اليوم 87: استعراض القوة.. وعجز الحسم
متابعة وتحليل | بث | B
رغم استمرار المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، عاد التصعيد العسكري ليفرض نفسه بقوة، بعد إسقاط الجيش الأميركي أربع طائرات مسيّرة إيرانية وتنفيذ ضربات على قاعدة في جنوب إيران، وردّ طهران باستهداف قاعدة أميركية، في أخطر مواجهة منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في الثامن من أبريل.
ويكشف التصعيد هشاشة الهدنة القائمة، القابلة للاهتزاز والاستعراض في أي لحظة. كما يعيد طرح الأسئلة حول مستقبل المفاوضات، خصوصًا مع إعادة التوترات لرفع أسعار النفط مجددًا، ورفع مستوى القلق بشأن أمن الملاحة والطاقة في الخليج.
في المقابل، كشفت تقارير أميركية أن البنتاغون أعد قائمة جديدة لأهداف إيرانية إضافية يمكن استهدافها إذا قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب استئناف العمليات العسكرية واسعة النطاق. ويدخل ذلك أيضًا ضمن استعراض القوة ومحاولة إبقاء الضغط النفسي والسياسي قائمًا على طهران.
اللافت،
أن التقارير العسكرية الأميركية نفسها تؤكد أن المرحلة المقبلة ستكون:
أصعب،
وأبطأ،
وأكثر تعقيدًا.
إذ تشير المعلومات الأميركية والإسرائيلية إلى أن إيران نقلت جزءًا كبيرًا من قدراتها إلى:
مواقع جبلية محصنة،
ومنصات متنقلة،
وشبكات انتشار لامركزية،
مع اعتماد واسع على:
التمويه،
والإخفاء،
وسرعة الحركة.
وتشمل الأهداف المتبقية:
منصات صواريخ شهاب وسجيل وخرمشهر،
ومنشآت نووية محصنة مثل فوردو،
وأنظمة دفاع جوي متنقلة،
وقواعد تشغيل المسيّرات،
وأصولًا بحرية قرب مضيق هرمز وبندر عباس.
تحليل بث
هنا يظهر السؤال الأهم:
إذا كانت إيران “سُحقت بالكامل” كما يقول ترامب،
فلماذا مازالت واشنطن تتحدث عن:
قوائم أهداف جديدة،
وصعوبات أكبر،
وضربات أكثر تعقيدًا؟
الحقيقة أن الحروب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد المواقع المدمرة،
بل:
بقدرة الطرف الآخر على البقاء،
وإعادة التموضع،
ومنع خصمه من إعلان “النهاية الكاملة”.
ترامب يريد — على الأرجح — تحقيق أربعة أهداف في وقت واحد:
أولًا:
إظهار القوة الأميركية أمام الداخل الأميركي والعالم.
ثانيًا:
إجبار إيران على تقديم تنازلات استراتيجية كبرى دون الدخول في حرب استنزاف طويلة.
ثالثًا:
الوصول إلى “صورة نصر” سياسية وإعلامية يمكن تسويقها داخليًا.
رابعًا:
فرض واقع سلام جديد مع إسرائيل بالقوة .
لكن المعضلة الشائكة أمام ترامب،
أن المنطقة ليست مهيأة بالكامل لفرض أمر واقع بالقوة، خصوصًا مع استمرار تعثر الحسم مع إيران، ومحاولات استثمار التصعيد بطريقة تبدو لكثيرين أقرب إلى إرهاب سياسي واستعراض ردع، أكثر من كونها مشروعًا حقيقيًا للاستقرار.
كما أن استمرار إسرائيل في سياساتها العسكرية العبثية، وافتقار حكومتها إلى الحكمة السياسية والاتفاق على أعمدة السلام الحقيقية والداعمة للاستقرار، يفاقم من تعقيد المشهد، رغم أن المبادرة العربية قدّمت منذ سنوات إطارًا واضحًا لسلام متوازن وقابل للحياة.
أما السلام بالقوة
فمن المؤكد أن هذه الفكرة مضيعة للوقت، ولن تحقق لترامب ما تسعى إليه حكومة الحرب الإسرائيلية.
الحسم بالنسبة لترامب ليس مجرد هدف عسكري،
بل معركة مرتبطة بعقيدة لديه راسخة - حتى الآن:
الهيبة
والصورة،
والرغبة فى إعادة تشكيل المنطقة - كما يريد..
وفي المقابل
إيران تدرك أنها أداو كبيرة من أدوات فرض السلام بالقوة .. وهي تحاول بأقصى ما يمكن الإستثمار في هذا المنظور.
وإيران - في ذات الوقت ، تدرك :
أنها أنها لا تستطيع
الانتصار الكامل
ولا القبول بالهزيمة عبر التفاوض.
لذلك تتمسك بفكرة:
البقاء،
واستمرار التفاوض،
وتقديم نفسها للعالم كـ:
“نظام صامد ولم يسقط”.
وهنا يتولد التناقض الحقيقي:
بين إرادة ترامب،
ورغبة إسرائيل،
وحسابات النظام الإيراني،
ومصالح دول المنطقة،
خصوصًا الخليج.
الحرب الأخيرة كشفت للعالم أن الخليج لم يعد مجرد منطقة نفط،
بل مركزًا حيويًا لاستقرار:
الطاقة،
والاقتصاد،
وسلاسل الإمداد،
وحياة البشر اليومية على مستوى العالم.
كما كشفت أن الخليج يمتلك من القوة والتأثير والقدرات ما يجعله لاعبًا رئيسيًا في أي حسم محتمل، إذا عجزت القوى الكبرى عن الوصول إلى نهاية واضحة.
ومن هنا يظهر التوافق الغريب:
ترامب يعلن أنه يريد حسمًا سريعًا بلا حرب شاملة،
وإيران تريد صمودًا طويلًا بلا انهيار شامل.
لذلك يبدو المشهد أحيانًا وكأنه:
حرب تصريحات،
واستعراض قوة،
وبالونات إعلامية.
لكن خلف هذا الضجيج،
توجد حقيقة أكثر خطورة:
الطرفان يخشيان “الخطوة الأخيرة”.
وقد لا يكون العجز الحقيقي:
عجز أميركا عن تدمير إيران،
ولا عجز إيران عن الرد.
بل عجز القوى المستعرضة عن تحمّل شكل العالم بعد الانفجار الكبير المتوقع، إذا استمر تعليق الحسم والتلاعب بمصالح الدول والشعوب.
فالعالم قد يصبر على التصريحات،
وعلى المناورات،
وعلى الاستعراضات السياسية والعسكرية.
لكنه لا يصبر طويلًا عندما يشعر أن:
الطاقة،
والملاحة،
والاقتصاد،
والغذاء،
ومصالح البشر،
أصبحت رهينة لصراع مفتوح بلا نهاية.
وهنا تكمن النقطة الأخطر:
أعظم وقود للمواجهة الحاسمة ليس الخطاب السياسي،
بل شعور العالم بأن “القوت” والاستقرار العالمي أصبحا تحت التهديد.
وربما لم يحسب ترامب،
ولا حرس الثورة الإيراني،
حساب لحظة التململ الدولي من الاستعراضات الفارغة.
فاللحظات المقبلة قد تجعل العالم أقل اهتمامًا بشعارات:
أمن إسرائيل،
أو بقاء النظام الإيراني،
أو الضجيج الإعلامي المتبادل.
وأكثر اهتمامًا بوقف العبث الذي يهدد حياة البشر واستقرار العالم بأسره.
السؤال الأخطر الآن لم يعد:
من الأقوى؟
بل:
ماذا بعد أن تكشفت المعالم الحقيقية؟
المآلات القريبة تشير إلى:
استمرار الضغط المتبادل،
والتصعيد المحسوب،
ومفاوضات بلا حسم كامل.
أما المآلات البعيدة،
فتكشف أن المنطقة تقف بين خيارين:
إما:
إعادة بناء توازنات حقيقية تقوم على الاستقرار والتنمية والمصالح المشتركة.
أو:
الدخول في مرحلة فوضى ممتدة تستنزف الجميع.
كما كشفت الحرب أن الخليج لم يعد مجرد منطقة نفط،
بل مركز ثقل عالمي للطاقة والاقتصاد والاستقرار.
كما أن سياسات الماضي، القائمة على دخول الولايات المتحدة في الحروب ثم الانسحاب قبل اكتمال الحسم، وترك البؤر الملتهبة للفوضى ـ كما حدث في العراق ـ لم تعد سياسة ناجحة، ولا يمكن تكرارها أو تمرير نتائجها في منطقة الخليج.
ولذلك،
قد لا يبحث العالم لاحقًا عمّن ينتصر،
بل عمّن يستطيع منع الانهيار الكبير للهيبة الأميركية.. قبل لحظة السقوط الكبرى.
في كل الأحول؛ قرار الحسم، بالتخلص من العبث؛ قد أتخذ.
معالم ذلك واضحة.. ستتضح المعالم شيئا فشيئاً..أو الأقرب أن تظهر الصورة واضحة بشكل مفاجئ
BETH (بث B) – All rights reserved