المعركة الأصعب

news image

هل يصنع المحارب سلامًا؟ من لا يعرف في إدارة الأزمات إلا القوة، ولا يرى في خصومه إلا أهدافًا، قد يوقف إطلاق النار؛ لكنه لا يصنع بالضرورة سلامًا يمكن الوثوق به

 

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

منذ أن حمل الإنسان أول سلاح، ظن أن القوة تختصر الطريق.

لا حاجة إلى إقناع الخصم إذا كان يمكن إخضاعه، ولا ضرورة لفهم مخاوفه إذا كان يمكن إسكات صوته، ولا وقت لبناء اتفاق طويل ما دامت معركة قصيرة قادرة على تغيير الخريطة.

لكن التاريخ، من أثينا القديمة إلى حروب العصر الحديث، يكرر درسًا لم يتعلمه كثيرون:

قد تكسب الحرب أرضًا، لكنها لا تضمن الاحتفاظ بها. وقد تسقط خصمًا، لكنها لا تزيل أسباب الصراع. وقد تمنح القائد انتصارًا سريعًا، ثم تترك الدولة تدفع ثمنه أجيالًا.

السؤال، إذن، لا يتعلق بقوة الجيش وحدها، بل بثلاثة عقول تتحكم في قرار الحرب والسلام:

عقل الدولة، وعقل القائد، وعقل الجماعة.

فالدولة قد تمتلك جيشًا قويًا، لكنها تحتاج إلى عقل يعرف متى يستخدمه ومتى يوقفه.

والقائد قد يبرع في قراءة ميادين القتال، لكنه يفشل في فهم المجتمعات التي يريد إخضاعها.

أما الجماعة، فقد تسكرها نشوة القوة، فترفض الأسئلة، وتعدّ كل صوت يحذر من الحرب ضعفًا أو خيانة.

وهنا تبدأ الهزيمة قبل أن تبدأ المعركة.

أثينا التي أغراها مجدها

في القرن الخامس قبل الميلاد، لم تكن أثينا مدينة ضعيفة تبحث عن النجاة، بل قوة بحرية كبرى، تملك المال والسفن والنفوذ، وتعيش ذروة حضورها السياسي والثقافي.

لكن القوة صنعت لديها وهمًا بأن حدودها يمكن أن تمتد كلما أرسلت أسطولًا جديدًا.

عام 415 قبل الميلاد، قررت أثينا إرسال حملة ضخمة إلى صقلية، بعيدًا عن الجبهة الرئيسية لحربها مع إسبرطة. وما بدأ تدخلًا محدودًا تحول إلى مشروع غزو واسع، دفع إليه الطموح والثقة المفرطة والاعتقاد بأن القوة الأثينية قادرة على كسر كل مقاومة.

انتهت الحملة بكارثة؛ دُمّر الأسطول، وقُتل أو أُسر معظم الجيش، وأصبحت الهزيمة نقطة تحول مهّدت لسقوط أثينا أمام إسبرطة لاحقًا.

لم تخسر أثينا لأنها لم تكن قوية، بل لأنها سمحت للقوة بأن تحل محل الحكمة.

وهذا هو أول دروس التاريخ: امتلاك القدرة على الحرب لا يعني أن خوضها هو القرار الصحيح.

نابليون الذي ضاقت به أوروبا

بعد أكثر من ألفي عام، ظهر نابليون بونابرت بوصفه أحد أعظم القادة العسكريين في التاريخ.

انتصر، وتوسع، وأعاد رسم خرائط، ووضع ممالك تحت نفوذه. لكن نجاحه العسكري المتكرر أقنعه بأن المعركة التالية ستعالج دائمًا ما تركته المعركة السابقة.

كل انتصار كان يفتح حربًا جديدة، وكل توسع كان يصنع تحالفًا أكبر ضده، حتى أصبحت الحرب وسيلة للحفاظ على ما صنعته الحرب.

وفي واترلو عام 1815، انتهت المحاولة الأخيرة. هُزم نابليون، وتنازل عن العرش، وسقط مشروعه الإمبراطوري نهائيًا. 

لم يكن نابليون يجهل الحرب؛ بل ربما كان يعرفها أكثر من معظم خصومه.

لكنه لم يعرف كيف يتوقف في الوقت المناسب.

والقائد الذي لا يعرف متى تنتهي وظيفة السلاح، قد يتحول انتصاره الأكبر إلى الطريق الذي يقوده نحو هزيمته.

هتلر.. الحرب بوصفها عقيدة

كان أدولف هتلر النموذج الأكثر فظاعة لقائد لم يرَ العالم إلا من خلال القوة والعرق والإبادة والتوسع.

لم تكن الحرب عنده أداة اضطرارية لتحقيق هدف سياسي، بل كانت جزءًا من تصور كامل للعالم: شعوب تستحق أن تحكم، وأخرى يجب أن تخضع أو تزول.

حقق في البداية انتصارات سريعة، وأسقط دولًا، وأرعب قارة كاملة. لكن كل انتصار وسّع الحرب، وكل توسع ضاعف عدد خصومه، وكل جريمة جعلت العودة إلى سلام حقيقي أكثر استحالة.

وفي النهاية، لم يصنع الرايخ الذي وعد بأن يعيش ألف عام. حوّل ألمانيا إلى أنقاض، وأوروبا إلى مقبرة، ثم انتحر في مخبئه يوم 30 أبريل 1945، بينما كانت القوات السوفيتية تقترب من قلب برلين. 

كان يعتقد أن الحرب تحل المشكلات، فانتهى وقد جعل من نفسه أكبر مشكلات بلاده وتاريخها.

عندما تصبح الحرب هروبًا

لم يتوقف هذا التفكير عند إمبراطوريات الماضي.

في عام 1990، خرج العراق من حرب طويلة مع إيران مثقلًا بالخسائر والديون، لكنه لم يتجه إلى ترميم اقتصاده ومجتمعه، بل دخل حربًا جديدة باجتياح الكويت.

بدا القرار في ساعاته الأولى انتصارًا عسكريًا سريعًا، لكنه تحول إلى هزيمة وانسحاب وعقوبات قاسية وعزلة طويلة، ودخل العراق بعدها مرحلة من الاستنزاف لم تنته آثارها بسقوط النظام نفسه.

هنا لا تعود الحرب حلًا، بل تصبح هروبًا من أزمة داخلية إلى أزمة أكبر.

فالقائد الذي يعجز عن إصلاح الاقتصاد قد يبحث عن عدو.

والنظام الذي يفشل في إقناع شعبه قد يحاول توحيده بالخوف.

والدولة التي لا تملك مشروعًا للمستقبل قد تستدعي أمجادًا عسكرية تعوض بها عجز الحاضر.

لكن المدافع لا تسدد الديون، والصواريخ لا تبني المدارس، واحتلال أرض جديدة لا يصلح دولة بدأت تتآكل من داخلها.

محارب رأى الدم فتغيّر

ومع ذلك، لا يقول التاريخ إن كل محارب محكوم عليه بأن يبقى أسير الحرب.

الإمبراطور أشوكا، أحد أعظم حكام الهند القديمة، خاض في القرن الثالث قبل الميلاد حرب كالينغا، وانتصر فيها عسكريًا. لكن مشهد القتلى والمهجّرين لم يمنحه راحة المنتصر؛ بل دفعه، بحسب نقوشه، إلى مراجعة معنى النصر نفسه.

كان يستطيع أن يواصل التوسع، لكنه اختار طريقًا آخر؛ خفف من سياسة الفتح بالقوة، وتبنى مفهومًا للحكم يقوم على التسامح والرعاية والقيم الأخلاقية.

أشوكا حقق هدفه العسكري، ثم اكتشف أن كلفة تحقيقه جعلت الانتصار أقرب إلى الهزيمة الإنسانية.

وهنا تكمن قدرته الحقيقية: لم يغيّر خطابه فقط، بل غيّر فلسفة الحكم.

فالمحارب يستطيع أن يصنع سلامًا، لكن بشرط أن يعترف أولًا بأن ما أتقنه في الميدان لا يكفي لإدارة ما بعده.

السادات.. من العبور إلى السلام

كان الرئيس المصري أنور السادات قائد حرب وقائد سلام.

اتخذ قرار حرب أكتوبر 1973، وحقق العبور الذي أعاد إلى مصر قدرتها على التفاوض من موقع مختلف. لكنه أدرك أن الحرب، مهما حققت، لن تعيد الأرض كاملة ولن تمنح المنطقة استقرارًا دائمًا.

انتقل من الميدان إلى السياسة، وزار القدس، وخاض مفاوضات كامب ديفيد، ثم وقّع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، التي وضعت إطارًا لاستعادة سيناء وإنهاء الحرب بين البلدين.

لم يتخلَّ السادات عن نتائج الحرب، بل نقلها إلى طاولة التفاوض.

لقد فهم أن وظيفة السلاح ليست أن يبقى مشتعلًا إلى الأبد، بل أن يفتح، حين تضيق السبل، طريقًا إلى حل سياسي يحمي الدولة ويستعيد حقوقها.

لكنه دفع حياته ثمنًا لذلك التحول. اغتيل في السادس من أكتوبر 1981 على أيدي متطرفين عارضوا سياساته، وكان السلام مع إسرائيل بين أسباب عدائهم له.

لقد نجا من حرب خاضها ضد خصم خارجي، لكنه سقط أمام من رأوا السلام خيانة.

رابين.. حين غيّر الجنرال لغته

وكان إسحاق رابين جنديًا وقائدًا عسكريًا ورئيسًا لأركان الجيش الإسرائيلي خلال حرب يونيو 1967.

لكنه انتقل لاحقًا إلى مسار مختلف، وشارك في اتفاقات أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، ونال مع ياسر عرفات وشمعون بيريز جائزة نوبل للسلام عام 1994.

لم يصبح رابين مسالمًا حالمًا، ولم يتخلَّ عن حسابات الأمن؛ لكنه أدرك أن القوة تستطيع حماية حدود، ولا تستطيع وحدها إنهاء صراع يسكن الذاكرة والهوية والخوف.

وفي عام 1995، اغتاله متطرف إسرائيلي عارض اتفاقات أوسلو، بعد مشاركته في تجمع مؤيد للسلام.

رابين أيضًا عرف كيف يقود الحرب، ثم حاول أن يقود شعبه نحو السلام، فكان ثمن التحول حياته.

لماذا يُقتل صانع السلام؟

الحرب، على قسوتها، تقدم إجابات سهلة.

هناك عدو واضح، وجبهة واضحة، وشعارات لا تحتمل النقاش. أما السلام فيطرح أسئلة أصعب:

ما الذي يمكن التنازل عنه؟

كيف نقنع من فقدوا أبناءهم بأن المصافحة ليست خيانة؟

كيف يتحول الخصم من هدف في منظار البندقية إلى شريك على طاولة واحدة؟

وكيف يشرح القائد لجمهوره أن التسوية لا تعني أن الدماء السابقة كانت بلا معنى؟

لهذا قد ينجح القائد في هزيمة جيش، ثم يفشل في إقناع جماعته بالسلام.

فـعقل الجماعة قد يبقى في الخندق حتى بعد خروج الجنود منه. وقد يستمر في إنتاج العدو؛ لأن وجوده يمنح الجماعة شعورًا بالوحدة والهوية، ومبررًا دائمًا للغضب.

السلام لا يحتاج إلى شجاعة مواجهة الخصم فقط، بل إلى شجاعة مواجهة المتطرفين في الصف نفسه.

وهؤلاء قد يغفرون للقائد هزيمة عسكرية، لكنهم لا يغفرون له مصافحة من علّمهم طويلًا أنه عدو لا يمكن التعايش معه.

هل يمكن الوثوق بالمحارب؟

الإجابة ليست نعم أو لا.

فالثقة في السياسة لا تُمنح بسبب خطاب جميل، ولا بسبب توقيع اتفاق أمام الكاميرات. ومن كان تاريخه قائمًا على التخريب والتهديد يحتاج إلى أن يقدم ما هو أقوى من الكلمات.

هل أوقف أدوات الحرب فعلًا؟

هل تغيّر سلوكه، أم غيّر لغته فقط؟

هل قبل الرقابة والضمانات؟

هل احترم الاتفاق عندما أصبح خرقه ممكنًا؟

هل بدأ بإصلاح ما دمّره؟

وهل يرى السلام حقًا متبادلًا، أم استراحة يعيد خلالها تعبئة سلاحه؟

ليس كل من أوقف إطلاق النار صانع سلام، وليس كل من جلس إلى طاولة التفاوض أهلًا للثقة.

قد يكون السلام لدى بعضهم اقتناعًا جديدًا، وقد يكون لدى آخرين سلاحًا مؤجلًا. والتمييز بين الاثنين لا تصنعه البلاغة، بل يكشفه الزمن والسلوك والضمانات.

عقل جديد للسلام

الحرب تحتاج إلى تحديد هدف، وحشد قوة، ومفاجأة خصم، وإلحاق خسائر به.

أما السلام فيحتاج إلى قدرات مختلفة: فهم مخاوف الطرف الآخر، وقبول التسوية من دون اعتبارها هزيمة، واحترام التعهدات بعد زوال الضغط، وإقناع المجتمع بأن التعايش ليس استسلامًا.

من يجيد الحرب قد يتعلم السلام.

لكن عليه أولًا أن يتخلى عن اعتقاده أن كل ما لا يخضع له يجب أن يُدمَّر، وأن يفهم أن القوة الحقيقية ليست في إطلاق النار فقط، بل في القدرة على ضبط السلاح بعد امتلاكه.

فمن السهل أحيانًا أن تبدأ حربًا؛ يكفي قرار واحد.

أما السلام فيحتاج إلى قرارات شجاعة كل يوم.

ولهذا لا تبدأ الثقة عندما تصمت المدافع، بل عندما يثبت من أشعلها أنه لم يعد يرى في الهدوء فرصة لإعادة تعبئتها.

قد تكون الحرب أشهر معارك المحارب، لكن السلام يظل معركته الأصعب.