أثر أم انطباع؟
الإدارة .. أثر أم انطباع؟
الإعلام .. أثر أم انطباع؟
الاجتماع .. أثر أم انطباع؟
المشروع .. أثر أم انطباع؟
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث | BETH
إشراف: عبدالله العميره
في إحدى المؤسسات، أمضى فريق كامل ساعات طويلة في إعداد عرض تقديمي مبهر.
ألوان متناسقة.
رسوم بيانية متحركة.
مصطلحات حديثة.
عبارات إنجليزية لامعة.
وخطة إستراتيجية متعددة المراحل.
خرج الجميع من الاجتماع بانطباع واحد:
"هؤلاء يعرفون ما يفعلون."
وبعد عام
لم يتحقق شيء تقريبًا.
لم يكن العرض هو المشكلة.
ولم تكن اللغة هي المشكلة.
بل كانت المشكلة أعمق من ذلك.
ففي مكان ما، اختلط الحديث عن العمل بالعمل نفسه.
الوهم الذي يسكن المؤسسات
في الحياة العملية يوجد نوعان من القيمة:
الأولى: القيمة الحقيقية.
والثانية: الانطباع بوجود قيمة.
وفي الظروف المثالية يلتقي الاثنان.
لكن هذا لا يحدث دائمًا.
فبعض المؤسسات تصبح بارعة في صناعة الانطباع أكثر من صناعة النتائج.
من ينجز .. ومن يصف الإنجاز؟
هناك أشخاص يدخلون الاجتماع ومعهم:
أرقام.
نتائج.
مشكلات تم حلها.
فرص تم اقتناصها.
وهناك آخرون يدخلون ومعهم:
مصطلحات.
نماذج.
رسوم.
شعارات.
والغريب أن الفريق الثاني قد يبدو أحيانًا أكثر احترافية.
ليس لأنه أكثر كفاءة.
بل لأنه أكثر قدرة على عرض نفسه.
متى تصبح المصطلحات مشكلة؟
ليست المشكلة في المصطلحات نفسها.
فكل علم له لغته.
وكل تخصص يحتاج إلى مفاهيمه.
لكن الخطر يبدأ عندما تتحول اللغة من وسيلة للتوضيح إلى وسيلة للإبهار.
ومن أداة للفهم إلى أداة للتغطية.
حينها لا تعود المصطلحات تشرح الفكرة.
بل تصبح الفكرة هي التي تختبئ خلف المصطلحات.
الاجتماع الذي لا ينتهي
في بعض البيئات الإدارية، يتحول الاجتماع إلى هدف.
والعرض إلى إنجاز.
والخطة إلى نتيجة.
فيكثر الحديث عن:
الرؤية.
التحول.
التمكين.
الحوكمة.
التكامل.
الاستدامة.
الابتكار.
لكن السؤال البسيط يظل غائبًا:
ماذا تحقق على الأرض؟
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فبعض المشاريع لا تفشل بسبب نقص المال أو الأفكار،
بل لأنها غرقت في بحر من اللجان والاجتماعات حتى نسيت لماذا بدأت أصلًا.
وفي بعض المؤسسات، لا تُقتل المشاريع بقرار خاطئ...
بل تُستنزف ببطء داخل دوامة لا تنتهي من النقاشات والعروض والتوصيات.
لماذا نقع في الفخ؟
لأن قياس الكفاءة الحقيقية صعب.
أما قياس مظهر الكفاءة فسهل جدًا.
فالنتائج تحتاج وقتًا.
لكن الانطباعات تتشكل خلال دقائق.
ولهذا قد ينجذب بعض المديرين إلى من يتحدث أفضل، لا إلى من يعمل أفضل.
وقد يحصل أفضل مقدّم عروض على الترقية...
بينما يبقى أفضل منجز بعيدًا عن الأضواء.
السوشيال ميديا لم تساعد
في الماضي كانت النتائج تظهر مع الوقت.
أما اليوم، فقد أصبح العالم يكافئ الظهور.
عدد المتابعين.
عدد المشاهدات.
جودة العرض.
قوة الحضور.
بينما يصعب أحيانًا رؤية العمل الحقيقي الذي يحدث خلف الكواليس.
وهكذا انتقل المرض من بعض المؤسسات إلى أجزاء واسعة من الحياة العامة.
الكفاءة الصامتة
المفارقة أن أصحاب الكفاءة الحقيقية لا يكونون دائمًا أفضل المتحدثين.
بل إن بعضهم يبدون عاديين جدًا.
حديثهم مباشر.
ولغتهم بسيطة.
وعروضهم متواضعة.
لكنهم عندما يغادرون الغرفة...
تتحرك المشاريع.
وتُحل المشكلات.
وتظهر النتائج.
اللحظة الخطرة
الخطر لا يبدأ عندما يظهر شخص يجيد الكلام.
بل عندما تتبنى المؤسسة فكرة أن الكلام نفسه إنجاز.
عندها تبدأ الاجتماعات في إنتاج اجتماعات أخرى.
وتنتج الخطط خططًا جديدة.
وتولد اللجان لجانًا إضافية.
ويصبح النشاط أكثر من الإنجاز.
والحركة أكثر من التقدم.
وتتحول المؤسسة تدريجيًا من مكان يصنع النتائج...
إلى مكان يتحدث عن النتائج.
إعلام الانطباع
ولا يقتصر الأمر على بعض الإدارات والاجتماعات.
ففي كثير من الأحيان، تنتقل الظاهرة نفسها إلى الإعلام المؤسسي وحسابات الجهات في وسائل التواصل الاجتماعي.
صور كثيرة.
أخبار كثيرة.
أنشطة متلاحقة.
لكن القارئ، بل وحتى الصحفي أحيانًا، يخرج دون إجابة واضحة عن سؤال بسيط:
ماذا تحقق فعلًا؟
فالصحافة لا تستفيد كثيرًا من الصور الصغيرة المتزاحمة، ولا من الأخبار التي تكتفي بوصف الاجتماعات والزيارات واللقاءات، دون أرقام أو نتائج أو أثر ملموس يمكن قياسه.
وفي المقابل، يمكن لهذه المنصات أن تصبح أكثر قيمة وتأثيرًا عندما تنتقل من عرض النشاط إلى عرض الإنجاز، ومن وصف الحدث إلى شرح أثره على المستفيد.
فالإعلام الناجح ليس ما يُظهر أن الجهة تعمل فقط...
بل ما يوضح للناس ماذا أنجزت، وكيف غيّرت الواقع من حولها.
وهنا يلتقي إعلام الانطباع مع إدارة الانطباع.
فالأول يعرض النشاط.
والثانية تدير النشاط.
لكن كليهما قد يقع في الخطأ نفسه:
الخلط بين الحركة والتقدم.
ملاحظة
في كثير من الأحيان، لا تكشف الاجتماعات ما تم إنجازه فقط>>
بل تكشف أيضًا طريقة التفكير داخل المؤسسة.
فكلما كانت الرؤية واضحة، والقرار محسومًا، والأهداف محددة؛ تقل الحاجة إلى الاجتماعات المتكررة، ويتحول الاجتماع إلى أداة للحسم لا إلى غاية بحد ذاته.
وينطبق الأمر ذاته على الإعلام.
فالمؤسسات التي تدرك قيمة الإعلام الحقيقي، وتتعامل معه بوصفه أداة لقياس الأثر لا لعرض النشاط؛ تركّز على الرسالة والنتيجة والإنجاز، أكثر من تركيزها على صور شخصية .
ولهذا قد لا يكشف عدد الاجتماعات ما يحدث داخل المؤسسة فحسب..
بل يكشف أحيانًا مستوى وضوح الرؤية، وسرعة اتخاذ القرار، وقدرة على تحويل الأفكار إلى نتائج.
متاهة الحقيقة
ليست كل لغة معقدة دليلًا على عقل عميق.
وليست كل لغة بسيطة دليلًا على عقل بسيط.
فبعض العقول الكبيرة تستطيع شرح أعقد الأفكار بأبسط الكلمات.
وبعض الفراغات الكبيرة تحتاج إلى قاموس كامل حتى تخفي نفسها.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم:
من يتحدث بطريقة أكثر احترافية؟
بل:
من يستطيع أن يحقق نتيجة عندما ينتهي الكلام؟
فالإدارة في النهاية ليست ما يقال في قاعة الاجتماعات.
وليست عدد الشرائح في العرض التقديمي.
وليست عدد المصطلحات المستخدمة في التقرير.
الإدارة هي ما يبقى على الأرض..
بعد أن يغادر الجميع القاعة.
وقد تكون لنا عودة إلى أبعاد أخرى تتعلق بالإدارة، وبأهمية احترام الإعلام الحقيقي وفهم دوره في صناعة الأثر وقياس النتائج، لا الاكتفاء باستخدامه لتوثيق الأنشطة وتكرار الرسائل .. وضرب أمثلة.