جامعة الرياض للفنون تستقبل دفعتها الأولى

تبدأ الدراسة في سبتمبر بأربع كليات وثمانية برامج، لتأسيس مسارات أكاديمية متخصصة تخدم الصناعات الثقافية والإبداعية في المملكة
الرياض | بث
لم تكن المواهب الفنية غائبة عن المملكة، لكن الطريق الذي يصل الموهبة بالتعليم ثم بالمهنة ظل طويلًا ومتفرقًا.
كان الشاب الذي يريد دراسة السينما أو الموسيقى أو المسرح يجد نفسه غالبًا أمام خيارات محدودة: الدراسة خارج المملكة، أو الالتحاق بدورات قصيرة، أو الاعتماد على التجربة الشخصية حتى يثبت حضوره في سوق لا يحمل دائمًا تعريفًا واضحًا للمهنة الفنية.
جامعة الرياض للفنون تأتي لتغيير هذه المعادلة.
فالجامعة التي تبدأ الدراسة في السادس من سبتمبر 2026، بوصفها أول جامعة سعودية متخصصة في الثقافة والفنون، لا تضيف مؤسسة تعليمية إلى الجامعات القائمة فحسب؛ بل تمنح الفنون موقعًا أكاديميًا ومهنيًا مستقلًا داخل الدولة والاقتصاد والمجتمع.
المعنى الأهم أن الموهبة لم تعد مطالبة بأن تبرر وجودها؛ بل أصبحت تخصصًا يُدرَّس، ومهنة تُبنى، وقطاعًا يحتاج إلى الكفاءات.
البداية من حاجة السوق
تبدأ الجامعة بأربع كليات وثمانية برامج أكاديمية، هي:
- كلية الأفلام: بكالوريوس الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، والدبلوم المتوسط في التخصص نفسه، وماجستير كتابة السيناريو.
- كلية الموسيقى: بكالوريوس الموسيقى، وبكالوريوس صناعة الموسيقى، وبكالوريوس التعليم والتربية الموسيقية.
- كلية المسرح والفنون الأدائية: بكالوريوس التمثيل المسرحي والسينمائي.
- كلية الإدارة الثقافية: ماجستير إدارة الفنون.
ويكشف اختيار هذه البرامج أن الجامعة لا تبدأ بالفن من جانبه الإبداعي وحده، بل من حلقته الاقتصادية أيضًا.
فالسينما لا تحتاج إلى ممثل ومخرج فقط، بل إلى كاتب سيناريو ومنتج ومدير تصوير ومهندس صوت وتقنيين. والموسيقى لا تقوم على العازف وحده، بل تحتاج إلى صناعة وإدارة وتعليم وتسجيل وتوزيع. أما المؤسسات الثقافية فتحتاج إلى من يفهم الفن ويعرف في الوقت نفسه كيف يدير الميزانية والجمهور والفعاليات والاستثمار.
ولهذا يبدو برنامج إدارة الفنون مهمًا بقدر أهمية برامج الإنتاج والإبداع؛ لأن القطاع لا يحتاج إلى صناعة العمل الفني فقط، بل إلى إدارة ما يحدث حوله.
لماذا الجامعة الآن؟
شهدت المملكة خلال الأعوام الماضية توسعًا كبيرًا في صناعة الأفلام، والمهرجانات، والمسارح، والحفلات، والمتاحف، والمعارض، ودور النشر، والفعاليات الثقافية.
لكن نمو المنشآت والفعاليات يمكن أن يسبق نمو الكفاءات القادرة على تشغيلها.
وقد تستطيع الدولة بناء مسرح أو استوديو أو متحف خلال فترة محدودة، غير أن بناء مخرج أو مؤلف موسيقي أو قيّم فني أو مدير مؤسسة ثقافية يحتاج إلى سنوات من التعليم والممارسة.
ومن هنا تسد الجامعة فجوة ظهرت نتيجة سرعة التحول:
المملكة بنت سوقًا ثقافية واسعة، والجامعة تأتي الآن لبناء الإنسان القادر على قيادتها.
وإذا نجحت في ذلك، فسيتراجع الاعتماد على الخبرات الخارجية تدريجيًا، لا بإقصائها، وإنما بتحويل علاقتها بالسوق السعودية من التشغيل المباشر إلى التدريب والشراكة ونقل المعرفة.
ثلاث عشرة كلية
لن تتوقف الجامعة عند الكليات الأربع الأولى، إذ تخطط للتوسع تدريجيًا حتى تضم 13 كلية بحلول عام 2030، تغطي قطاعات ثقافية وفنية متعددة، مع برامج تبدأ بالدورات القصيرة، ثم الدبلومات والبكالوريوس، وصولًا إلى الدراسات العليا والدكتوراه.
ويمنح هذا التدرج المشروع فرصة للنمو دون أن يتحول العدد إلى غاية مستقلة.
فالاختبار الحقيقي ليس في افتتاح أكبر عدد من الكليات، بل في قدرة كل كلية على تكوين بيئة مهنية حولها: أساتذة ممارسون، معامل واستوديوهات، إنتاج طلابي، تدريب داخل السوق، وشراكات مع المؤسسات الثقافية.
كما دخلت الجامعة في شراكات مع مؤسسات أكاديمية دولية، من بينها كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، إلى جانب مؤسسات متخصصة في الإدارة والموسيقى والمسرح؛ بهدف تصميم البرامج وتبادل الخبرات وبناء المعايير الأكاديمية.
لكن القيمة الأهم لهذه الشراكات لن تكون في استعارة المناهج الجاهزة، بل في القدرة على تحويل الخبرة الدولية إلى معرفة تناسب الثقافة السعودية.
فالجامعة لا تحتاج إلى نسخة من مدرسة فنية غربية داخل الرياض؛ بل إلى تعليم عالمي يصنع صوتًا سعوديًا لا يشبه سواه.
رئاسة تجمع الإدارة بالأدب
في أغسطس 2026، كُلّف الدكتور والروائي محمد حسن علوان برئاسة الجامعة، بعد أن تولى قيادة هيئة الأدب والنشر والترجمة، ثم هيئة المسرح والفنون الأدائية.
يحمل الاختيار دلالة تتجاوز السيرة الإدارية؛ فرئيس الجامعة يأتي من داخل الممارسة الثقافية، ويعرف في الوقت نفسه لغة الإدارة والمؤسسات.
وهذه الثنائية تحتاجها جامعة للفنون أكثر من غيرها.
فإذا غلبت الإدارة على الإبداع، تحولت الجامعة إلى جهاز أكاديمي ثقيل يقيس الفن بالنماذج واللوائح. وإذا غلبت الرؤية الفنية على الانضباط المؤسسي، فقد تصبح التجربة ثرية إبداعيًا ولكن ضعيفة في الاستدامة والجودة والحوكمة.
التحدي أمام الرئيس ليس إدارة جامعة تقليدية؛ بل حماية الخيال من البيروقراطية، وحماية الجامعة من فوضى تُرتكب باسم الخيال.
جامعة أم استوديو كبير؟
التعليم الفني يختلف عن كثير من التخصصات؛ لأن الطالب لا يتعلمه من الكتاب والمحاضرة وحدهما.
طالب السينما يحتاج إلى أن يصنع فيلمًا، وطالب الموسيقى إلى أن يقف أمام الجمهور، وطالب التمثيل إلى أن يعمل في المسرح والاستوديو، وطالب الإدارة الثقافية إلى أن يشارك في إدارة مهرجان أو متحف أو مؤسسة إنتاج.
لذلك ينبغي أن تتحول الجامعة إلى مساحة إنتاج حقيقية، لا مكان لدراسة الإنتاج نظريًا.
ويمكن أن تصبح الأفلام والعروض والحفلات والمشروعات التي ينتجها الطلاب جزءًا من المشهد الثقافي السعودي نفسه، بحيث يدخل الطالب إلى السوق قبل تخرجه، وتتولى السوق اختبار جودة التعليم باستمرار.
وهنا تتغير وظيفة الحرم الجامعي:
المعامل والاستوديوهات والمسارح ليست مرافق مساندة للتعليم؛ إنها قاعات الدراسة الأساسية.
من يدرس الفن؟
القبول في الجامعات الفنية لا يمكن أن يعتمد على الدرجات المدرسية وحدها.
فقد يكون المتقدم موهوبًا في الأداء أو التأليف أو التصوير، من دون أن تكون علاماته التقليدية كافية للكشف عن هذه الموهبة. ولذلك تصبح تجارب الأداء، والمقابلات، والمحافظ الفنية، والأعمال السابقة عناصر أساسية في الاختيار.
وتقدم الجامعة منحًا قائمة على الموهبة، تنظر في تجارب الأداء والأعمال والإنجازات والمشاركات التنافسية، بما يمنح الموهوب فرصة لا تعتمد على قدرته المالية وحدها.
وهذا أمر حاسم؛ لأن الجامعة إذا أصبحت متاحة للقادر ماديًا دون الموهوب، فستنتج امتيازًا اجتماعيًا بدل أن تكتشف الإبداع.
لكن عليها في المقابل ألا تحصر الاستقطاب داخل الرياض. فالموهبة قد تكون في قرية جنوبية، أو مدينة ساحلية، أو محافظة بعيدة لم تتوفر فيها مسارح أو معاهد أو فرص لصناعة ملف فني سابق.
العدالة في التعليم الفني لا تعني تطبيق معيار واحد على الجميع، بل اكتشاف الموهبة حتى حين لم تجد بعدُ مكانًا تظهر فيه.
السؤال : أين يعمل الخريجون؟
لا يكفي أن تتخرج دفعات في الموسيقى والسينما والمسرح إذا لم ينمُ الطلب المهني بالسرعة نفسها.
فالجامعة ستكون جزءًا من منظومة أكبر تضم وزارات وهيئات ثقافية، وشركات إنتاج، ومنصات عرض، ومسارح، ومدارس، ومتاحف، وقطاعًا خاصًا يفترض أن يستثمر في الثقافة.
ويعتمد نجاحها على قدرتها على ربط البرامج بمهن واضحة:
- هل ستستوعب المدارس خريجي التربية الموسيقية؟
- هل تمتلك شركات الإنتاج عددًا كافيًا من المشروعات لتوظيف خريجي السينما؟
- هل تنمو الفرق والمسارح خارج المواسم والفعاليات الكبرى؟
- هل تستطيع المؤسسات الثقافية استقطاب خريجي إدارة الفنون؟
- وهل يمكن للخريج تأسيس عمله الخاص بدل انتظار الوظيفة؟
إذا بقي النشاط الثقافي مرتبطًا بالمناسبات والمشروعات الحكومية، فقد تنجح الجامعة أكاديميًا ويضيق السوق أمام خريجيها.
أما إذا توسعت الصناعات الإبداعية المستقلة، فإن الجامعة ستصبح مصنعًا للكفاءات وللشركات الجديدة معًا.
المقياس الحقيقي ليس عدد من يدخلون الجامعة، بل عدد من يستطيعون تحويل ما تعلموه إلى مهنة وإنتاج ودخل.
تقدير BETH
جامعة الرياض للفنون ليست استجابة لحاجة تعليمية منفصلة، بل الحلقة التي كانت تنقص الاقتصاد الثقافي السعودي.
فقد تأسست الهيئات، ونمت الفعاليات، وظهرت منصات الإنتاج، واتسعت حركة السينما والموسيقى والمسرح؛ لكن استدامة هذا التوسع تحتاج إلى مصدر وطني دائم للمعرفة والكفاءات والبحث والتجريب.
وستكون قيمة الجامعة مضاعفة إذا لم تكتفِ بتغذية المؤسسات القائمة، بل ساعدت الطلاب على إنشاء مؤسساتهم: شركة أفلام، أو فرقة موسيقية، أو مسرح مستقل، أو استوديو، أو منصة فنية، أو شركة لإدارة المشروعات الثقافية.
عندها لن تصبح الجامعة مكانًا لإعداد الباحثين عن وظائف فقط، بل حاضنة لصُنّاع سوق جديدة.
المملكة لا تؤسس جامعة لتعليم الفنون فحسب؛ بل تبني البنية البشرية لقطاع تريد له أن ينتقل من النشاط الثقافي إلى الصناعة الثقافية.
منظور آخر
يمكن بناء دار أوبرا، وافتتاح مهرجان، واستقدام عرض عالمي خلال أشهر؛ لكن تكوين الفنان الذي يكتب العمل السعودي ويؤديه وينتجه ويديره يحتاج إلى سنوات.
ومن هنا قد يكون الأثر الأعمق للجامعة أقل ظهورًا من المباني والفعاليات، لكنه أبقى منها.
فكل مشهد سينمائي، أو لحن، أو عرض مسرحي، أو مؤسسة فنية تنشأ على يد خريجيها، سيكون جزءًا من عملية أوسع تستعيد بها المملكة حقها في رواية نفسها بأصوات أبنائها.
جامعة الرياض للفنون لا تعلّم الموهبة كيف تظهر فقط؛ بل تمنح الثقافة السعودية من يصنع ذاكرتها المقبلة.