السلام والتطبيع

news image

لماذا يختلط مفهومان مختلفان؟

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
 

في النقاشات العربية، كثيرًا ما تُستخدم كلمتا السلام والتطبيع وكأنهما تحملان المعنى نفسه.

لكن في الأدبيات السياسية والعلاقات الدولية، هما مفهومان مختلفان، ولكل منهما أهدافه وأدواته ونتائجه.

وربما كان الخلط بينهما أحد أسباب استمرار سوء الفهم، ليس فقط بين الحكومات والشعوب، بل حتى داخل النقاشات الإعلامية والأكاديمية.

السلام ليس حبًا

في القانون الدولي والعلاقات بين الدول، لا يعني السلام انتهاء الخلافات أو تبدل القناعات.

بل يعني، في جوهره، الانتقال من إدارة الصراع بالقوة إلى إدارته بالسياسة والقانون والتفاوض.

فقد تعقد دولتان اتفاق سلام، بينما تستمر بينهما خلافات عميقة تتعلق بالتاريخ أو الحدود أو الهوية أو المصالح.

السلام، إذن، لا يشترط التوافق الكامل، وإنما يهدف إلى منع الحرب بوصفها وسيلة لحل النزاعات.

غير أن السلام لا يعني نهاية الصراع.

فقد يتوقف القتال، بينما يستمر التنافس السياسي والاقتصادي والتقني والإعلامي لعقود.

فالعلاقات الدولية لا تعرف نهاية المصالح المتعارضة، وإنما تعرف انتقال الصراع من ميدان إلى آخر، ومن السلاح إلى السياسة أو الاقتصاد أو النفوذ.

ولهذا فإن السلام لا يلغي الخلاف، بل يغيّر طريقة إدارته.

أما التطبيع

فهو مفهوم مختلف.

لا يتعلق بوقف الحرب بقدر ما يتعلق بتحويل العلاقة إلى علاقة اعتيادية بين الدول.

ويشمل عادةً العلاقات الدبلوماسية، والتبادل التجاري، والاستثمار، والسياحة، والتعاون العلمي والثقافي، وربما الأمني أيضًا.

ولهذا يمكن النظر إلى التطبيع باعتباره مرحلة مختلفة عن السلام، لا مرادفًا له.

هل السلام يعني الاستسلام؟

ليس بالضرورة.

فعبر التاريخ، وقّعت دول كثيرة اتفاقيات سلام بعد حروب طويلة، دون أن يعني ذلك انتهاء الخلافات أو تقارب المواقف.

كما أن دولًا عديدة ما زالت تختلف سياسيًا أو أيديولوجيًا، لكنها لا تلجأ إلى الحرب وسيلة لإدارة تلك الخلافات.

ولذلك فإن مفهوم السلام في العلاقات الدولية يرتبط أولًا بإدارة النزاع، وليس بتغيير القناعات.

وهل التطبيع يعني التأييد؟

ليس بالضرورة أيضًا.

فالعلاقات الطبيعية بين الدول لا تعني تطابق المواقف السياسية أو الأخلاقية.

فكثير من الدول تحتفظ بعلاقات دبلوماسية وتجارية مع دول تختلف معها في ملفات السياسة الخارجية، أو القانون الدولي، أو حقوق الإنسان، أو النزاعات الإقليمية.

إقامة علاقة لا تعني بالضرورة تبني مواقف الطرف الآخر.

اختبار المفهوم داخل العالم العربي

قبل سؤال العلاقة مع إسرائيل، ربما يستحق العالم العربي أن يطرح سؤالًا على نفسه:

ما طبيعة العلاقات بين الدول العربية نفسها؟

هل هي سلام؟

أم تطبيع؟

أم أنها تمثل نموذجًا ثالثًا لا ينطبق عليه أي من المفهومين؟

فالواقع يشير إلى أن معظم العلاقات العربية لا تقوم على حالة حرب مفتوحة، لكنها في الوقت نفسه لا ترتقي دائمًا إلى مستوى الشراكات الاستراتيجية العميقة.

وفي كثير من الأحيان، تتأرجح العلاقات بين التقارب والفتور، وبين التنسيق المرحلي والاختلاف السياسي، تبعًا للظروف والمتغيرات الإقليمية، أكثر من اعتمادها على مؤسسات دائمة أو مصالح مشتركة طويلة الأجل.

وبعبارة أخرى، لا تبدو المشكلة دائمًا في غياب السلام، بل في محدودية بناء الثقة، وضعف التكامل المؤسسي، وعدم تحويل المصالح المشتركة إلى منظومات تعاون مستقرة.

ولهذا يمكن وصف بعض العلاقات العربية بأنها علاقات مستقرة بلا اندماج، أو علاقات وظيفية أكثر منها شراكات استراتيجية.

وهنا تبرز ملاحظة تتجاوز القضية الفلسطينية نفسها.

فإذا كانت العلاقات بين دول يجمعها التاريخ واللغة والثقافة والجغرافيا والمصالح الاقتصادية لا تزال تعاني، في بعض الأحيان، من التذبذب، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بمفهوم السلام أو التطبيع وحدهما.

بل يصبح السؤال أعمق:

هل المشكلة في المصطلحات، أم في قدرة المنطقة على بناء علاقات استراتيجية مستدامة، أيًّا كان الطرف الآخر؟

فقد يكون التحدي الحقيقي ليس توقيع الاتفاقات، وإنما بناء قواعد دائمة للتعاون تجعل العلاقات أقل تأثرًا بتغير الحكومات والأزمات والخلافات العابرة.

لماذا يختلف فهم المفهومين بين المجتمعات؟

لا يرتبط الخلط بين السلام والتطبيع بالعالم العربي وحده، بل يتأثر في كل مجتمع بتاريخه، وصراعاته، وخطابه السياسي والإعلامي، وطريقة بناء ذاكرته الجماعية.

لكن أسباب هذا الخلط تختلف من بيئة إلى أخرى.

في العالم العربي

يرتبط ذلك بعوامل تاريخية وسياسية وثقافية.

ففي الوعي الشعبي العربي، ارتبطت معاهدات السلام غالبًا ببداية إقامة العلاقات الطبيعية، فبدت الكلمتان وكأنهما شيء واحد.

كما أن الخطاب السياسي والإعلامي خلال عقود طويلة استخدم المصطلحين أحيانًا بالتبادل، رغم اختلافهما في الدراسات المتخصصة.

وأدى ذلك إلى أن ينظر كثيرون إلى السلام بوصفه مرادفًا للتطبيع، أو إلى التطبيع باعتباره مرادفًا للتنازل، رغم أن العلاقات الدولية تميّز بين المفهومين من حيث التعريف والوظيفة.

في إسرائيل

يتركز جانب مهم من النقاش العام على الأمن، والاعتراف الإقليمي، والاندماج في المنطقة.

ولهذا يُنظر إلى السلام، في جانب من الخطاب الإسرائيلي، باعتباره وسيلة لتحقيق الأمن والاستقرار، بينما يُنظر إلى التطبيع بوصفه مؤشرًا على قبول أوسع واندماج سياسي واقتصادي وثقافي في الشرق الأوسط.

وبذلك يصبح السلام والتطبيع، في نظر كثير من الإسرائيليين، مرحلتين متكاملتين أكثر من كونهما مفهومين منفصلين.

في إيران

تتأثر النظرة إلى المفهومين بطبيعة الخطاب السياسي السائد منذ عام 1979، الذي ربط علاقاته الإقليمية، بأبعاد أيديولوجية وسياسية تتجاوز الخلافات التقليدية بين الدول.

ولذلك يُقدَّم التطبيع، في أجزاء واسعة من الخطاب الرسمي، باعتباره تحولًا سياسيًا وأخلاقيًا، بينما يُنظر إلى السلام غالبًا من خلال ارتباطه بموازين القوى الإقليمية.

وفي المقابل، توجد داخل إيران أيضًا رؤى مختلفة في الأوساط الأكاديمية والسياسية حول أولويات السياسة الخارجية، وإن كانت أقل حضورًا في الخطاب الرسمي.

في الغرب

يميل الخطاب السياسي والأكاديمي في كثير من الدول الغربية إلى الفصل بين المصطلحين بصورة أوضح.

فالسلام يُعرَّف عادةً بأنه إنهاء النزاع أو إدارة الخلافات بوسائل سلمية، بينما يُنظر إلى التطبيع باعتباره مرحلة تتعلق بإعادة بناء العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية.

ومع ذلك، تختلف المواقف الغربية بشأن توقيت التطبيع وشروطه، خصوصًا عندما ترتبط العملية بقضايا الأمن، أو القانون الدولي، أو حقوق الإنسان.

وهنا يبرز أحد أكثر الأسئلة حضورًا في السياسة الدولية:

هل تمثل مفاهيم الأمن، والقانون الدولي، وحقوق الإنسان قواعد تُطبَّق على الجميع بالقدر نفسه، أم أنها، في بعض الحالات، تتأثر أيضًا بحسابات القوة، والمصالح، والتحالفات؟

وهو نقاش لا يقتصر على الشرق الأوسط، بل يمتد إلى أزمات دولية عديدة، ما يجعله جزءًا من الجدل المستمر حول مدى اتساق النظام الدولي.

لكل طرف حساباته

في أي نزاع طويل، تسعى الأطراف إلى تحقيق مصالحها الوطنية وفق أولوياتها.

فقد ترى بعض الدول أن الأولوية هي الأمن، بينما ترى أخرى أن الأولوية هي التنمية الاقتصادية، أو معالجة قضايا تاريخية، أو الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.

ولهذا تختلف مواقف الدول تجاه السلام أو التطبيع تبعًا لتقديرها لمصالحها الوطنية، وليس فقط لشعاراتها السياسية.

بين الواقع والخطاب

في كثير من النزاعات الدولية، لا تتطابق لغة الخطاب مع لغة المصالح.

فالخطابات العامة قد تركز على المبادئ والرموز، بينما تُبنى القرارات السياسية عادةً على اعتبارات الأمن، والاقتصاد، والاستقرار، والموازين الإقليمية.

وهذا لا يقتصر على منطقة بعينها، بل يظهر في تجارب دولية عديدة شهدت انتقالًا من الصراع إلى التفاوض، ثم إلى أشكال مختلفة من العلاقات.

ما الذي تغيّر؟

العالم خلال العقود الأخيرة أصبح أكثر ترابطًا.

فالاقتصاد، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والأمن البحري، والذكاء الاصطناعي، كلها عوامل جعلت تكلفة الصراع المستمر أعلى من أي وقت مضى بالنسبة إلى كثير من الدول.

لكن ذلك لا يلغي أن القضايا السياسية والحقوقية تبقى مؤثرة في مواقف الحكومات والشعوب.

ولهذا تستمر محاولات البحث عن معادلات تجمع بين الأمن، والحقوق، والاستقرار، والتنمية.

سؤال المستقبل

هل تسعى الدول إلى السلام لأنها تؤمن بالسلام بوصفه قيمة؟

أم لأنها ترى أن كلفة الحرب أصبحت أعلى من كلفة التفاوض؟

وربما يحمل الواقع جزءًا من الإجابتين معًا، إذ تتداخل المبادئ مع المصالح، وتلتقي القيم مع الحسابات الاستراتيجية بدرجات متفاوتة من حالة إلى أخرى.

السؤال الذي يستحق النقاش

ربما لم يعد السؤال:

هل السلام أفضل أم التطبيع؟

بل:

هل يمكن تحقيق سلام مستدام من دون معالجة جذور الصراع؟

وفي المقابل:

هل يمكن معالجة جذور الصراع إذا بقيت الحرب هي اللغة الوحيدة بين الأطراف؟

خلاصة 

ربما كان أكبر خطأ في كثير من النقاشات هو التعامل مع السلام والتطبيع باعتبارهما كلمة واحدة.

بينما تُظهر العلاقات الدولية أنهما مرحلتان مختلفتان، ووظيفتان مختلفتان، وقد يجتمعان، وقد يفترقان، بحسب طبيعة كل نزاع ومصالح أطرافه.

وفهم هذا الفرق لا يفرض موقفًا سياسيًا، ولا يمنح الشرعية لرؤية على حساب أخرى، لكنه يساعد على قراءة العالم بلغة أكثر دقة.

السلام يجيب عن سؤال: كيف تتوقف الحروب؟

أما التطبيع فيجيب عن سؤال: كيف تُدار العلاقات بعد ذلك؟