ورثة الأيام : هل غادرت القبائل القديمة .. أم غيّرت أسماءها فقط؟

news image

 

كتب: عبدالله العميره

عندما نقرأ التاريخ، نظن أحيانًا أن القبائل القديمة اختفت.

القوط.

الوندال.

الفرنجة.

الغال.

والإمبراطوريات التي صعدت وسقطت.

والحروب التي التهمت أوروبا قرونًا طويلة.

كل ذلك يبدو وكأنه أصبح جزءًا من الماضي.

لكن السؤال المثير:

هل اختفت تلك العقليات فعلًا؟

أم أنها ما زالت تتحرك بأسماء جديدة، وحدود جديدة، وأدوات أكثر تطورًا؟

 

الذاكرة التي لا تموت

التاريخ لا ينتقل عبر الكتب فقط.

بل عبر الأفكار.

وعبر المصالح.

وعبر طريقة نظر الأمم إلى القوة.

ولهذا نلاحظ أن أوروبا الحديثة، رغم وحدتها الظاهرة، ما زالت تشهد تنافسًا مستمرًا بين مراكز القوة والنفوذ.

فالحضارات تتطور.

لكن غرائز الهيمنة لا تختفي بسهولة.

 

الجينات التي لا تُرى

لسنا نتحدث هنا عن الجينات البيولوجية بالمعنى العلمي الضيق.

بل عن جينات حضارية تنتقل عبر الأجيال في صورة أفكار وثقافات وطرق تفكير.

فبعض الأمم ترث حب المغامرة.

وبعضها ترث هاجس الأمن.

وبعضها ترث عقلية التوسع.

وبعضها ترث عقلية البناء.

ولهذا لا تنتقل الحروب دائمًا عبر الدم.

بل عبر التصورات التي يحملها كل جيل عن القوة والهيمنة ودوره في العالم.

وربما لهذا السبب تتغير الأسماء والحدود والأنظمة، بينما تبقى بعض أنماط السلوك حاضرة بأشكال جديدة.

 

من السيف إلى الاقتصاد

في الماضي كانت الجيوش تتحرك بالسيف والرمح.

أما اليوم فتتحرك:

  • بالاقتصاد.
  • بالتقنية.
  • بالإعلام.
  • بالبيانات.
  • وبسلاسل الإمداد.

لكن الهدف في كثير من الأحيان يبقى واحدًا:

من يقود؟

ومن يحدد القواعد؟

 

أعظم ما أنتجه الغرب

رغم الحروب والصراعات، لا يمكن إنكار أن الحضارة الغربية أنتجت أدوات غيّرت حياة الإنسان.

الصناعة.

الطب.

الاتصالات.

النقل.

التقنية الحديثة.

لكن السؤال الذي يندر طرحه:

هل قيمة الحضارة تُقاس بما تنتجه من أدوات؟

أم بما تحققه من استقرار وسعادة وأمن للإنسان؟

 

التكامل الذي صنع العالم

ماذا لو لم يكن الشرق الأوسط يمتلك هذه القدرة الشرائية الهائلة؟

وماذا لو لم يكن النفط الخليجي حاضرًا في معادلة الاقتصاد العالمي؟

ومن كان سيشتري؟

ومن كان سيستهلك؟

ومن كان سيُشغّل عجلة الاقتصاد العالمي؟

الحقيقة أن العالم الحديث لم يُبنَ بواسطة طرف واحد.

بل بواسطة شبكة هائلة من التكامل المتبادل بين المنتج والمستهلك، وبين الطاقة والصناعة، وبين الشرق والغرب.

ولهذا فإن الحديث عن تفوق طرف منفرد على بقية الأطراف أصبح أقل واقعية من أي وقت مضى.

 

السعودية ومسار مختلف

هنا تظهر تجربة تستحق التأمل.

فالسعودية خلال العقود الأخيرة لم تركز على بناء أدوات القوة فقط.

بل على توظيفها.

في التنمية.

والاستقرار.

والطاقة.

والتقنية.

والخدمات.

وجودة الحياة.
والأهم؛ الإنسان.

ولهذا لم يعد السؤال:

هل تملك السعودية أدوات التفوق؟

بل:

كيف تستخدمها؟

 

جيل يصنع المستقبل

ما يلفت الانتباه اليوم ليس النفط.

ولا المشاريع العملاقة.

بل الإنسان نفسه.

جيل سعودي جديد يتفوق في:

  • الكيمياء.
  • الفيزياء.
  • الذكاء الاصطناعي.
  • الإدارة.
  • التشغيل.
  • الهندسة.
  • والتقنيات المتقدمة.
  • ودولة مستفرة بقيادة حكيمة تدفع إلى الأمام  بقوة واتزان

 

وفي كثير من المجالات التي كانت حكرًا على قوى أخرى لعقود طويلة.

لكن الفارق الأهم ليس القدرة على الإنجاز.

بل الغاية من الإنجاز.

فبينما أنفقت أمم كثيرة قرونًا في سباقات الهيمنة والصراع، تتجه السعودية إلى توظيف المعرفة والتقنية لخدمة الإنسان، وتحسين جودة حياته، وتعزيز الاستقرار والأمن والرفاهية.

كما تولي المملكة أهمية خاصة للأمن، بوصفه الركيزة الأساسية للاستقرار، والضامن لاستمرار التنمية والبناء الحضاري.

فالتنمية لا تزدهر في الفوضى، والابتكار لا ينمو في بيئات غير مستقرة، والحضارات لا تتقدم إلا عندما تشعر المجتمعات بالأمان والثقة في المستقبل.

وهنا يكمن الفارق الحقيقي.

 

إلى أين تتجه السعودية؟

ربما لا تتجه السعودية إلى أن تكون قوة صاخبة.

بل إلى أن تكون قوة مؤثرة.

والفرق كبير.

فالقوة الصاخبة تجذب الانتباه.

أما القوة المؤثرة فتغيّر الواقع.

ولهذا قد تكون إحدى التحولات الكبرى في عصرنا أن مفهوم القوة نفسه بدأ يتغير.

من الهيمنة..

إلى الشراكة.

ومن الصراع..

إلى صناعة الاستقرار.

ومن التنافس على النفوذ..

إلى التنافس على جودة الحياة والابتكار والإنجاز.

 

المشهد الأخير

ربما لم تختفِ وراثة الأيام الغابرة تمامًا.

فما زالت بعض الأمم تنظر إلى العالم بعين المنافسة والصراع، وتسعى إلى توسيع النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوة.

لكن أممًا أخرى بدأت تطرح سؤالًا مختلفًا:

ماذا لو استُخدمت القوة لبناء الإنسان بدل السيطرة عليه؟

وهنا قد لا يكون مستقبل الأمم مرهونًا بمن يملك أكبر الجيوش.

بل بمن يملك أفضل رؤية لما بعد القوة.

فالتاريخ قد يتذكر من انتصر في الحروب.

الجيوش تصنع النفوذ لفترة من الزمن، أما الحضارات فتصنع الخلود في الذاكرة.

وقد أثبت التاريخ أن كثيرًا من الجيوش التي أرعبت العالم اختفت، بينما بقيت آثار الحضارات التي بنت الإنسان ورفعت من شأنه.

فالحديد يصدأ، أما الفكرة التي تخدم البشرية فتبقى.

المستقبل يحتفي بمن جعل حياة الإنسان أكثر أمنًا وازدهارًا واستقرارًا.

 

ملاحظة صحفية على الهامش

أثناء ترجمة المقال مع الزملاء في إدارة الإعلام الاستراتيجي بوكالة "بث"، توقفت عند عنوان المقال، ودارت بيننا مناقشة طريفة حول معنى كلمة "الغابرة".

فهل المقصود بها مجرد العصور القديمة؟

أم أن في الكلمة شيئًا آخر؟

في العربية، لا تحمل بعض الكلمات معناها المباشر فقط، بل تحمل أحيانًا ظلالًا نفسية وثقافية تراكمت عبر الزمن.

فكلمة "الغابرة" قد تشير إلى ما مضى وانتهى، لكنها تستحضر لدى بعض القرّاء أيضًا صورة الغبار المتراكم فوق الحروب والصراعات والأخطاء التي تركها التاريخ خلفه.

وهنا تظهر إحدى المفارقات الجميلة في العمل الصحفي:

فالكاتب يبحث أحيانًا عن العبارة الأجمل.

أما الصحفي، فيبحث عن العبارة التي توصل الفكرة بأقل قدر من الالتباس.

وربما لهذا السبب لا تكمن قيمة التاريخ في أنه مضى.

بل في أن نتأكد من أن أسوأ ما فيه لا يعود إلينا بأسماء جديدة.

فبعض الأزمنة تنتهي، لكن بعض أفكارها تظل تبحث عن طريق للعودة.

 

BETH (بث B) – All rights reserved