اليوم 162: السيطرة لا تفتح هرمز

news image

واشنطن تعلن امتلاك هرمز، وطهران تتمسك بمفتاح الملاحة.. والحرب تمتد إلى باب المندب وتُصيب أحد وسطاء السلام

 

متابعة وتحليل | بث

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة باتت تتمتع بـ«سيطرة كاملة» على مضيق هرمز، مؤكدًا أن إيران لم تعد تسيطر عليه.

لكن حركة السفن قدّمت صورة مختلفة؛ إذ تراجع عدد السفن التي عبرت المضيق الثلاثاء إلى ما بين 8 و11 سفينة فقط، مقارنة بنحو 130 إلى 140 سفينة يوميًا قبل الحرب. ولم تغادر المضيق في ذلك اليوم سوى سفينة واحدة، بينما دخلت بقية السفن عبر المياه الإيرانية.

وهنا يظهر التناقض الأكبر في اليوم 162: إذا كانت الولايات المتحدة تسيطر على المضيق، فلماذا لا تستطيع فتحه؟

سيطرة عسكرية لا تجارية

تمتلك الولايات المتحدة القدرة على مراقبة المضيق، وضرب القطع الإيرانية، واعتراض السفن ومنعها من الوصول إلى الموانئ الإيرانية؛ لكنها لا تستطيع أن تأمر شركات الشحن والتأمين بالعودة إلى ممر ما زال معرضًا للألغام والصواريخ والطائرات المسيّرة والقوارب الهجومية.

السيطرة العسكرية تعني القدرة على ضرب الخصم، أما فتح المضيق فيعني ضمان سلامة مئات السفن يوميًا، وإزالة الألغام، وتأمين الممر باستمرار، وإقناع شركات التأمين بأن الخطر انتهى.

ولهذا يبدو أن واشنطن تسيطر على ميدان القتال حول هرمز، فيما لا تزال طهران قادرة على التحكم في مستوى الخوف داخله.

والدليل أن القوات الأميركية أطلقت صواريخ من مروحية على السفينة «فيلا نوفا» في خليج عُمان، وعطلتها بعد اتهامها بمحاولة خرق الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية. وكانت هذه ثالث سفينة توقفها الولايات المتحدة بالقوة منذ إعادة فرض الحصار في يوليو.

أي أن القوة الأميركية تُستخدم حاليًا في اتجاهين متناقضين ظاهريًا:

  • منع السفن من الوصول إلى إيران.
  • المطالبة بحرية مرور السفن الأخرى عبر هرمز.

وهذا يمنح طهران حجتها السياسية: لن تُفتح الملاحة الدولية ما دام الحصار الأميركي يغلق الموانئ الإيرانية.

هل ينفذ ترامب تهديده؟

عرض ترامب ثلاث وسائل للتعامل مع إيران: استمرار الضغط، توجيه ضربات شديدة، أو خنقها اقتصاديًا.

عمليًا، بدأ بالفعل تنفيذ الخيار الثالث؛ فالحصار البحري والعقوبات وتجميد الأصول الإيرانية ومنع السفن من دخول الموانئ تمثل محاولة لإضعاف الاقتصاد من دون العودة الفورية إلى حرب جوية واسعة.

أما التهديد بـ«ضرب إيران بقوة»، فيبقى وسيلة ضغط تفاوضية، لكنه قد يتحول إلى فعل إذا استهدفت إيران أو حلفاؤها سفينة أميركية، أو منشأة طاقة خليجية، أو قاعدة عسكرية.

ورد طهران جاء سريعًا وواضحًا: المضيق سيظل مغلقًا إلى أن تنهي الولايات المتحدة الحرب، وترفع الحصار، وتفرج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وتقبل شروطًا أخرى نُقلت عبر الوسطاء.

وبذلك، فإن الطرفين يملكان الآن حصارين متقابلين:

واشنطن تحاصر موانئ إيران، وطهران تحاصر تجارة العالم.

أين ذهب النووي؟

كشف تقييم استخباراتي عسكري أميركي أن الأولوية الإيرانية انتقلت من البرنامج النووي إلى السيطرة على هرمز؛ لأن طهران أصبحت ترى في المضيق ورقة أسرع تأثيرًا وأقوى ضغطًا.

لكن هذا التقييم لا يعني أن البرنامج النووي لم يكن موجودًا. الثابت أن إيران امتلكت منشآت تخصيب وكميات من اليورانيوم المخصب، وأن جزءًا من المخزون ومواقع أجهزة الطرد المركزي لم يعد خاضعًا للتحقق الكامل بعد توقف عمليات التفتيش.

غير أن السؤال المختلف هو: هل كانت إيران تمتلك قنبلة نووية، أو اتخذت قرارًا نهائيًا بصنعها؟

لا يوجد حتى الآن دليل معلن وحاسم يثبت أنها صنعت قنبلة، أو أنها كانت تدير برنامجًا متكاملًا لإنتاج سلاح جاهز. وهذا يفتح بابًا مشروعًا لتذكّر تجربة العراق، ولكن ليس للتطابق معها.

في العراق، تحولت تقديرات استخباراتية غير مؤكدة إلى يقين سياسي استُخدم لتبرير الحرب، ثم لم تُعثر الأسلحة المزعومة. أما في إيران، فالبرنامج النووي والمنشآت والمواد المخصبة حقائق موثقة، بينما الجزء غير المثبت هو تحول هذه القدرات إلى سلاح فعلي.

لذلك قد يعني التقييم الجديد أحد أمرين:

الأول أن الضربات أضعفت قدرة إيران النووية فعلًا، فانتقلت إلى السلاح الجغرافي المتبقي لديها: هرمز.

والثاني أن واشنطن تعيد صياغة مبررات الحرب؛ فبعد تراجع الملف النووي، أصبح «تحرير المضيق» هو العنوان الجديد لاستمرار الضغط العسكري.

النووي كان خطرًا محتملًا، أما هرمز فأصبح ضررًا يوميًا يراه العالم في أسعار النفط وحركة السفن.

الوسيط يُصاب

في باب المندب، تعرضت سفينة الشحن «تهامة» لهجوم حوثي بثلاثة صواريخ باليستية، ما أدى إلى مقتل أربعة من طاقمها، بينهم ثلاثة باكستانيين وإندونيسي، إضافة إلى اثنين من القوات اليمنية المشاركين في الإنقاذ، وإصابة عشرة آخرين.

وتزداد خطورة الحادثة مع إفادة السلطات اليمنية بأن صاروخًا آخر أُطلق أثناء محاولة إجلاء القتلى والجرحى.

قال الحوثيون إنهم استهدفوا سفينة تحمل إمدادات عسكرية سعودية، لكنهم لم يقدموا ما يثبت ذلك، بينما تشير بيانات التتبع إلى أنها سفينة تجارية مصرية الملكية.

لا توجد قرينة على أن الباكستانيين استُهدفوا بسبب جنسيتهم؛ لكن النتيجة السياسية مؤلمة: الدولة التي تحاول تقريب واشنطن وطهران فقدت ثلاثة من مواطنيها بنيران حليف لإيران.

أما التوقيت، فيحمل ثلاث رسائل محتملة:

  • نقل الضغط من هرمز إلى باب المندب، لإثبات أن إنهاء أزمة مضيق واحد لا ينهي الحرب البحرية.
  • تهديد مسارات النفط والتجارة البديلة التي اتجهت نحو البحر الأحمر.
  • رفع كلفة المفاوضات، وإظهار أن طهران ليست وحدها القادرة على تعطيل الملاحة.

وقد يكون الحوثيون تصرفوا وفق حساباتهم الخاصة، لكن الهجوم يضع إيران في موقف حرج أمام باكستان؛ فهي تحتاجها وسيطًا، بينما يقتل حليفها مواطنين باكستانيين في البحر الأحمر.

أحداث أخرى

ارتفعت أسعار النفط مجددًا، ووصل خام برنت إلى قرابة 90 دولارًا للبرميل، مع تراجع الآمال في اتفاق سريع واستمرار انخفاض حركة السفن.

وفي مقابل التصعيد، قالت باكستان إن الولايات المتحدة وإيران تقتربان من «ترتيب سلام أو اتفاق». لكن استمرار الحصارين والهجمات البحرية يوحي بأن الوساطة اقتربت من صيغة سياسية، لا من اتفاق قابل للتنفيذ.

كما ارتفعت حركة العبور في باب المندب إلى نحو 30 سفينة، مقابل متوسط قريب من 25 سفينة خلال الأيام السابقة، في مؤشر على محاولة بعض السفن استخدام البحر الأحمر بديلًا من هرمز. وهنا تأتي الضربة الحوثية لتقول إن الطريق البديل ليس آمنًا هو الآخر.

تحليل BETH

ترامب لا يعلن السيطرة على هرمز لوصف الواقع فقط، بل لتجريد إيران من أهم ورقة تفاوضية لديها. وطهران لا تحتاج إلى السيطرة الكاملة على المضيق؛ يكفيها أن تبقي احتمالات الخطر مرتفعة حتى تمتنع السفن وشركات التأمين عن العودة.

أما انتقال الحديث الاستخباراتي من النووي إلى هرمز، فيكشف انتقال الحرب من سؤال: ماذا يمكن أن تصنع إيران مستقبلًا؟ إلى سؤال أكثر إلحاحًا: ماذا تستطيع تعطيله اليوم؟

وضربة باب المندب تعني أن المواجهة لم تعد تدور حول مضيق واحد، بل حول شبكة الممرات كلها. وكلما حاول العالم الالتفاف على هرمز، ظهر خطر جديد عند بوابة أخرى.

في اليوم 162، لا تبدو المشكلة فيمن يملك البحر، بل فيمن يستطيع أن يمنح السفن الثقة لعبوره. وحتى الآن، لم تستطع واشنطن فتح الممر، كما لم يمنح ادعاء إيران التحكم في هرمز انتصارًا لها.

ووفقًا لمنطق ترامب نفسه، فإن إعلان الولايات المتحدة سيطرتها الكاملة على المضيق يعني أنها تملك قرار فتحه أو إغلاقه؛ وبذلك تصبح مسؤولة عن استمرار إغلاقه، لا إيران وحدها.

وهكذا تبدو مسرحية السيطرة أقرب إلى هزلة سياسية: طرف يعلن امتلاك المفتاح، وآخر يتباهى بإغلاق الباب، فيما يدفع العالم ثمن بقائه مغلقًا.