الحسم المؤجل
إعداد وتحليل | بث | B
المقدمة
مع استمرار التصعيد الأميركي–الإسرائيلي ضد إيران، يتوسع الجدل في الأوساط السياسية والإعلامية حول سؤال لم يعد مقتصرًا على المحللين فقط، بل أصبح حاضرًا بقوة في حديث الناس:
إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك هذا التفوق العسكري والتقني الهائل — كما تُظهره الرواية الأميركية والإسرائيلية والإعلام الغربي — فلماذا لا يحدث الحسم؟
ولماذا تُترك إيران، رغم أزماتها الاقتصادية والعسكرية، ورغم الحديث الأميركي المتكرر عن “إضعافها” و”هزيمتها”، قادرة على تهديد الملاحة والطاقة ومضيق هرمز؟
ولماذا لا يتم إنهاء الحرس الثوري، أو ما تبقى من مراكز القوة داخل النظام الإيراني، بصورة حاسمة؟
العرض والتحليل
تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقًا واضحًا في:
الأقمار الصناعية،
والاستخبارات،
والحرب السيبرانية،
والتفوق الجوي،
وأنظمة الدفاع،
والاستهداف الدقيق،
وإدارة المعارك،
والسيطرة المعلوماتية.
لكن رغم ذلك…
لا يظهر “الحسم الكامل”.
وفي المقابل،
لا تبدو إيران — وفق كثير من التصريحات الأميركية والقراءات الإقليمية — قوة قادرة على مجاراة هذا المستوى تقنيًا أو عسكريًا.
وهنا بدأ يتشكل رأي واسع في المنطقة يرى أن المشهد لا يتعلق فقط بالقدرة العسكرية،
بل بحسابات أكبر من الحرب نفسها.
بعض هذه القراءات تربط تأخر الحسم برؤية أوسع تتعلق بما يُطرح منذ سنوات حول “الشرق الأوسط الجديد”، وفق التصورات الأميركية–الإسرائيلية، وما يرتبط بها من إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية.
في المقابل،
يرى آخرون أن الحسم تأخر لأن الواقع الميداني والسياسي لم يسر كما خُطط له بالكامل،
وأن ردود الفعل الإقليمية والدولية، إضافة إلى حساسية الخليج والطاقة والممرات البحرية، جعلت المشهد أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا.
وتتجه بعض التحليلات إلى أن واشنطن لا تريد إسقاطًا كاملًا للنظام الإيراني في هذه المرحلة،
لأن ذلك قد يفتح أبوابًا يصعب التحكم بنتائجها:
فوضى إقليمية،
صراع أوسع في الخليج،
اضطراب أسواق الطاقة،
واتساع مساحة المواجهة الدولية.
كما يرى آخرون أن استمرار “التهديد الإيراني” — ضمن حدود محسوبة — يمنح الولايات المتحدة مبررات استراتيجية تتعلق:
بالوجود العسكري،
وإدارة التحالفات،
وضبط إيقاع المنطقة،
ومنع قوى دولية أخرى من ملء الفراغ.
السؤال الأخطر هنا ليس:
هل تستطيع أمريكا الحسم؟
بل:
هل تريد فعلًا هذا الحسم الآن؟
لأن صورة “القوة المطلقة” لم تعد كما كانت في العقود الماضية.
فالعالم شاهد:
أفغانستان،
والعراق،
ومراحل طويلة من الحروب المكلفة،
التي انتهت دون تحقيق صورة الانتصار الحاسم التي رُوّج لها قبل تلك الحروب.
وهنا يظهر سؤال حساس يتردد في بعض الأوساط السياسية والإعلامية:
هل تخشى واشنطن تكرار “فشل جديد”؟
فالضربة العسكرية قد تكون ممكنة،
كما حدث في أفغانستان والعراق…
لكن:
هل يمكن التحكم بما بعد الضربة؟
وهل إسقاط الخصم يعني تلقائيًا بناء استقرار جديد؟
أم أن “ما بعد الحسم” قد يكون أخطر من الحسم نفسه؟
هذه الأسئلة أصبحت جزءًا من عقل القرار الأميركي بعد سنوات من الحروب الطويلة والاستنزاف السياسي والاقتصادي.
وفي المقابل،
يبدو أن إيران تدرك هذه الحساسية جيدًا،
وتحاول اللعب على عوامل:
الوقت،
والاستنزاف،
وإدارة التوتر،
وإطالة أمد الأزمة دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
كما تحاول إعادة التموضع سياسيًا وأمنيًا،
بما يسمح ببقاء مراكز القوة داخل النظام بصورة مختلفة إذا تغيرت الظروف.
لكن في الشارع الخليجي تحديدًا،
يتنامى تساؤل مختلف:
كيف يُترك مضيق هرمز — أحد أهم شرايين الطاقة في العالم — تحت هذا المستوى من التهديد المستمر؟
وهل ما يحدث هو عجز عن الحسم…
أم إدارة متعمدة للأزمة؟
خلاصة المشهد
المنطقة لا تعيش فقط صراع قوة…
بل صراع إرادات وحسابات معقدة.
أمريكا تملك التفوق،
وإيران تملك - بما تبقى لديها من أسلحة - القدرة على الإزعاج وإطالة التوتر.
لكن أخطر ما يتشكل الآن…
هو اتساع الفجوة بين الرواية الرسمية،
وما بدأ كثير من الناس في المنطقة يقتنعون به فعليًا.
ومع مرور الوقت،
قد لا يصبح السؤال:
من الأقوى عسكريًا؟
بل:
من ينجح في إقناع العالم بأنه لا يخشى الحسم…
وأن الحسم قادم — بشكل أو بآخر.
___
موضوعات ذات صلة :
كيف تتحول الشركات التقنية إلى “دول غير معلنة”؟
BETH (بث B) – All rights reserved