الذين يشبهون الطمأنينة

news image

كتب: عبدالله العميره

بعد ضجيج الأخبار ورتابة الأعمال التي تستهلك يومنا، نفتح كل مساء مساحة صغيرة للهدوء. هذه كبسولتنا اليومية؛ لا تفرض شخصًا أو حكاية، بل تترك فراغًا ذكيًا يملؤه كل قارئ من تجربته، وقد تقول عنه ما لم يستطع قوله. لا تعزلنا عن الحياة، بل تعيدنا إليها أخفّ روحًا وأصفى ذهنًا.

هناك أشخاص لا يدخلون حياتنا بصوت مرتفع.

لا يعلنون حضورهم، ولا يطلبون مكانًا، ولا يتركون وراءهم ما يثبت أنهم مرّوا من هنا.

ومع ذلك، يتغير شيء ما حين يكونون قريبين.

يهدأ التفكير قليلًا، وتتراجع الأسئلة إلى أطراف العقل، ويصبح الصمت أقل وحشة؛ كأن الروح تعرّفت إلى معنى كانت تبحث عنه من دون أن تعرف اسمه.

لا يفعلون شيئًا استثنائيًا.

قد تكون كلمة عادية قيلت في وقتها، أو سؤالًا لم يُطرح احترامًا، أو نظرة فهمت ما لم تستطع العبارة قوله.

وقد يكون الأمر كله مجرد إحساس لا نملك عليه دليلًا.

رسائل بلا صوت

ليست كل الرسائل كلمات.

بعضها يصل حين نفكر في شخص، ثم نكتشف أن الخاطر ربما عبر المسافة في الاتجاهين.

وبعضها يأتي في جملة تبدو عابرة، لكنها تلامس سؤالًا ظل مختبئًا طوال اليوم.

نتوقف لحظة ونسأل:

هل كانت مصادفة؟

هل يمكن أن يشعر أحد بما لم نقله؟

أم أننا، حين نصمت طويلًا، نترك في الهواء إشارات يلتقطها من يعرف كيف يصغي؟

لا توجد إجابة مؤكدة.

وربما كان جمال الأمر في بقائه بلا إجابة؛ لأن بعض المعاني تفقد شيئًا من سحرها حين نضعها تحت ضوء التفسير.

ذلك الصمت

هناك صمت يغلق الأبواب، وصمت آخر يفتح ممرًا لا يراه أحد.

الصمت الأول يجعلنا نفتش عن الخطأ، ونراجع الكلمات، ونخشى أن شيئًا انكسر.

أما الآخر، فلا يطالبنا بشيء. يترك لنا مساحة نفكر فيها، ويجلس قريبًا من دون أن يزاحم أفكارنا.

مع بعض الناس، نضطر إلى شرح أنفسنا باستمرار.

ومع آخرين، نشعر أن ما لم نقله وصل كاملًا.

ليس لأنهم يعرفون أسرارنا، بل لأنهم لا يتعجلون تفسيرنا، ولا يحاكمون ارتباكنا، ولا يحوّلون كل تغير في المزاج إلى قضية تحتاج إلى تحقيق.

إنهم يفهمون أن الإنسان قد يصمت لأنه متعب، لا لأنه غاضب؛ وقد يبتعد قليلًا لأنه يعيد ترتيب نفسه، لا لأنه يقرر الرحيل.

الحيرة الهادئة

هل خطر ببال أحدكم يومًا شخصٌ، فإذا بصوته يصل بعد دقائق؟ وربما كان من أولئك الذين يسترون مشاعرهم بالصمت، ثم تجمع بينكما مصادفة بعد زمن طويل، فيقول بهدوء: كنت معك طوال تلك المدة.

أحيانًا، يعبر أحدهم الذاكرة بلا موعد.

نفتش عن سبب حضوره، فلا نجد موقفًا قريبًا، ولا كلمة مستعادة، ولا مناسبة تفسر مجيئه في تلك اللحظة.

ثم تلوح إشارة تزيد الحيرة: رسالة تصل، أو اسم يمر، أو عبارة تتكرر، أو إحساس غامض بأن الطرف الآخر كان يقف، في الوقت نفسه، عند النقطة ذاتها من التفكير.

قد نسمي ذلك تخاطرًا.

وقد تكون الذاكرة أعمق مما نعرف.

وربما التقط العقل تفاصيل صغيرة، ووصل بينها في الخفاء، ثم أرسل خلاصتها إلى القلب من دون أن يكشف له طريقة الحساب.

لا يهم كثيرًا ما نسميه.

المهم أن بعض الأشخاص يعرفون كيف يصلون إلينا، من دون أن يقطعوا المسافة.

مساحة آمنة

الذين يشبهون الطمأنينة لا يستولون على أيامنا.

لا يطلبون أن نكون متاحين دائمًا، ولا يقيسون مكانتهم بعدد الرسائل، ولا يعاقبوننا على انشغالنا أو صمتنا.

إنهم يتركون مساحة كافية لنبقى نحن.

وحين نعود، لا يستقبلوننا بقائمة من الأسئلة، بل بذلك الهدوء الذي يقول إن الغياب لم يكن محاكمة، وإن الطريق ظل مفتوحًا من دون حارس.

ربما لهذا نطمئن إليهم.

فالأمان لا يأتي من كثرة الوعود، بل من غياب الخوف؛ ألا نخشى أن تُستخدم كلماتنا ضدنا، أو يصبح ضعف عابر تعريفًا دائمًا لنا، أو يتحول القرب إلى قيد.

أثر لا يُرى

قد لا يعرف أولئك الأشخاص ما يفعلونه بنا.

قد يظنون أنهم قالوا جملة عادية، بينما كانت الجملة تعيد شيئًا إلى مكانه.

وقد يمرون في يومنا دقائق قليلة، لكنهم يتركون داخله هدوءًا يكفي ساعات.

بعض الآثار لا تُقاس بطول الحضور، بل بما يحدث بعده.

هل يصبح العقل أخف؟

هل نتوقف عن الدفاع عن أنفسنا؟

هل نشعر أننا نستطيع أن نكون على طبيعتنا، بلا إعداد مسبق ولا مراجعة لاحقة؟

إذا حدث ذلك، فقد وصلتنا رسالة لم تُكتب.

ربما كنت المقصود

وربما، وأنت تقرأ الآن، خطر في بالك شخص بعينه.

وربما ظننت أن هذه الكلمات كُتبت عنه.

وقد يكون هو الآخر يقرأ شيئًا في مكان آخر، ويتوقف عند العبارة نفسها، ويسأل السؤال ذاته.

لا تبحث عن الإجابة الليلة.

دع الحيرة تجلس بهدوء إلى جوارك، من دون أن تطالبها باعتراف.

فليست كل الأشياء الجميلة بحاجة إلى اسم، وليست كل الإشارات بحاجة إلى رد، وليست كل المسافات دليلًا على الغياب.

ومع ذلك، إن طال الصمت، فلا تجعل غياب الرد يوقف حياتك؛ فالحياة أوسع وأجمل، والسعادة لا تنتظر أحدًا، ولا يأس مع الأمل.

أغلق ضجيج اليوم قليلًا، واترك في ذهنك نافذة واحدة مضاءة.

إن كان هناك من يعرف طريقها، فسيصل إليها من دون خريطة.

بعض الناس لا يقتربون منا، لكنهم يجعلون المسافة أكثر طمأنينة.

وليس أجمل الناس من يملأ فكرك؛ بل من يعيدك إلى نفسك هادئًا، كلما بعثرتك الحياة.