الدولار ومستقبله في ظل الاقتصاد العالمي
عرض خاص
إعداد: د. محمد دياب
باحث لبناني في الشؤون الاقتصادية والجيوسياسية
المصدر: مركز الفكر العربي
تنشر BETH هذه المادة في إطار إتاحة الدراسات والأبحاث ذات القيمة المعرفية، مع الحفاظ على النص الأصلي للكاتب، وإضافة عرضٍ تحريري وتعليقٍ مختصر يضعان الدراسة في سياقها العام.
عرض BETH
يتناول الباحث اللبناني د. محمد دياب مستقبل الدولار في ظل التحولات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة، وصعود مجموعة بريكس، وتوسع استخدام العملات الوطنية والعملات الرقمية.
ويرى أن الدولار سيبقى العملة المهيمنة في المستقبل المنظور، رغم تعرضه لضغوط متزايدة نتيجة التحولات الدولية، وتنامي دور الاقتصادات الصاعدة، ومحاولات بناء نظام مالي أكثر تعددية.
ويستعرض المقال الأدوار الأربعة للعملة في الاقتصاد العالمي، والعوامل التي تمنح الدولار قوته، كما يناقش حدود قدرة بريكس على إنشاء عملة موحدة، وأثر التكنولوجيا المالية في إعادة تشكيل النظام النقدي العالمي، قبل أن يخلص إلى أن العالم يتجه نحو توازن نقدي جديد، لا إلى نهاية هيمنة الدولار في المدى القريب.
النص الكامل
يشهد العالَم مخاض تطوّراتٍ وتبدّلاتٍ قد تفضي إلى طَيّ حقبة دامت منذ انتهاء الحرب العالميّة الثانية. حقبة كان عنوانها هيْمنة قوّة إمبراطوريّة (أميركيّة) بَسطت سيطرتَها الاقتصاديّة والماليّة الأحاديّة على العالَم، حتّى في ذروة احتدام الصراع بين القطبَيْن العالميَّيْن. لم تَنفع القوّة العسكريّة والسياسيّة الهائلة التي امتلكها القطبُ الآخر (السوفياتيّ) في لجْمِ تلك الهيْمنة، وكانت النتيجة سقوطه من الداخل تحت وطأة الخَلَلِ الاقتصاديّ الذي أصابه وتداعياتِهِ.
لقد نجحتِ الولاياتُ المتّحدة عقب الحرب في بناء منظومة ماليّة ومصرفيّة تَربّع الدولار على عرشها، ففرضت من خلالها هيْمنتَها على الاقتصاد العالَمي. كانت قوّة الدولار هي مَصدر تلك الهيْمنة وعنوانها الرئيس. واليوم، مع إرهاصات دخول العالَم حقبة التعدّديّة القطبيّة، هل حانَ موعد نزول الدولار عن عرشه؟... سنحاول في مقالتنا هذه الإجابة عن هذا التساؤل.
من غير المرجّح التخلّي عن الدولار بوصفه العملة العالميّة المُهيْمِنة في الاقتصاد العالمي في المستقبل المنظور. بيد أنّ العوامل الجيوسياسيّة، إلى جانب التقنيّات الماليّة الحديثة، يُمكن أن تُصبح دافعاً للانتقال إلى توازنٍ جديد مع عملاتٍ إقليميّة وازنة. هذا الأمر دَفع بلدان بريكس، ابتداءً من العام 2009، إلى البحث في خيارات بديلة للبنيان المالي الدولي، ومناقشة مسألة التوسُّع في اعتماد العملات الوطنيّة في المدفوعات والتعاملات الماليّة في ما بينها. وكان ذلك إيذاناً ببدء العمل بتصميمٍ واضح على إزاحة الدولار عن عرشه في الاقتصاد العالَمي.
وتكمن أسباب الشروع بهذا المَسار في الميدانَيْن الاقتصادي والجيوسياسي على حدّ سواء؛ إذ تسعى بلدان بريكس الأساسيّة (روسيا والصين في الدرجة الأولى) إلى خفْضِ التبعيّة للبنية الاقتصاديّة والماليّة المُتمحورة على الدولار، والتي تَجعلها في حالةِ انكشافٍ وعرضة للعقوبات وتداعياتها كلّما احتدم التنافس الاقتصادي والجيوسياسي. وهي تستفيد في سعيها هذا من التقنيّات الحديثة (بما في ذلك تطوُّر العملات الرقميّة وتوسُّع استخداماتها)، التي تَفتح أمامها آفاقاً جديدة لاعتماد العملات الوطنيّة في المدفوعات الدوليّة، وتساعد في الالتفاف على القيود التي تَفرضها المصارف الوسيطة (بنوك المُراسلة) المهيمَن عليها أميركيّاً وتخفيض الكِلَف النّاجمة عنها.
ومع ذلك، من غير الواقعي في الوقت الرّاهن استحداث عملة موحّدة لدول بريكس بسبب الاختلافات في الهياكل الاقتصاديّة لهذه الدول. فوفقاً ﻟنظريّة مناطق العملات المثلى (Optimum Currency Area, OCA)، ثمّة مجموعة من المعايير الرئيسة يجب أن تتوافر في المنطقة (منطقة البريكس، في هذه الحالة) كي تَستحدث العملةَ الموحّدة بنجاح. أبرزها: إمكانيّةُ حركة انتقالٍ عالية لقوى العمل، تكاملٌ تجاريٌّ عالٍ، تشابهُ الصدمات والدورات الاقتصاديّة، وكذلك توافرُ نظام تحويلات الميزانيّة. ولا تزال دول بريكس بعيدة جدّاً حتّى الآن عن كلّ هذه المعايير. أمّا الأكثر واقعيّة في هذا المجال والأكثر قابليّة للتحقُّق فإنّما هو الخطوات الرامية إلى تشكيل آليّات تسوية المدفوعات بالعملات الوطنيّة وإنشاء الأدوات الاحتياطيّة وتطوير صناديق السندات بالعملات الوطنيّة.
أدوار العملة الأربعة
غالباً ما يجري تحليل دَور الدولار في الاقتصاد العالمي من منطلقاتٍ اقتصاديّة كليّة (ماكرو) أو جيوسياسيّة. وهذا الأمر لا يُجانب الحقيقة بشكلٍ عامّ. ولكن يجب أن يؤخذ بالاعتبار أيضاً أنّ النظام المالي العالمي يقوم بصورة أساسيّة على القرارات الاقتصاديّة الجزئيّة (ميكرو) على مستوى الشركات والمؤسّسات الماليّة والقطاع العائلي.
من المعروف أنّ العملة تلعب أدواراً أربعة في العلاقات الدوليّة. فهي عملة العقد، عملة الدّفع، عملة الاحتياط، والعملة كأصل مالي. وثمّة حوافز مختلفة لاختيار العملة في كلٍّ من هذه الأدوار الأربعة.
عملة العقد أو عملة الفاتورة (invoice currency)، هي العملة التي تتحدّد على أساسها أسعار السلع والخدمات، ويُتّفق عليها قانونيّاً لتسوية المدفوعات والرسوم والالتزامات الماليّة. وهي تؤدّي في هذا الدور وظيفة مقياس القيمة.
عملة الدّفع (vehicle currency) وهي الوحدة النقديّة المحدَّدة المُستخدَمة لتسوية الالتزامات الماليّة وسداد الديون أو شراء السلع والخدمات في العقود والمُعاملات التجاريّة، وتُعتبر حاسمة في التجارة الدوليّة لتفادي مخاطر تقلّبات أسعار الصرف. ويُمكن أن تختلف عملة الدّفع عن عملة العقد.
عملة الاحتياط (reserve currency)، تُستخدَم هذه العملة لمُراكَمة الأصول الاحتياطيّة، بما في ذلك عن طريق البنوك المركزيّة، وتُستخدَم كملاذٍ آمنٍ ووسيطٍ لتسعير السلع العالميّة (النفط، مثلاً). وهي تؤدّي هنا دَور وظيفة مخزن القيمة.
العملة كأصلٍ مالي (Financial Assets)، وهي العملة التي يتمّ بواسطتها تصنيف الأصول المالية: الاستثمارات المباشرة واستثمار المحفظة، الاقتراض، المساعدات التنمويّة.
ضغوطٌ متزايدة على دَور الدولار كعملةِ تسوية
لدى إنجاز المعاملات في ما بينهم، يُمكن للعُملاء الاقتصاديّين اختيار، إمّا عملة المنتِج، وإمّا عملة المشتري كعملة تسوية. يتراءى وكأنّ الأمر يجري بهذه البساطة. بيد أنّ واقع الحسابات الدوليّة أكثر تعقيداً.
وقد جَرت دراساتٌ عديدة لتقييم تأثير تبديل سعر الصرف، أي تغيّر أسعار السلع كردّ فعل على تغيير سعر صرف العملة الوطنيّة. ففي حال تثبيت سعر السلع بعملة المنتِج، فإنّ تغيير سعر الصرف ينتقل بالكامل إلى سوق المُستورِد. أمّا إذا حُدّدت الأسعار بعملة المشتري، فلن يكون هناك أيُّ تأثير لتغيير سعر الصرف على أسعار السلع.
تُظهر معطيات المعاملات الدوليّة أنّ الشركات تختار عادةً واحدة من العملات الأساسيّة، وبالدرجة الأولى الدولار الأميركي، كعملة تسوية. عِلماً أنّ سعر صرف العملة الوطنيّة مقابل الدولار يؤثّر إلى حدٍّ كبير على تغيُّر الأسعار في البلد المَعنيّ. ويزداد هذا التأثير بمقدار ازدياد اعتماد البلد على الدولار في تسوية مدفوعاته.
وعلى المستوى الجزئيّ يَأخذ المُنتجون في الحسبان مخاطر العملات عند اختيار عملة التسوية. أي إلى أيّ حدّ يُمكن أن تتغيّر مداخيلهم عند تغيُّر سعر الصرف. لذا، يميل هؤلاء أحياناً، ومن أجل تجنُّب مخاطر تقلّبات العملة، إلى اختيار العملة على أساس تكلفة الإنتاج، أي عملة الشركة المُصنِّعة. كما أنّ اختيار العملة يُمكن أن يتأثّر بخصائص السوق التي يَعمل فيها المُنتِج. فإذا كان الطلب على السلعة حسّاساً لتغيّرات الأسعار، فإنّ المُنتِج سيَلجأ على الأرجح إلى اختيار العملة نفسها التي يَستخدمها المنافسون، سواء أكانت العملة المحليّة أم الدولار.
بالنسبة إلى عملةِ التسوية، وكذلك إلى عملة الدّفع، تكتسي أهميّة كبيرة تكاليف المعاملات التي تتكبّدها الشركة لدى تسويتها حساباتها الدوليّة. ويعزّز هذا العامل إلى حدّ كبير دَور الدولار كعملة تسوية رئيسة. ويكتسي هذا التأثير طابعاً مطّرداً. فكلّما استَخدمت شركاتٌ أكثر الدولارَ في معاملاتها، أصبحت أسواقُ الدولار أكثر سيولة، وتكلفة المعاملات النّاجمة عن استخدامه أدنى.
لم تؤثِّر التحوّلات الجيوسياسيّة في الأعوام الأخيرة إلى حدّ كبير على حصّة الدولار في المدفوعات الدوليّة. فهو، على الرّغم من المنافسة المُستجدّة، لا يزال يُهيْمِن في تسوية هذه المدفوعات اليوم، حيث تبلغ حصّته منها نحو 40%، على الرّغم من أنّ الصادرات إلى الولايات المتّحدة تشكّل 10% فقط من التجارة الدوليّة. أمّا اليورو فيُستخدم بدرجة أساسيّة في المعاملات داخل الاتّحاد الأوروبي. ولكن بَرز في العقد المنصرم توجُّهٌ إقليمي واضح للتخلّي عنه في تسوية هذه المدفوعات. فبدأت روسيا والصين، وكذلك بلدان أخرى من بينها تايلاند وأندونيسيا وماليزيا، إجراءاتٍ تهدف إلى التخلّي عن الدولار. ففي روسيا ارتفعت حصّة العملة الوطنيّة في تسوية مدفوعاتها الدوليّة من 10% في العام 2010 إلى 38% في العام 2023، وارتفعت أكثر في الأعوام التي تلت نتيجة تضاعُف العقوبات الغربيّة على روسيا، فوصلتْ إلى 40% في نهاية العام 2024. وارتفعتْ هذه النسبة في الفترة نفسها من حوالى الصفر إلى قرابة 50% في الصين، ومن 8% إلى 16% في تايلاند. ويُهيمن اليوان الصيني في التجارة المُتبادَلة بين الصين وروسيا، حيث بلغتْ حصّتُه 90% في العام 2024. وتَبذل الصين جهوداً كبيرة لتدويل اليوان، بما في ذلك وضْع اتّفاقات بنيويّة حول استخدام العملات الوطنيّة في التجارة وآليّات الدّعم (منها، على سبيل المثال، اتّفاقيّة تبادُل العملات بين بلدان أسيان، وكذلك الاتّفاقات الثنائيّة بين الصين وبلدان أخرى في المنطقة).
كما أنّ تطوّر التكنولوجيا الرقميّة من شأنه أن يُعزّز في المستقبل هذا الاتّجاه من خلال تطوير العملات الرقميّة للبنوك المركزيّة وإنشاء أنظمة لتسوية المدفوعات الدوليّة تُستخدم فيها هذه العملات. ويَجري حاليّاً تطوير مثل هذه المشروعات بالفعل. منها، على سبيل المثال: مشروع سيدار (Cedar)، وهو مشروع مُشترَك بين سنغافورة ومركز الابتكار في نيويورك لتبادُل العملات؛ ومشروع ماريانا (Mariana) وهو مشروع لبنك التسويات الدوليّة ويضمّ البنوك المركزيّة في فرنسا وسنغافورة وسويسرا؛ ومشروع (mBridge)، الذي يَشمل المدفوعات عَبر الحدود لكلٍّ من الصين وهونغ كونغ والإمارات العربيّة المتّحدة والمَملكة العربيّة السعوديّة وتايلاند؛ وجسر بريكس (BRICS Bridge). وفي الوقت نفسه، يُمكن لأنظمة تسوية المدفوعات الدوليّة بالعملات الوطنيّة أن تَعمل حتّى من دون استخدام العملات الرقميّة للبنوك المركزيّة.
تراجُع دَور الدولار كعملةِ احتياطٍ دوليّة
عندما تُقرِّر دولةٌ ما تشكيل احتياطيّاتها من العملات، فإنّها تولي أهميّة خصوصيّة لموثوقيّة العملة التي تَعتمدها وسيولتها. وحتّى الآن، لا يزال الدولار، إلى جانب استخدامه الواسع في تسوية المدفوعات الدوليّة، هو عملة الاحتياط الرئيسة التي تَستخدمها البنوكُ المركزيّة لمُراكَمة أصولها الاحتياطيّة.
إنّ اختيار عملة ما كعملة احتياط يتوقّف على الدور الذي يُحدّده البنك المركزي للاحتياطيّات الدوليّة (بمعنى أنّه لأيّ أهداف تُستخدَم هذه الاحتياطيّات بصورةٍ أساسيّة في فترةٍ معيّنة). فعلى سبيل المثال، إذا كان الهدف هو تحديد سعر الصرف، فيجب أن تَحتلّ العملةُ التي يتمّ اختيارها كعملة احتياط أساسيّة حصّةً كبيرة من الاحتياطيّات الدوليّة. أمّا إذا كانت الاحتياطيّات الدوليّة تُستخدَم بنسبةٍ كبيرة في تسديد مدفوعات العمليّات التجاريّة والديون الخارجيّة، فتَكتسي أهميّة أكبر تشكيلة عملات الشركاء التجاريّين، وكذلك هيكل العملات التي يتكوّن منها الدَّين. وثمّة عوامل اقتصاديّة أخرى تؤثّر في اختيار عملة الاحتياط، أهمّها الموثوقيّة والسيولة وعُمق السوق الماليّة، وكذلك إمكانيّة تحقيق الربح. ما يدفع إلى استخدام استراتيجيّة تقوم على العلاقات الاقتصاديّة والماليّة. ولكنْ، فضلاً عن العوامل الاقتصاديّة، ثمّة أسبابٌ جيوسياسيّة تتحكّم أحياناً في اختيار عملة، أو عملات، الاحتياط الدوليّة، حين تَعمد الدول في الغالب إلى استخدام عملاتِ الدول الحليفة كعملاتِ احتياط. ويَتعزّز هذا الاتّجاه اليوم، في ظلّ احتدام المُجابَهة الجيوسياسيّة والاقتصاديّة والحروب التجاريّة على الساحة الدوليّة، وبروز مجموعة "بريكس" كقوّة صاعدة قد يكون لها دورها المستقبليّ النّافذ في تفكيك عالَم الأحاديّة القطبيّة.
في الواقع، يبقى الدولار في الوقت الرّاهن العملةَ المركزيّة في النظام الماليّ العالميّ. ويتوقّع الخبراء أن يظلَّ مُحتفظاً بهيْمنته في الأعوام العشرة المُقبلة؛ غير أنّ حصَّته في احتياطيّات العملات الأجنبيّة العالميّة كانت قد شهدت تراجعاً ملموساً في العقود الأخيرة. بدأ هذا الاتّجاه مع ظهور اليورو، وتزايَد مع البروز التدريجي لليوان اقتراناً مع تعاظُمِ دَور الصين في الاقتصاد العالميّ. فحسب معطيات صندوق النقد الدوليّ بلغتْ حصّةُ الدولار من الاحتياطيّات العالميّة 57,8% في العام 2024، مقابل 65,4% في العام 2016. بيد أنّ أيّ عملة أخرى لم تُسجِّل مستوىً قريباً من هذه النسبة. فبَلغت حصّة اليورو في الفترة نفسها (عام 2024) 19,8% والين 5,8% والجنيه الاسترليني 4,7%. أمّا عملة الاقتصاد الثاني في العالم (الصيني) فلم تَتجاوز اﻟ 2% من مجموع احتياطي العملات العالميّة. وفي منتصف العام 2025 كانت قرابة 56% من هذه الاحتياطيّات وحوالى نصف المدفوعات الدوليّة، تتمّ بالدولار الأميركيّ. هذه التبعيّة لعملةٍ واحدة لا تَخلق مخاطر بنيويّة للبلدان، ولاسيّما تلك التي تسعى للتفلّت من دائرة النفوذ الاقتصاديّ الأميركيّ، بل وتنجم عنها اختلالات على مستوى الاقتصاد الكلّي الدوليّ.
لكن، وعلى الرّغم من نُذُر التحوّل هذه، يبقى الدولار، كما ذكرنا، هو عملة الاحتياط الرئيسة، وذلك بفضل اختياره المتكرّر من قبل البنوك المركزيّة لأداء هذه المهمّة، وكذلك لموقعه المؤثِّر في الأسواق الماليّة العالميّة. ومن الواضح أنّ العوامل الجيوسياسيّة تلعب دوراً فاعلاً في تنويع الاحتياطيّات الدوليّة من العملات والذهب. علماً أنّ هيكل هذه الاحتياطيّات يتبدّل في أكثر من اتّجاه. فتَرتفع فيه حصّة الين الياباني والدولار الكندي والاسترالي. وكذلك حصّة اليوان الصيني، بفضل جهود الصين لتدويل عملتها، بواسطة خطوط المبادلة (swap lines) وتمويل مُبادرة "الحزام والطريق" وتطوير العملة الرقميّة. وفي ظلّ عدم اليقين على المستوى العالميّ، تنمو حصّة الذهب في إجمالي الاحتياطيّات، ويَرجع ذلك إلى قرارات البنوك المركزيّة، وكذلك نتيجة ارتفاع أسعاره.
وتَدفع الحاجةُ إلى أصل موثوق غير الدولار إلى البحث عن آليّاتٍ مؤسّساتيّة قادرة على أداء جزء من وظائف الأصول الاحتياطيّة. فعلى سبيل المثال، أَنشأت مجموعة بريكس في العام 2014 ما يُسمّى اتّفاقيّة الاحتياط للحالات الطارئة (Contingent Reserve Arrangement, CRA) وهي آليّة لتوفير السيولة الطارئة للدول الأعضاء في المجموعة.
ويَرتبط اختيار عملة الأصول في الأسواق الماليّة (الاستثمار المباشر، الاستثمار في المحفظة، الاقتراض، المساعدات الائتمانيّة) أيضاً بالعوامل الاقتصاديّة التي سبقَ ذكرها، وهي: عُمق الأسواق الماليّة، السيولة، تقلّبات العملة، تكاليف المعاملات. ولهذا الخيار محفّزات مُماثلة كما في حالة اختيار عملة العقد وعملة الدّفع، وكذلك اختيار عملة الاحتياط. ولكن درجة تأثير العوامل تختلف بين حالة وأخرى. فعلى سبيل المثال، بالنسبة إلى المُستثمِرين الذين يشترون ديون الدول النامية، تُصبح موثوقيّة العملة أقلّ أهميّة إذا كانوا مُستعدّين لتحمُّل مخاطر العملة، في حين أنّ سيولة هذه العملة تُمثّل أهميّة كبيرة بالنسبة إليهم.
ثمّة دراسات كثيرة تناولت وتتناول عدم قدرة الدول النامية على الاقتراض بعملتها الوطنيّة، والنّاجمة عمّا يُعرف بمعضلة "الخطيئة الأصليّة" (original sin). وكان الاقتصاديّون الأميركيّون: باري إيشنغرين وريكاردو هاوسمين وأوغو بانيتسا، أوّل من صاغ هذه الفرضيّة، ويتلخّص فحواها في أنّ عدم تطوُّر الأسواق الماليّة للبلدان النامية يُعيق اجتذاب القروض الدوليّة بالعملة المحليّة، ويحدّ من أحجام القروض طويلة الأمد في هذه الأسواق. عدَّد إيشنغرين وزملاؤه في دراسة نشروها في العام 2022 كلّ الأسباب البديهيّة لهذه المشكلة - التضخّم المرتفع، الاختلالات الماليّة، السياسة النقديّة غير المستقرّة، وخلصوا إلى أنّ العامل الأساس ذا الدلالة الإحصائيّة لحجم الاقتراض بالعملة الوطنيّة، يتمثّل في حجم البلاد.
تَترك "الخطيئة الأصليّة" آثاراً سلبيّة على الاقتصادات النّاشئة، نابعة في الدرجة الأولى من الاختلال في العملات (currency mismatch)، الذي يتلخّص في تصنيف أصول دولة بعملة معيّنة والتزاماتها بعملةٍ أخرى، والذي غالباً ما ينتهي بأزماتٍ ماليّة.
في أعقاب الأزمة الماليّة العالميّة التي سادت في العام 2008، تغلّبت بعض الدول على "الخطيئة الأصليّة" إلى حدٍّ ما، وزادت بشكلٍ كبير من حصّة الاقتراض بالعملة الوطنيّة من خلال تطوير الأسواق الماليّة، على الرّغم من أنّ استدامة هذا الاتّجاه وتقليل مخاطر العملة لهذه الاقتصادات أمرٌ مشكوك فيه.
لدى الحديث عن التغيّرات المؤسّسيّة التي تُرافِق الاتّجاه نحو زيادة استخدام العملات الوطنيّة، تَجدر الإشارة إلى تلك الإجراءات التي اتّخذتها البنوك الإقليميّة للتنمية والعديد من البنوك المركزيّة. فقد أَصدر البنك الآسيوي للتنمية أوّل سندات بالروبيّة الهنديّة في العام 2014. أمّا بنك بريكس الجديد للتنمية، فأَصدر سندات باليوان والراند الجنوب أفريقي، ما خَلق أدواتٍ موثوقة في العملة الوطنيّة للدول الأعضاء. وبمُبادرة من اجتماع رؤساء البنوك المركزيّة لبلدان شرق آسيا والمحيط الهادئ، تمّ تأسيس صندوق السندات الآسيويّة رقم2 (Asian Bond Fund 2)، الذي كان له أثره الإيجابي على تطوير أسواق الديون بالعملات المحليّة الآسيويّة.
نحو توازنٍ جديد
جميع الأدوار الأربعة للعملة مُترابطة. وهذا ما تؤكّده النماذج النظريّة الحديثة، وكذلك يظهر بوضوح في البيانات الواقعيّة. والمزايا التي تكتسبها العملة من استخدامها الواسع في مجالٍ ما - مثل أسواق ماليّة أعمق وسيولة أكبر، وتكاليف معاملات أقلّ - تضمن شعبيّتها وقابليّة انتشار استخدامها في مجالٍ آخر من خلال تأثيرات الشبكة. بيد أنّ النظريّة تَسمح بوجود عملاتٍ مُهيْمِنة عدّة. فعلى سبيل المثال، يُمكن استخدام اليوان الصيني كوحدةِ حسابٍ ثالثة إلى جانب الدولار واليورو، وبمساعدة النمْذجة، يُمكن إثبات أنّ مثل هذا السيناريو مُمكن إذا اختارت بعضُ الدول اليوان كعملةٍ مُستهدَفة. ويَشغل اليورو بدَوره موقعاً مهيْمناً عمليّاً ولكن على المستوى الإقليمي. بيد أنّ حجْمَ عرض أصول اليورو ومرونَتَه غير كافيين حاليّاً للاستخدام الأوسع على النطاق العالَمي.
قد تُصبح التطوّرات الجيوسياسيّة الحاليّة، وما يَشهده العالَم من أحداثٍ وتبدّلاتٍ في موازين القوى، فضلاً عن التقنيّات الماليّة الحديثة، مُحرِّكاً للانتقال إلى توازُنٍ جديد، قوامه ظهورُ عملاتٍ إقليميّة مُهيْمِنة جديدة وانخفاضٌ في دَور الدولار. ومع ذلك من المبكّر اليوم الحديث عن اختفاء الدور المُهيمِن للدولار في المستقبل المنظور. فالاقتصاد الأميركيّ، وعلى الرّغم من كلّ التحوّلات في موازين القوى الاقتصاديّة في العالَم، يبقى حتّى الآن الاقتصاد الأكبر عالَميّاً. وهذا الواقع، مُقترناً بالبنى والمؤسّسات الماليّة والمصرفيّة التي نشأت عقب الحرب العالميّة الثانية بهيْمنةٍ أميركيّة لا تزال تَحتفظ بقوّتِها ونفوذِها، يَمنح الدولارَ قدرةً على المُقاوَمة والاحتفاظ بموقعه المُهيْمن إلى أجلٍ يَعتقد البعضُ أنّه لن يدوم طويلاً.
تعليق BETH
يقدم المقال قراءة أكاديمية رصينة لمسألة كثيرًا ما تُطرح في الإعلام بصيغة مبسطة: هل انتهى عصر الدولار؟
وتكمن أهميته في أنه يميز بين الرغبة السياسية في تقليص النفوذ الأمريكي، وبين الواقع الاقتصادي الذي ما زال يمنح الدولار مكانته العالمية.
ويخلص المقال، بصورة غير مباشرة، إلى أن التحول نحو نظام نقدي متعدد الأقطاب قد بدأ بالفعل، لكنه سيكون تدريجيًا، وأن التحدي الحقيقي لا يكمن في إسقاط الدولار، بل في بناء بدائل تمتلك العمق المالي والمؤسسي والثقة الدولية الكافية.