ما لم يحدث

news image

للحياة جانب مضيء لا يصل إلى نشرات الأخبار

 

كتب: عبدالله العميره

الحرب خبر كبير.

أما السلام، فغالبًا ما يعيش في التفاصيل الصغيرة.

تنقل الشاشات الصواريخ التي أُطلقت، لكنها لا تنقل آلاف الصواريخ التي لم تُطلق.

تحصي المدن التي تعرضت للقصف، ولا تحصي المدن التي نام أهلها آمنين.

تسجل الاجتماعات التي فشلت، ولا تعرف شيئًا عن خلاف انتهى لأن شخصًا اختار الصمت، أو قائدًا تراجع عن قرار، أو إنسانًا قرر ألا يرد الإساءة بمثلها.

لهذا يبدو العالم، عندما نراه من خلال الأخبار وحدها، أكثر ظلمة مما هو عليه في الحقيقة.

فهل هذه هي الحياة كلها؟

أم أننا نحدّق طويلًا في جانبها المظلم، حتى ننسى أن لها جانبًا آخر مضيئًا لا تصله الكاميرات؟

الحياة خارج الشاشة

بينما تتحدث الأخبار عن حرب لا تنتهي، يستيقظ ملايين الناس ليذهبوا إلى أعمالهم.

تفتح أم نافذة غرفتها ليدخل الضوء، ويغرس مزارع شجرة لن يجني ثمارها قبل سنوات، ويشرح معلم درسًا لطفل، ويبحث طبيب عن علاج، ويكتب شاب فكرته الأولى لمشروع قد يغيّر حياته.

هذه ليست أخبارًا مثيرة.

لكنها الحياة.

فالعالم لا تحركه الحروب وحدها، بل تحركه أيضًا الأيدي التي تبني ما تهدمه الحروب، والعقول التي تواصل التفكير، والقلوب التي لم تسمح للخوف بأن ينتزع منها قدرتها على المحبة.

وفي الوقت الذي يُطلق فيه شخص رصاصة، يمد آلاف الأشخاص أيديهم لمساعدة آخرين.

لكن الرصاصة تُسمع، أما اليد فلا صوت لها.

ما لم يحدث

نقيس حياتنا عادةً بما حدث فيها:

لقاء جمعنا، ونجاح أسعدنا، وباب فُتح أمامنا.

لكننا نادرًا ما نفكر في الأشياء التي لم تحدث:

حادث تأخرنا عنه دقائق، وكلمة غضب كدنا نقولها ثم ابتلعناها، وقرار اندفعنا إليه ثم تراجعنا، وطريق أُغلق فظنناه خسارة، قبل أن نكتشف أنه أبعدنا عن مكان لم يكن لنا.

فكم مرة أنقذتنا الحياة من شيء لم نعرف أنه كان قادمًا؟

وكم نعمة عشناها في صورة غياب، فلم نرها لأننا اعتدنا أن نشكر ما يصل، لا ما يُصرف عنا؟

نحن نعرف المرض الذي أصابنا ثم شُفينا منه، لكننا لا نعرف الأمراض التي لم تصل إلينا.

نعرف الصديق الذي وقف إلى جانبنا، ولا نعرف العدو الذي كان قادرًا على إيذائنا ثم عدل عن ذلك.

نعرف الطريق الذي أوصلنا إلى غايتنا، ولا نعرف الطريق الذي لم نسلكه، وممَّ أنقذنا.

إن جانبًا كبيرًا من السلام الذي نعيشه تصنعه أشياء لم تقع، وقرارات لم تُتخذ، وكلمات لم تُقل. ومن هنا يأتي الشكر، والرضا بالقدر، واستيعاب الدروس، والقناعة بأن الصحة أثمن ثمار الحياة، وأن مشاركتها مع الآخرين هي المعنى الأسمى لوجودنا.

الخير الهادئ

الشر صاخب بطبيعته.

يحتاج إلى صورة وعنوان وصوت مرتفع.

أما الخير، فكثيرًا ما يعمل بصمت.

لا نعرف اسم الرجل الذي أصلح عطلًا قبل أن يتسبب في كارثة، ولا الموظف الذي اكتشف خطأ فصححه، ولا الطبيب الذي لاحظ علامة صغيرة فأنقذ مريضًا، ولا الإنسان الذي قاوم غضبه فحفظ أسرة من الانقسام.

لا تظهر هذه الأفعال في الأخبار؛ لأنها منعت الحدث قبل أن يولد.

وربما كان أعظم صانعي السلام أشخاصًا لن نسمع أسماءهم أبدًا؛ لأن نجاحهم تمثل في شيء لم يحدث.

فمَن يمنع الحرب لا يملك صور الدمار ليعرض إنجازه.

ومَن يطفئ الفتنة في بدايتها لا يجد حشودًا تحتفل به.

ومَن يحمي الناس من الخوف لا يستطيع أن يقدم لهم قائمة بالمخاوف التي لم تصل إليهم.

ومع ذلك، فإن الحياة تستمر بفضل هؤلاء الهادئين أكثر مما تستمر بفضل أصحاب الضجيج.

ليس تفاؤلًا ساذجًا

رؤية الجانب المضيء لا تعني إنكار الحرب، ولا تجاهل الألم، ولا إغماض العين عن الظلم.

التفاؤل الحقيقي ليس أن نقول إن العالم بخير دائمًا، بل أن نعرف أن فيه شرًا، ثم نرفض أن نمنحه الصورة كلها.

فالحرب حقيقة، لكنها ليست الحقيقة الوحيدة.

والخوف موجود، لكنه لا يسكن كل بيت.

والكراهية تنتشر، لكنها لم تمنع الناس من المحبة.

والدمار يملأ الشاشات، لكنه لم يوقف البناء.

لسنا مطالبين بأن نجمّل الواقع، بل بأن نراه كاملًا؛ فالتركيز على الظلام وحده لا يجعلنا أكثر وعيًا، بل قد يجعلنا أقل قدرة على رؤية الطرق المفتوحة أمامنا.

ما يستحق النظر

كلما ضاقت الشاشة بالحروب، ينبغي أن نوسّع نافذة الحياة.

أن ننظر إلى طفل يتعلم، وشجرة تكبر، وبيت يجتمع أهله، وصديق يسأل عن صديقه، وإنسان يبدأ من جديد بعد خسارة.

هذه المشاهد البسيطة ليست هروبًا من العالم، بل هي العالم الذي يستحق أن نحميه.

فالحياة لا تتوقف انتظارًا لنهاية الحروب.

إنها تنمو إلى جوارها، وتقاومها بطريقتها، وتستعيد كل يوم مساحة صغيرة حاول الخوف أن يحتلها.

قد لا نستطيع إيقاف الحروب كلها، لكننا نستطيع ألا نسمح لها بأن تستولي على داخلنا.

نستطيع أن نتابع الأخبار من دون أن نفقد الإحساس بالجمال، وأن نعرف حجم الخطر من دون أن ننسى حجم الأمل، وأن نحزن لما يحدث من دون أن نتوقف عن الامتنان لما لم يحدث.

الجانب المضيء

ربما لا تكون السعادة في أن يحدث لنا كل ما نريد.

قد تكون أحيانًا في ألا يحدث لنا ما كنا نخشى، أو ما لم نكن نعرف أنه يقترب منا.

وربما لا يكون السلام حدثًا كبيرًا يُوقّع أمام الكاميرات.

قد يكون كلمة لم نقلها، وغضبًا أخمدناه، وضررًا صرفه الله عنا، وصباحًا عاديًا استيقظنا فيه من دون أن يقع ما يغير حياتنا.

إننا لا نعيش بفضل ما منحته لنا الحياة فقط، بل بفضل كثير مما أبعدته عنا من دون أن نعلم.

وبعيدًا عن الحروب التي لا تنقضي، يظل هناك عالم آخر لا تصنعه الصواريخ ولا تقوده الكراهية.

عالم يستيقظ كل صباح، يفتح نوافذه للضوء، ويواصل الحياة.

فليس كل ما لم يحدث فراغًا؛ بعض ما لم يحدث هو رحمة.