الوجوه الكالحة والعقول التعيسة
كتب: عبدالله العميره
ليست كل الوجوه الكالحة قبيحة الملامح.
فقد يكون الوجه جميلًا، مصقولًا أمام الكاميرات، محاطًا بالمصفقين، لكنه يخفي عقلًا أظلم من قبو مهجور.
الكآبة التي أتحدث عنها ليست لونًا على البشرة فقط، ولا عبوسًا عابرًا؛ بل ذلك السواد الذي يصعد من العقل حين تغادره الرحمة، ويهجره العلم، ويستقيل منه الضمير.
هناك عقول لا تعيش لتفهم العالم، بل لتفسده.
تخرج منها المعرفة، فتدخل الخرافة.
تغادرها الأسئلة، فتحتلها الأجوبة الجاهزة.
يعجز أصحابها عن تفسير حادثة، فيخترعون مؤامرة؛ وعن حل خلاف، فيستدعون جيشًا؛ وعن إدارة قطعة أرض، فيهدمون فوقها المدن ويقتلون البشر من الطرفين.
أي عقول هذه؟
وأي انتصار يحققه قائدٌ يحوّل الأرض التي يتنازع عليها إلى مقبرة؟
وأي سياسة هذه التي تعجز عن تحريك متر على الخريطة، فتُحرّك الصواريخ آلاف الكيلومترات؟
ليست القوة في امتلاك القنبلة، بل في امتلاك العقل الذي يعرف متى لا يستخدمها.
فالزر الذي يطلق الصاروخ قد يضغطه إصبع، لكن القرار الذي يمنعه يحتاج إلى حضارة كاملة.
حين تغادر الإنسانية .. ويغيب العقل
جاء الأنبياء والرسل ليغيروا التاريخ من داخل الإنسان.
لم يبدأوا بتبديل الحدود، بل بتبديل العقول.
حطموا الأصنام التي نحتتها الأيدي، والأصنام الأخطر التي أقامها الخوف والطمع والكبرياء داخل النفوس.
أعادوا إلى الإنسان معنى الحق والرحمة والمسؤولية، وانفتاح العقل، وذكّروه بأن القوة من دون عدل طغيان، والعلم من دون ضمير خطر، والسلطة من دون حساب فساد مؤجل.
لكن الأجيال تتغير.
تشتعل الفكرة، ثم يأتي من يحفظ رمادها وينسى نارها.
تولد المعرفة حيّة، ثم يحوّلها الجامدون وأسرى الخزعبلات والمغيَّبون إلى نصوص يرددونها من دون أن يعقلوا معناها.
تتقدم العقول، ثم تتسلل إليها الخرافة، وتُطل المؤامرة من كل نافذة، ويصبح التفكير تهمة، والسؤال خيانة، والاختلاف سببًا كافيًا للحرب.
عندها يعود الإنسان إلى ارتداء أحدث التقنيات بعقل من الكهوف.
يحمل هاتفًا ذكيًا، ويعيش بعقل لا يثق إلا بالشائعة.
يدير ترسانة عسكرية، ولا يستطيع إدارة غضبه.
يبني أقمارًا صناعية ترى تفاصيل الأرض، لكنه يعجز عن رؤية الإنسان الواقف أمامه.
يا عقول .. الجبل
بقيت عبارة «يا سارية، الجبل» في الذاكرة؛ لأنها تختصر لحظة تنبيه حاسمة: فحين يضيع المشهد في ساحة الصراع، يحتاج المقاتل إلى من يرشده إلى الموقع الأعلى؛ ليرى الخطر، ويتوخى السلامة، ثم يستعد جيدًا للمعركة الفاصلة بين الحق والباطل.
وعالم اليوم يحتاج إلى صيحة مشابهة:
يا عقول .. الحقيقة.
ارتفعوا قليلًا فوق دخان المعارك، وانظروا إلى ما تفعلونه.
تختلفون على مدينة، فتهدمونها.
وتتزاحمون على الثروة، فتهلكون أصحابها.
وتدّعون حماية الأوطان، ثم تتركونها بلا بشر ولا عمران ولا مستقبل.
العقل التعيس لا يبحث عن حل؛ لأنه لا يشعر بقيمته إلا داخل الأزمة.
يحتاج إلى عدو ليبدو قائدًا، وإلى مؤامرة ليبرر فشله، وإلى حرب ليخفي عجزه، وإلى جمهور خائف حتى لا يسأله أحد:
ماذا صنعت غير الخراب؟
الرؤوس التي أينعت
قال الحجاج في تهديده المعروف:
«إني لأرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها».
وكان يرى البشر ثمارًا للسيف.
لكن التاريخ لا يحتاج اليوم إلى مقصلة جديدة، ولا إلى حجاج آخر؛ فالعالم مكتظ أصلًا بمن يتقنون القتل ويجهلون الحياة.
الذي أينع فعلًا هو فساد العقول؛ حتى غدت في حاجة إلى إعادة برمجة تعيد إليها المنطق والمعرفة، وتنظفها من الخرافة والخزعبلات.
نضجت أكاذيبها حتى انكشفت، وتضخمت أخطاؤها حتى لم تعد الدعاية قادرة على إخفائها، وبلغت حروبها من العبث حدًا جعل الإنسان العادي أكثر حكمة ممن يتخذون القرارات باسمه.
ليست الرؤوس هي التي حان قطافها؛ بل الأفكار التي لم تعد صالحة لإدارة الإنسان.
حان سقوط الخرافة التي ترتدي بدلة رسمية.
وحان انكشاف الجهل الذي يتحدث من خلف منصة.
وحان انتهاء السلطة التي لا تعرف من القيادة إلا إصدار الأوامر، ولا من الحوار إلا انتظار صمت الآخرين.
ناموس الحياة
التغيير ليس حادثًا طارئًا في الكون، بل ناموسه الدائم.
تتداول الأيام، وتنهض أمم وتسقط أخرى، وتتجدد الأفكار حين تذبل، وتظهر في كل مرحلة عقول تعيد للإنسان شيئًا مما فقده.
وليس التجدد موعدًا آليًا تضبطه الساعة كل مائة عام؛ فقد يأتي التغيير قبل ذلك أو يتأخر. لكن المؤكد أن الفساد لا يحصل على الخلود، مهما بدا راسخًا، وأن العقل الذي يقاوم حركة الحياة يتحول في النهاية إلى عبء تلفظه الحياة نفسها.
قد تستطيع العقول التعيسة تأخير الصباح.
قد تملأ السماء بالدخان، والأرض بالقبور، والشاشات بالأكاذيب.
وقد تتوهم أن الخوف الذي صنعته دليل على بقائها.
لكنها لا تستطيع إلغاء ناموس التغيير.
فالأرض لا تنظفها المقاصل، ولا تصلحها الصواريخ.
تنظفها الحقيقة حين تكشف العقول التي لم تعد صالحة لإدارة الحياة، والمعرفة حين تطرد الخرافة، والضمائر حين تستعيد شجاعتها، والإنسان حين يرفض أن يبقى وقودًا لغرور الآخرين.
لقد امتلأت الأرض جورًا، وأثقلتها الوجوه الكالحة والعقول التعيسة.
لكن اقتراب نهايتها لا يعني اجتثاث أصحابها؛ بل اجتثاث قدرتها على تضليل البشر والتحكم في مصائرهم.
وعندما يحين القطاف، لن تسقط الرؤوس.
ستسقط الأزمنة التي حملتها طويلًا فوق أكتاف الإنسان.
وفي النهاية، لا يبقى قبح العقول حبيس الرؤوس؛ بل يطفو على الوجوه مهما حاولت التجمّل، فتبدو كالحةً منطفئةً، ويشوبها غباءٌ مثير للدهشة.