حر الخليج .. وصيف أوروبا

news image

كتب | عبدالله العميره

ليس أغرب ما في العالم أن تصل الحرارة في الخليج إلى خمسين درجة.

ولا أن تتحول أوروبا، كلما ارتفعت الحرارة إلى ما يقارب الأربعين، إلى عناوين عاجلة وتحذيرات صحية.

الأغرب...

أن يبحث كل إنسان عن الشيء الذي يهرب منه الآخر.

فبينما تنقل وسائل الإعلام الأوروبية صور الناس وهم يقفزون إلى البحيرات، ويبحثون عن أي بقعة ظل هربًا من الحر...

يجلس في الخليج رجل تحت شجرة في قلب الصحراء، يحتسي كوبًا من الشاي الساخن بتلذذ.

ليس لأنه لا يشعر بالحر.

بل لأنه يشعر بالراحة.

وهنا تبدأ الحكاية.

الحر... ليس درجة حرارة

يظن كثيرون أن الحر يُقاس بميزان الطقس.

لكن الإنسان لا يعيش داخل الأرقام.

بل داخل الذاكرة.

فالذي وُلد في الخليج...

لا يتذكر الصيف بدرجاته.

بل يتذكر رائحة الرمل بعد الغروب.

وصوت العصر.

وجلسات السمر.

وكوب الشاي الذي لا يبرد حتى في أشد الأيام حرارة.

كما يتذكر الأوروبي نسيم الغابة.

وصوت المطر.

وبرودة الصباح.

فالإنسان لا يشتاق إلى المناخ...

بل إلى الذكريات التي صنعها المناخ.

خمسون... وأربعون

في الخليج...

قد تلامس الحرارة خمسين درجة.

وتستمر الحياة.

وفي أوروبا...

قد تقترب الحرارة من أربعين، فتتحول إلى تحذيرات، وإرشادات، وخطط طوارئ، ونشرات أخبار متواصلة.

ليس لأن شمس الخليج أشد غضبًا.

ولا لأن الأوروبي أضعف احتمالًا.

بل لأن الإنسان يخاف دائمًا مما لم يتعوّد عليه.

لكل إنسان صيفه الجميل

يسافر الخليجي إلى أوروبا...

فينبهر بالخضرة.

لكن بعد أيام...

يشتاق إلى الشمس.

إلى الضوء.

إلى السماء الصافية.

إلى جلسة لا يقطعها مطر مفاجئ.

وفي المقابل...

يحلم الأوروبي بقضاء أسبوع تحت شمس الخليج في الشتاء.

ثم يكتشف، إن جاء في ذروة الصيف، أن الصور السياحية لم تحكِ له كل شيء.

ليست المشكلة في الطقس

بل في الإنسان.

فنحن لا نصف الأماكن كما هي.

بل كما اعتدناها.

ولهذا...

قد تكون شجرة وحيدة في صحراء الخليج...

أغلى عند صاحبها...

من ألف غابة في مكان آخر.

مفارقة العالم

الغريب...

أن البشر يسافرون آلاف الكيلومترات...

ليبحثوا عما يملكه غيرهم.

ثم يعودون...

ليكتشفوا أن أجمل ما في حياتهم...

كان ينتظرهم في المكان الذي خرجوا منه.

خلاصة

ربما لا يوجد طقس جميل...

ولا طقس قاسٍ.

هناك فقط...

قلوب تعلّمت أن ترى الجمال بطريقة مختلفة.

ولهذا...

قد يحتسي الخليجي كوبًا من الشاي تحت شمس تقترب من خمسين درجة، بهدوء ورضا.

بينما تتحول أربعون درجة في مكان آخر إلى نشرات تحذير وعناوين عاجلة.

ليس لأن الشمس تختلف...

بل لأن الإنسان يتأقلم مع ما يعيش فيه أكثر مما يتأقلم مع ما يراه في الصور.

فالحرارة ليست دائمًا في الطقس...

بل في الذاكرة.