اليوم 171 | صفقة تبحث عن قرار

news image

ترامب يقول إن إيران تريد الاتفاق لكنه لا يعرف مع من يتفاوض، فيما يدعو الرئيس الإيراني إلى إنهاء الحرب «من موقع قوة»؛ والمشكلة ليست غياب الأشخاص بقدر ما هي غياب قرار موحد وضمانات قابلة للتنفيذ

اليوم 171 | 22 أغسطس 2026

 

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
 

عرض سريع للأخبار

ترامب يريد الصفقة ولا يريدها

قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن إيران «ترغب بشدة» في التوصل إلى اتفاق، لكنه أضاف أن الولايات المتحدة لا تعرف إن كانت تريد الاتفاق أصلًا.

وفي التصريحات نفسها، قال إنه لا يعرف مع من يمكن التفاوض داخل إيران، بسبب مقتل معظم قادتها، وإنه لا يعتقد أن أحدًا يرغب في تولي رئاسة البلاد.

وجدد ترامب تأكيد أن إيران لن تمتلك سلاحًا نوويًا، وأن الخيارات العسكرية الأميركية لا تزال قائمة، رغم انتقال مركز الضغط إلى الحرب الاقتصادية.

طهران تعرض مخرجًا بشروطها

في المقابل، دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى إنهاء الحرب الآن، قائلًا إن إيران ينبغي أن تفعل ذلك وهي في «موقع قوة وكرامة».

ودافع بزشكيان عن مذكرة التفاهم السابقة مع الولايات المتحدة، مؤكدًا أنها لم تكن استسلامًا أو تنازلًا إيرانيًا. ويعكس تصريحه رغبة داخل جزء من القيادة الإيرانية في العودة إلى مسار سياسي قبل أن تشتد العقوبات وتتدهور الأوضاع الاقتصادية بصورة أكبر.

لكن هذا الاتجاه لا يبدو محل إجماع؛ إذ تواصل القيادات العسكرية الإيرانية التهديد برد «مدمر»، وتصر على الاحتفاظ بمضيق هرمز ورقة ضغط، ما يكشف انقسامًا بين من يريد إنهاء الحرب باتفاق، ومن يرى أن الصمود والتعطيل لا يزالان قادرين على تحسين شروط إيران.

أقسى العقوبات تنتظر الاثنين

يستعد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لإعلان تفاصيل حزمة عقوبات جديدة الاثنين، وصفها بأنها الأقسى في التاريخ.

ويُنتظر أن تتجاوز العقوبات استهداف المؤسسات الإيرانية إلى فرض إجراءات ثانوية على الشركات والدول التي تتعامل مع طهران، ولا سيما الصين التي تشتري أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحرًا. 

وقال بيسنت إن الضغط الاقتصادي قد يقلل الحاجة إلى عمليات عسكرية أميركية واسعة، لكن ترامب شدد في الوقت نفسه على أن التحول إلى الحرب الاقتصادية لا يعني استبعاد القوة العسكرية.

أما رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف، فدعا خلال وجوده في بغداد إلى بناء آليات لتجاوز العقوبات، وتوسيع استخدام العملات الوطنية في التجارة بين إيران والعراق، وتقليل الاعتماد على الدولار.

لا نار واسعة ولا سلام

لا تشهد الجبهة حاليًا تبادلًا واسعًا للضربات، لكن الحرب لم تنتهِ؛ فقد انتقلت إلى الحصار والعقوبات وتعطيل صادرات النفط والتهديد المتبادل.

وتصف المرحلة الراهنة بأنها وقف غير معلن للنار، من دون اتفاق سياسي أو ضمانات تمنع عودة القصف.

وتبقى القوات الأميركية في وضع يسمح لها باستئناف العمليات إذا نفذت إيران هجومًا كبيرًا، أو استهدفت سفنًا أو منشآت طاقة أو قواعد أميركية.

هرمز يفنّد السيطرة الكاملة

كرر ترامب قوله إن الولايات المتحدة تملك «سيطرة كاملة» على مضيق هرمز، وذهب أبعد من ذلك بوصفه «أرضًا أميركية».

لكن هذا الوصف سياسي واستعراضي، ولا يغيّر الوضع القانوني للمضيق؛ فهو ممر دولي تحكمه قواعد المرور العابر، وتقع مياهه ضمن النطاقين البحريين لإيران وسلطنة عُمان، وليس إقليمًا أميركيًا.

كما أن بيانات الملاحة لا تؤيد الحديث عن عودة السيطرة التشغيلية الكاملة؛ فقد عبرت المضيق الجمعة سبع سفن سلعية فقط، أي نصف العدد المسجل في اليوم السابق، فيما بقيت شحنات النفط الرئيسة متوقفة إلى حد كبير.

إذن، تستطيع الولايات المتحدة تحريك سفن وتأمين عبور محدود، لكنها لم تتمكن بعد من إعادة المضيق إلى وضعه الطبيعي أو إقناع شركات الشحن والتأمين بأن الخطر انتهى.

النفط لا يصدق قرب النهاية

أنهى خام برنت تداولات الجمعة قرب 93.30 دولارًا للبرميل، في ظل استمرار القلق من اضطراب الإمدادات وتراجع حركة السفن.

وتوقع ترامب انخفاض أسعار الطاقة بمجرد انتهاء العمليات المتعلقة بإيران، وهو أمر منطقي من حيث اتجاه السوق، لكن المشكلة أن الحرب الاقتصادية والعقوبات الثانوية قد تطيل الأزمة بدل أن تنهيها سريعًا.

فالسوق لا يسعّر القصف وحده؛ بل يسعّر أيضًا خطر العقوبات، وتعطل الصادرات، وارتفاع التأمين، واحتمال الرد الإيراني على منشآت الطاقة والممرات البحرية.

أرقام ترامب تحتاج إلى تدقيق

قال ترامب إن التضخم في إيران بلغ 300%، وإن طهران أصبحت عاجزة عن دفع رواتب الجنود والشرطة.

لا خلاف على أن الاقتصاد الإيراني يواجه أزمة حادة، وأن توقف صادرات النفط وتجميد الأموال والعقوبات أضعفت قدرة الدولة على التمويل. لكن الرقم المتاح للتضخم في يوليو يدور حول 87.9%، وهو معدل كارثي، لكنه بعيد عن 300%. كما لم يظهر تأكيد مستقل يثبت توقف دفع رواتب الجيش والشرطة على نطاق شامل. 

لذلك ينبغي التعامل مع تصريحات ترامب بوصفها جزءًا من حملة الضغط النفسي، لا أرقامًا اقتصادية نهائية، إلى أن تسندها بيانات موثوقة.

التحليل

هل تناقض ترامب؟

نعم، توجد تناقضات ظاهرة في تصريحاته، لكنها ليست كلها ناتجة عن ارتباك؛ فبعضها يخدم أسلوبًا تفاوضيًا مقصودًا.

يقول ترامب:

  • إيران تريد الاتفاق بشدة.
  • الولايات المتحدة لا تعرف إن كانت تريد الاتفاق.
  • لا يعرف مع من يتفاوض.
  • الولايات المتحدة مستعدة لمواصلة الضغط حتى تستسلم إيران لشروطها.

هذه الرسائل تجمع بين فتح الباب وإهانة الطرف الواقف أمامه. فهو يريد أن يقول إن إيران هي المحتاجة إلى الاتفاق، وإن واشنطن ليست مستعجلة، وإن القيادة الإيرانية المتبقية لا تملك القوة أو الشرعية الكافية لفرض شروطها.

وبذلك يحاول ترامب انتزاع الأفضلية قبل بدء أي تفاوض: إيران تطلب النجاة، والولايات المتحدة تقرر إن كانت ستمنحها المخرج.

واشنطن تعرف المفاوض

قول ترامب إنه لا يعرف مع من يتفاوض لا ينبغي فهمه حرفيًا.

فإيران لديها رئيس قائم هو مسعود بزشكيان، ورئيس برلمان وكبير مفاوضين هو محمد باقر قاليباف، ووزير خارجية هو عباس عراقجي. وقد شارك قاليباف وعراقجي فعلًا في المفاوضات السابقة مع الولايات المتحدة، كما أعلن قاليباف هذا الأسبوع شروط إيران لإعادة فتح هرمز.

إذن، المشكلة ليست أن واشنطن لا تعرف أسماء المفاوضين، بل أنها لا تعرف، أو تقول إنها لا تثق، بمن يملك القرار النهائي داخل النظام الإيراني.

فالرئيس قد يريد إنهاء الحرب، والمفاوض قد يوافق على صيغة، لكن الحرس الثوري يسيطر ميدانيًا على أدوات التصعيد في المضيق، والقيادة العليا تستطيع تعطيل الاتفاق، والمؤسسات الإيرانية المتضررة من الاغتيالات لم تستعد توازنها الكامل.

السؤال الأميركي الحقيقي ليس:

من سيجلس إلى الطاولة؟

بل:

من يستطيع أن يضمن أن ما يوقّع على الطاولة سينفذ في البحر والمنشآت النووية والقواعد العسكرية؟

بزشكيان يرسل إشارة تفاوض

دعوة الرئيس الإيراني إلى إنهاء الحرب «من موقع قوة» تمثل أول إشارة واضحة إلى أن جزءًا من القيادة يرى أن الانتظار قد يجعل شروط إيران أسوأ.

لكنه لا يستطيع الدعوة إلى الاتفاق بوصفه اضطرارًا اقتصاديًا؛ لأن ذلك سيُقدَّم داخليًا باعتباره هزيمة. لذلك يسبق الدعوة بإعلان الانتصار والكرامة، في محاولة لصناعة رواية تسمح بالعودة إلى التفاوض من دون الاعتراف بالانكسار.

وهذا يشبه خطاب ترامب من الجهة المقابلة:

ترامب يقول إن إيران تتوسل الاتفاق، لكنه لا يعرف إن كان يريده.

وبزشكيان يقول إن إيران انتصرت، ولذلك حان وقت إنهاء الحرب.

كلاهما يريد الاحتفاظ بصورة المنتصر قبل الاقتراب من طاولة التسوية.

السيطرة العسكرية ليست سيطرة سياسية

تقول الولايات المتحدة إنها دمرت معظم القدرة العسكرية الإيرانية، وتسيطر على هرمز، وتمنع إيران من تصدير النفط.

لكن بقاء المضيق شبه معطل بعد 171 يومًا يعني أن القوة الأميركية لم تنتج بعد النتيجة السياسية المطلوبة.

إيران لا تستطيع إخراج الولايات المتحدة من المنطقة أو الانتصار عليها عسكريًا، لكنها لا تزال قادرة على حرمانها من إعلان نهاية نظيفة للحرب.

ولهذا أصبحت المعركة حول تعريف النصر:

  • واشنطن ترى أن منع إيران من الإغلاق المطلق للمضيق انتصار.
  • إيران ترى أن منع عودة الملاحة الطبيعية انتصار.
  • واشنطن ترى أن انهيار الصادرات الإيرانية دليل على نجاح الحصار.
  • طهران ترى أن بقاء النفط فوق 90 دولارًا دليل على أن العالم يدفع كلفة خنقها.

أربعة تناقضات في الخطاب الأميركي

التناقض الأول:

إيران هُزمت عسكريًا، لكن الولايات المتحدة تحتاج إلى أقسى عقوبات في التاريخ لإجبارها على الاتفاق.

وهذا يعني أن الهزيمة العسكرية لم تتحول إلى استسلام سياسي.

التناقض الثاني:

واشنطن تسيطر بالكامل على هرمز، لكن حركة السفن لا تزال في حدود أحادية الرقم.

وهذا يعني أن السيطرة البحرية لا تساوي تشغيلًا تجاريًا طبيعيًا.

التناقض الثالث:

الحرب الاقتصادية ستقلل الحاجة إلى القوة، لكن الخيارات العسكرية لا تزال مفتوحة.

وهذه ليست مفارقة كاملة؛ بل رسالة ردع: العقوبات هي الأداة الحالية، والقصف هو العقوبة الاحتياطية إذا ردت إيران عسكريًا.

التناقض الرابع:

ترامب يتوقع انخفاض أسعار الطاقة بعد نهاية الحرب، لكنه يتبنى سياسة قد تطيلها وتوسّعها اقتصاديًا إلى الصين وشركاء إيران.

فإذا تحولت العقوبات إلى صدام اقتصادي أميركي صيني، فقد ترتفع كلفة الطاقة والتجارة بدل أن تنخفض سريعًا.

المآلات والتوقعات

الاثنين سيكشف حجم الحرب الجديدة

الحدث الأهم في المدى القريب ليس ضربة عسكرية، بل تفاصيل العقوبات التي سيعلنها بيسنت.

إذا اقتصرت الإجراءات على مؤسسات وشبكات إيرانية إضافية، فقد يكون أثرها محدودًا؛ لأن جزءًا كبيرًا من الاقتصاد الإيراني خاضع للعقوبات أصلًا.

أما إذا شملت عقوبات ثانوية واسعة على المصارف والمصافي وشركات الشحن الصينية والعراقية ودول أخرى، فستتحول المواجهة إلى اختبار عالمي لقدرة واشنطن على فرض حصارها خارج حدود إيران.

نافذة تفاوض غير معلنة

تصريحات بزشكيان لا تعني بدء مفاوضات، لكنها تكشف أن بابها لم يُغلق داخل طهران.

وقد تبدأ العودة عبر قناة خلفية أو تفاهم محدود يتعلق بهرمز وتصدير كمية من النفط، قبل الانتقال إلى الملفات الأكبر.

لكن أي اتفاق سيحتاج إلى طرف إيراني يحصل على تفويض واضح من القيادة العليا والحرس الثوري، وإلى ضمانات أميركية بألا تستخدم واشنطن التهدئة لإعادة ترتيب الضربات.

رد إيراني محسوب

قد ترد إيران على العقوبات من دون العودة إلى حرب شاملة، عبر:

  • تشديد تعطيل الملاحة.
  • استهداف سفينة بصورة محدودة.
  • تحريك الحوثيين في البحر الأحمر.
  • هجمات إلكترونية على موانئ أو مؤسسات مالية.
  • توسيع التجارة غير الرسمية مع العراق والصين.
  • استخدام العملات المحلية والذهب وشبكات التهريب.

وسيكون هدف الرد إثبات أن الحرب الاقتصادية لا تعمل في اتجاه واحد، وأن منع إيران من بيع النفط سيقابله رفع كلفة وصول نفط الآخرين إلى الأسواق.

خطر الانقسام داخل إيران

إذا ازداد الخلاف بين الجناح الداعي إلى إنهاء الحرب والقيادات العسكرية الرافضة للتنازل، فقد تواجه طهران صعوبة في إنتاج موقف تفاوضي موحد.

وهذا يخدم ترامب مؤقتًا؛ لأنه يبرر القول بعدم وجود شريك موثوق. لكنه يحمل خطرًا على الولايات المتحدة أيضًا؛ فغياب مركز قرار منضبط قد يجعل جهة عسكرية أو بحرية تنفذ هجومًا ينسف أي قناة سياسية.

ختام التحليل

دخلت الحرب يومها الـ171 وهي بلا قصف واسع، لكنها ليست أقرب إلى السلام.

ترامب يقول إن إيران تريد صفقة، ثم يشكك في وجود من يستطيع توقيعها. وبزشكيان يدعو إلى إنهاء الحرب، لكنه يقدّم ذلك بوصفه قرار منتصر لا طلب دولة يختنق اقتصادها.

وبين الخطابين يوجد طرفان يعرف كل منهما الآخر، وتوجد أسماء تفاوضت بالفعل، لكن ما يغيب هو قرار سياسي موحد وثقة بأن الاتفاق سينفذ بعد توقيعه.

ولهذا فإن عبارة ترامب «لا نعرف مع من نتفاوض» ليست وصفًا دقيقًا لغياب المفاوض الإيراني، بل تعبير عن المشكلة الأعمق:

واشنطن تعرف من يتحدث باسم إيران، لكنها لا تعرف من يستطيع إلزام إيران.

أما طهران فتعرف ما تريده من الاتفاق، لكنها لم تحسم بعد ما تستطيع التنازل عنه للحصول عليه.

المفاوض موجود، والرغبة في الخروج تظهر لدى الطرفين؛ لكن الصفقة ما زالت تبحث عن قرار.