع وسائل التواصل الاجتماعي. فمنذ الحربين العالميتين، ثم خلال الحرب الباردة، أنشأت واشنطن مؤسسات متخصصة في مخاطبة الرأي العام الخارجي وتقديم سياستها في صورة قادرة على التأثير.

وتطور هذا النشاط تحت مسميات مثل الدبلوماسية العامة، والاتصال الاستراتيجي، والعمليات المعلوماتية. ولم يعد الهدف نشر بيان أو الرد على خصم فقط، بل تنسيق الأقوال والصور والأفعال السياسية والعسكرية لتنتج معًا معنى واحدًا في ذهن الجمهور.

وبذلك أصبح الإعلام جزءًا من التخطيط، لا وسيلة تأتي بعد اتخاذ القرار.

صناعة إطار الحدث

يميل الخطاب الأميركي إلى المبادرة؛ فلا ينتظر اكتمال الحدث ليصفه، بل يحاول وضع الإطار الذي سيُقرأ من خلاله قبل أن تطرح الأطراف الأخرى روايتها.

ويُعرف ذلك بـ«التأطير الاستباقي» أو «السبق الروائي»، حيث تعلن الدولة تفسيرها مبكرًا، فتدفع الخصوم ووسائل الإعلام إلى مناقشة الحدث من داخل المفردات التي اختارتها.

وعندما تنجح هذه العملية، تنتقل الأنظار من مساءلة الرواية الأميركية إلى انتظار رد الطرف الآخر عليها. وهنا تحقق واشنطن مكسبها الأول: تحديد موضوع النقاش ولغته وتوقيته.

لغة الخبر.. وصناعة الفعل

يستخدم الخطاب الأميركي المؤسسي أدوات العمل الصحفي الحديث: التوقيت المحدد، والأرقام، والأسماء والصفات الرسمية، والخرائط والصور، والإيجازات الصحفية، والبيانات المنسوبة إلى جهات معلنة.

ويمنح هذا الأسلوبُ التصريحَ صيغةً خبريةً قابلةً للنقل السريع. كما أن وجود صحافة محلية قوية، ورقابة مهنية متمرسة ومنفتحة، ومراكز أبحاث متخصصة، يتيح مراجعة البيانات وكشف ما قد تتضمنه من تناقضات.

ولا يعني ذلك أن الخطاب الأميركي يخلو من التضليل أو حجب المعلومات، لكنه يعمل داخل بيئة تزيد احتمالات اكتشافهما وتُوسّع نطاق المساءلة عنهما.

وفي مرحلته الأحدث، أصبحت الكلمات جزءًا من تنفيذ القرار؛ فالتلويح بالعقوبات يؤثر في الأسواق قبل فرضها، والإعلان عن تحرك عسكري قد يغير حسابات الخصم، والحديث عن مفاوضات قريبة قد يخفض أسعار النفط ويحرك الوسطاء.

ويسمى ذلك «الاتصال الأدائي»، حيث لا تكون الكلمات وصفًا للواقع فقط، بل فعلًا يراد منه تغييره.

النسخة الترامبية

يمثل دونالد ترامب مرحلة مختلفة داخل الخطاب الأميركي؛ إذ نقل الاتصال الرئاسي من المؤسسة إلى الشخصية، ومن البيان المحسوب إلى التدفق المباشر.

يقوم خطابه على الجملة القصيرة، والتكرار، والتضخيم، وتقسيم العالم إلى منتصر وخاسر، وتقديم الأحداث بوصفها الأكبر أو الأخطر أو الأفضل في التاريخ.

كما يعلن أحيانًا النتائج المتوقعة قبل اكتمالها، فيحوّل احتمال الاتفاق إلى اتفاق قريب، والاتصال الأولي إلى مفاوضات، والخطة العسكرية إلى انتصار مؤجل.

وينتمي هذا الأسلوب إلى «اقتصاد الانتباه»؛ إذ يبحث عن العبارة التي تسيطر على الخبر وتجبر الجميع على تكرارها، قبل بحثه عن العبارة الأكثر دقة.

وبذلك يعد الخطاب الترامبي أحدث من الإعلام السياسي التقليدي في الوسيلة والإيقاع، لكنه يستخدم واحدة من أقدم أدوات الدعاية: المبالغة.

وفي مجمله، يريد الخطاب الأميركي امتلاك المبادرة، وتحديد إطار الحدث، وطمأنة الداخل والحلفاء، والضغط على الخصم، والتأثير في الأسواق والقرارات، وتقديم الولايات المتحدة بوصفها القوة التي تحرك الأحداث.

الخطاب الإيراني

خطاب خرج من الثورة

تعود البنية الأساسية للخطاب الإيراني الحالي إلى ثورة عام 1979، ثم إلى الحرب الإيرانية–العراقية، حين ترسخت مفردات الثورة والمقاومة والاستكبار والصمود والتضحية والنصر الإلهي والمؤامرة الخارجية.

لم يُبنَ هذا الخطاب في الأصل لتقديم أخبار محايدة، بل لتعبئة الجمهور وحماية النظام وتفسير الصراع بوصفه مواجهة أخلاقية وتاريخية بين الحق والباطل.

ولهذا يميل إلى لغة كبرى تتجاوز تفاصيل الحدث، وتربط المعركة الراهنة بتاريخ طويل من المظلومية والمقاومة.

البلاغة قبل الخبر

لا تحتل المعلومة دائمًا مركز الرسالة الإيرانية؛ إذ قد يتقدم عليها الموقف الأخلاقي والرمز والتهديد.

فبدل إعلان حجم الخسارة بوضوح، يجري الحديث عن «فشل العدوان». وبدل الاعتراف بالحاجة إلى التفاوض، يوصف الحوار بأنه «إجبار العدو على الاعتراف بالحقوق». وبدل تقديم التراجع بوصفه تنازلًا، يعاد تعريفه باعتباره خطوة تكتيكية.

هذه لغة أقرب إلى البيان السياسي والخطبة التعبوية منها إلى الخبر بمفهومه الصحفي الحديث. وهي لا تسأل أولًا: ماذا حدث؟ بل: كيف ينبغي أن يفهم الجمهور ما حدث؟

المناورة الدلالية

يمتلك الخطاب الإيراني قدرة واضحة على توظيف الفروق الدقيقة بين الكلمات؛ فيميّز بين الاتصال والتفاوض، والرسائل والمحادثات، والوساطة واللقاء المباشر، والتنسيق والتوجيه، والحليف والوكيل.

وتؤدي هذه الفروق وظائف سياسية وأمنية؛ إذ تستطيع إيران مناقشة مقترح عبر وسيط، ثم إعلان أنها لا تتفاوض مع الولايات المتحدة. كما تستطيع دعم جماعة مسلحة، ثم نفي إصدار أوامر مباشرة إليها.

ويُصنَّف هذا الأسلوب ضمن «الغموض الاستراتيجي» و«الإنكار القابل للتصديق»، حيث تبقى العلاقة قائمة، بينما يصعب إثبات المسؤولية المباشرة.

وقد يتقاطع هذا الأسلوب مع بعض الموروثات الثقافية والسياسية، ومنها مفهوم «التقيّة»، لكنه في الممارسة الإيرانية المعاصرة أقرب إلى أداة دولة تُستخدم في إدارة الصراع والمناورة وصناعة الغموض. ومن المؤكد أن للثقافة الخاصة بالمجتمع والنظام السياسي تأثيرًا، مباشرًا أو غير مباشر، في تشكيل هذا الخطاب.

الردع البلاغي وحفظ الوجه

تدرك إيران الفارق الكبير بينها وبين الولايات المتحدة في الإمكانات العسكرية والاقتصادية، ولذلك تحاول تعويض جزء منه نفسيًا.

فتستخدم مفردات توحي بأن أي هجوم سيقابل برد غير محدود، وأن الخصم عاجز عن تحمل كلفة المواجهة، وأنها تملك أوراقًا قد تغير المنطقة والعالم.

ولا يعني ذلك أن التهديدات كلها فارغة؛ فإيران تمتلك قدرات مؤثرة وأدوات ضغط حقيقية. لكن اللغة توسع صورة هذه القدرات وتكبّر كلفة استخدامها المتوقعة في ذهن الخصم. وهذا هو «الردع البلاغي».

ويخاطب هذا الخطاب الداخل قبل الخارج؛ فالنظام يستطيع التفاوض، لكنه لا يريد أن يبدو مضطرًا إليه. ويمكنه قبول حل وسط، لكنه يقدمه باعتباره انتزاعًا للحقوق. وقد يوقف التصعيد، لكنه يصف ذلك بأنه نتيجة لقوة الردع الإيرانية.

وهكذا يؤدي الخطاب وظيفة «حفظ الوجه»، ويعيد تفسير القرارات بطريقة تمنع ظهور النظام في موقع الخضوع للضغط.

تقليدي في جوهره.. حديث في أدواته

ممكن وصف الخطاب الإيراني بأن مضمونه الأساسي تقليدي وثوري وتعبوي، لكنه يستخدم أدوات حديثة: منصات رقمية، وحسابات رسمية وشبه رسمية، وشبكات حلفاء خارج الحدود، ومقاطع سريعة، وحملات إلكترونية، ورسائل موزعة بين جهات مختلفة.

إنه خطاب قديم في بنيته الرمزية، حديث في أدوات نشره، ومتقدم في توزيع الأدوار والمحافظة على مساحة للإنكار.

أيهما الأحدث؟

الخطاب الأميركي المؤسسي هو الأقرب إلى نموذج الاتصال السياسي الحديث الذي استفاد من العلاقات العامة والدبلوماسية العامة وعلوم قياس الرأي العام.

أما الخطاب الترامبي، فيمثل مرحلة يمكن وصفها بأنها «ما بعد إعلامية»؛ إذ يتجاوز المؤسسات الصحفية، ويتوجه مباشرة إلى الجمهور، ويقيس نجاحه بحجم الانتباه وسرعة الانتشار أكثر من التزامه الكامل بالدقة.

في المقابل، ينتمي جوهر الخطاب الإيراني إلى نموذج أقدم يقوم على الخطبة الثورية والتعبئة العقائدية، لكنه أضاف تقنيات الاتصال الشبكي والحرب النفسية والغموض الموزع.

وبذلك، يكون الخطاب الأميركي أحدث في بناء الرسالة، والإيراني أقدم في لغته من دون أن يكون متخلفًا في أدوات التأثير. بل قد يكون أكثر تعقيدًا في إدارة التناقضات وتوزيع الرسائل.

الخطابان في ميزان الصحافة الحديثة

تقوم اللغة الصحفية الحديثة على وضوح المصدر، وتحديد الزمن والمكان، والفصل بين الخبر والرأي، وتقديم أدلة قابلة للتحقق، والاتساق بين البيانات، وتصحيح الأخطاء، وإتاحة المجال للأسئلة.

وفق هذه المعايير، يتقدم الخطاب الأميركي المؤسسي؛ لأن بيانات مؤسساته أكثر تحديدًا وإسنادًا، وتصدر داخل بيئة تسمح للصحافة بمناقشتها ومراجعتها. لكن هذه الأفضلية لا تشمل تلقائيًا كل تصريح سياسي أميركي، خصوصًا عندما تطغى المبالغة على الدقة.

أما الخطاب الإيراني، فيبتعد أكثر عن النموذج الصحفي الحديث عندما يقدم التفسير قبل المعلومة، أو يحجب التفاصيل، أو يترك جهات متعددة تصدر روايات متباينة. ومع ذلك، يمتلك خطاب الخارجية الإيرانية مستوى جيداً من الصياغة الدبلوماسية؛ فهو لا يقول كل شيء، لكنه يعرف ما يريد عدم قوله.

المتلقي والمرجعية

من حيث سهولة الفهم، يتقدم الخطاب الأميركي، وخصوصًا في نسخته المباشرة؛ لأنه قصير وواضح، ويربط القول بفعل محدد، ويقدم نتيجة يسهل تذكرها. وهذه خصائص تجعله أقرب إلى الجمهور العام والمتلقي المتردد.

أما الخطاب الإيراني، فيكون أكثر تأثيرًا في الجمهور المنتمي مسبقًا إلى سرديته ومعتقده ؛ لأنه يخاطب الهوية والكرامة والذاكرة التاريخية، ويمنح أنصاره تفسيرًا يحفظ صورة القوة والصمود.

فالخطاب الأميركي أكثر قدرة على توسيع الجمهور، والإيراني أكثر قدرة على تحصين جمهوره الأصلي، لكن كليهما يخسر المتلقي الواعي عندما تتكرر الفجوة بين الكلام والواقع.

ولا يصلح أي خطاب سياسي في زمن الحرب مرجعًا وحيدًا للحقيقة. فالتصريح الأميركي مرجع لما تريد واشنطن إعلانه، لا دليلًا كافيًا على أن ما أعلنته وقع. والتصريح الإيراني مرجع للموقف الذي تريد طهران إظهاره، لا برهانًا نهائيًا على عدم وجود ما تنفيه.

ومع ذلك، تتمتع البيانات الأميركية المؤسسية عمومًا بدرجة أعلى من قابلية التحقق؛ لما تتضمنه من تفاصيل وأرقام، ولوجود آليات صحفية وبرلمانية وقانونية تراجعها. أما الرواية الإيرانية فتحتاج إلى حذر أكبر، بسبب تعدد مراكز الخطاب، ومحدودية الوصول المستقل إلى المعلومات، واستخدام الغموض والإنكار في إدارة الصراع.

والأفضل مهنيًا أن نبدأ بالدليل المستقل، ثم تقاطع المصادر، فالبيانات المؤسسية الموثقة، ثم تصريحات القادة بوصفها مواقف ونوايا. أما وسائل الإعلام المقربة والحسابات غير الرسمية، فهي مؤشرات على اتجاه الخطاب، لا أدلة على الوقائع.

الخليج وصناعة الخطاب

يقود فحص الخطابين إلى سؤال أقرب إلينا:

أين يقف الإعلام العربي، وتحديدًا في دول الخليج التي تمتلك الإمكانات المالية والتقنية القادرة على بناء خطاب حديث ومؤثر؟

لا تعاني دول الخليج نقصًا في التمويل أو المنصات أو الوصول إلى التقنيات المتقدمة. وما ينقصها، بدرجات متفاوتة، هو الانتقال من تمويل المحتوى إلى بناء مؤسسات دائمة لصناعة الخطاب، ومن قياس المشاهدات إلى قياس التحول الذي أحدثته الرسالة في معرفة المتلقي وموقفه وقراره.

فالولايات المتحدة لم تبنِ تأثيرها من خلال المتحدثين وحدهم، بل من خلال منظومة تضم خبراء في الإعلام والسياسة وعلم النفس وعلم الاجتماع واللغة وتحليل البيانات وقياس الرأي العام. وتعمل هذه الخبرات لفهم الجمهور قبل مخاطبته، وبناء الرسالة، واختيار توقيتها، واختبارها، ثم قياس أثرها وتصحيحها.

وتستطيع دول الخليج إنشاء مؤسسات مماثلة، وربما التفوق في بعض المجالات، لكن ذلك يحتاج إلى رؤية تعتبر الخطاب صناعة استراتيجية، لا حملة موسمية أو ردًا مؤقتًا على أزمة.

نحتاج إلى مؤسسات تضم صحفيين ممارسين، وباحثين، ومتخصصين في الاتصال السياسي وعلم النفس الاجتماعي وتحليل السلوك واللغات والثقافات والذكاء الاصطناعي وقياس الاتجاهات.

ولا تكون مهمتها تجميل القرارات أو إنتاج عبارات المدح، بل تفسير السياسات، واستباق الأسئلة، واكتشاف مناطق سوء الفهم، ومخاطبة كل جمهور باللغة التي يفهمها من دون تغيير الحقيقة.

المؤثر ليس مؤسسة

يختصر جزء من الإعلام العربي التأثير الإعلامي في وسائل التواصل، ثم يختصر هذه الوسائل في مجموعة ممن يطلق عليهم «المؤثرون».

ولا تكمن المشكلة في الاستفادة من الشخصيات واسعة الانتشار؛ فبعضها قادر على الوصول إلى فئات يصعب على المؤسسات التقليدية بلوغها.

لكن المشكلة تبدأ عندما يُعامل الانتشار بوصفه تأثيرًا، وعدد المتابعين بوصفه دليلًا على الثقة، ويحل المؤثر محل الصحفي والباحث والمؤسسة.

فالمؤثر يستطيع إيصال الرسالة، لكنه لا يصنع بالضرورة خطابًا، وقد يرفع المشاهدات من دون أن يمتلك المعرفة التي تتيح له تفسير القضية أو الدفاع عنها.

كما أن جمهوره يرتبط غالبًا بشخصه ومحتواه اليومي، وقد ينتقل عنه بالسرعة نفسها التي اجتمع بها حوله. لذلك يكون تأثيره سريعًا وقابلًا للتراجع، ولا يبني وحده ذاكرة عامة أو مرجعية مستقرة.

المؤثر قناة توزيع، وليس مؤسسة معرفة.

لماذا يتركز الاهتمام عليهم؟

الوصول إلى المؤثرين سهل، ونتائجهم الرقمية سريعة، وأرقامهم جاهزة للعرض، وتكلفتهم أقل من بناء مؤسسة صحفية أو مركز أبحاث أو شبكة مراسلين.

كما يمنحون الجهة شعورًا فوريًا بأنها وصلت إلى الجمهور، حتى لو لم يتغير فهمه أو موقفه.

وهنا يقع الخلط بين الوصول إلى الجمهور، وجذب انتباهه، والتأثير في وعيه وسلوكه. قد يحقق المؤثر المستويين الأول والثاني، أما الثالث فيحتاج إلى معرفة متراكمة، ورسالة موثوقة، ومؤسسات تبقى بعد انتهاء الحملة واختفاء المنصة.

من المنصة إلى المؤسسة

تراجعت في العالم العربي مؤسسات صحفية كانت تصنع الأجندة وتنتج الكتّاب والخبراء والمراسلين، من دون أن تحل محلها مؤسسات حديثة تؤدي الوظيفة نفسها بأدوات العصر.

نشأت منصات كثيرة، لكن القليل منها يملك غرفة أبحاث، أو وحدة لقياس الأثر، أو مركزًا لتحليل الخطاب، أو شبكة خبراء متعددة التخصصات.

وبذلك أصبح لدينا محتوى أكثر ومرجعيات أقل، ووصول أسرع وتأثير أقصر، وحضور واسع من دون قدرة موازية على صناعة الرواية الدولية أو مخاطبة الجمهور المتردد.

ولا يحتاج الخليج إلى تقليد النموذج الأميركي حرفيًا، بل إلى الاستفادة من منطقه المؤسسي: إنشاء مراكز لصناعة الخطاب وتحليله، ووحدات للإنذار الإعلامي المبكر ورصد الاتجاهات، وقياس الأثر المعرفي والسلوكي، وإعداد رسائل للجمهور المحلي والعربي والدولي، والاستثمار في الصحفيين والباحثين، وإنشاء منصات متعددة اللغات تفهم ثقافة المتلقي قبل مخاطبته.

كما يتطلب ذلك ربط الإعلام بمراكز القرار من دون تحويله إلى صدى يفقد الصدقية، وبناء مؤسسات تستمر سنوات بدل حملات تبدأ مع الأزمة وتنتهي بانتهائها.

الخلاصة

الخطاب الأميركي يريد أن يسبق الحدث ويحدد اسمه ومعناه، والخطاب الإيراني يريد أن يحتويه ويعيد تفسيره بطريقة تحمي صورة النظام.

الأول يعتمد الوضوح والسرعة والمبادرة، لكنه قد يفرط في المبالغة وصناعة التوقعات. والثاني يعتمد الغموض والبلاغة وتعدد المعاني، لكنه قد يخسر ثقة المتلقي خارج جمهوره بسبب نقص المعلومات وتكرار التناقضات.

وفي الخليج، تتوافر الإمكانات المالية والتقنية والخبرات، لكن قوة الخطاب لا تُشترى بعدد المتابعين، ولا تُبنى باستضافة المشاهير، ولا تُقاس بانتشار وسم لبضع ساعات.

صناعة الخطاب تحتاج إلى معرفة تراكمية، وخبرة مهنية، وحرية في تشخيص الخلل، وقدرة على قياس النتائج بصدق.

وإذا ظل الإعلام العربي ينظر إلى التأثير من نافذة المؤثرين وحدهم، فسيبقى قادرًا على صناعة الضجيج، لا صناعة المرجعية؛ حاضرًا على الشاشات، لكنه غائب عن العقل الذي يصنع القرار.

فالمرجعية لا يصنعها ارتفاع الصوت، ولا جمال البلاغة، ولا سرعة الانتشار.

المرجعية يصنعها الدليل.

__________

اعتمد الفحص على تاريخ الدبلوماسية العامة الأميركية ووظيفتها في مخاطبة المجتمعات والتأثر بالرأي العام، وعلى دراسات تصف هيمنة «ثقافة المقاومة» على الخطاب الإيراني منذ ثورة عام 1979، مع الجمع بين البراغماتية والإنكار.