مشكلة بعض الأذكياء.. أنهم ليسوا أذكياء

news image

قراءة في الاستذكاء، والظلال التي لا تصمد أمام الشمس

اللوبيات، ووهم القوة

ليس هذا المقال عن شخص، ولا عن مؤسسة، ولا عن زمن بعينه.

بل عن ظاهرة تتكرر في السياسة، والمجتمع، والاقتصاد، والإعلام، وكل مكان يظن فيه البعض أن العلاقات أقوى من الحقائق، وأن الظلال أطول عمرًا من الشمس.

 

كتب: عبدالله العميره

ليس كل خطأ يزعج الإنسان.

وليست كل خصومة تستحق أن تُخاض.

لكن أكثر ما يثير الدهشة أحيانًا، أن يقابل المرء الغباء...

متنكرًا في هيئة ذكاء.

فبعض الناس لا يسرقون.

ولا يكذبون.

ولا يواجهون.

بل يمارسون شيئًا آخر:

الاستذكاء.

وهو فن قديم يقوم على افتراض بسيط:

أن الآخرين لا يرون.

ولا يفهمون.

ولا يربطون الأحداث.

ولا يملكون ذاكرة.

فيتغير السلوك فجأة.

وتظهر المماطلة.

وتكثر الأعذار.

وتتحرك الخيوط.

ويظن صاحبها أنه يدير المشهد بذكاء.

بينما يكون في الحقيقة قد بدأ يترك آثار أقدامه في كل مكان.

المشكلة أن بعض الناس يعتقد أن القوة في العلاقات.

أو في الأسماء.

أو في الأقارب.

أو في الدوائر المغلقة.

وينسى أن هناك قوة أخرى أكثر هدوءًا...

اسمها:

الوقت.

والذاكرة.

والحقائق.

والأثر.

والإعلام.

فالإعلام الحقيقي لا يغضب بسرعة.

ولا يصرخ.

ولا يهدد.

لكنه يمتلك عادة مزعجة جدًا لمن يسيئون تقدير الأمور:

أنه يربط.

ويتذكر.

ويقرأ ما بين السطور.

ويرى ما لا يراه المستعجلون.

ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله مسؤول، أو متنفذ، أو صاحب علاقة...

ليس أن يختلف مع الإعلام.

بل أن يستخف بذكائه، وهدوئه، ولياقته، وصبره، وقدرته على التذكر، وقراءته لما لا يُقال، وظنه أن الابتسامة تعني الغفلة، وأن الصمت يعني العجز.

فالإعلام لا ينتصر بالصوت.

ولا بالخصومة.

بل بالصبر.

والوثائق.

والأسئلة.

والوقت.

ومن العجيب أن كثيرًا من مهندسي اللوبيات، وأصحاب العلاقات الخفية، ومحترفي الاحتماء بالظلال...

لا يسقطون لأن خصومهم أقوى.

بل لأنهم يصدقون أنهم أذكى من الجميع.

وهنا تبدأ المهزلة.

فالفساد ليس عبقريًا إلى هذه الدرجة.

والاستذكاء ليس ذكاءً.

ومن لا يحترم ذكاء الآخرين...

غالبًا لا يحترم ذكاءه هو.

ولهذا، فإن التعامل مع الإعلام ليس خطرًا على الشرفاء، ولا على الصادقين، ولا على أصحاب الإنجاز والعمل المنتج، ولا على المخلصين الذين يرون في النقد فرصة للتصحيح، لا تهديدًا يجب الهروب منه.

الخطر الحقيقي يقع على من يظنون أن العلاقات أقوى من الحقائق، وأن الوقت ينسى، وأن الذاكرة العامة قصيرة، وأن الشرفاء لا يدفعون ثمن قربهم من الفاسدين.

فالفساد لا يؤذي أصحابه وحدهم، بل قد يسيء حتى إلى من أحسنوا الظن بهم.

بينما أثبت الزمن شيئًا مختلفًا:

أن بعض الملفات تنام...

لكنها لا تموت.

وأن بعض الناس يربحون جولة...

لكنهم يخسرون احترامهم.

أما الشرفاء...

فقد يتأخر حقهم.

لكنه لا يضيع.

كلمة أخيرة

ليس كل من يبتسم لك غافلًا.

وليس كل من يصمت عاجزًا.

فبعض الناس لا يردون لأنهم لا يعرفون.

بل لأنهم يعرفون أكثر مما يظن المستذكِي.

والزمن...

يملك موهبة نادرة:

أنه يكشف الفرق بين الذكاء...

والاستذكاء.

والمفارقة أن بعض السماسرة لا يبيعون شيئًا بقدر ما يبيعون الوهم.

أما التجارة الحقيقية، فتُدار غالبًا خلف الستار، حيث يعمل المهندسون الحقيقيون، بينما يكتفي السمسار بادعاء البطولة.

وهناك من يظن أن الاستناد إلى اسم كبير، أو مسؤول نافذ، أو لوبي صغير، يمنحه قوة أكبر من الحقائق.

لكن التجارب علمتنا أن اللوبيات لا تعيش بعمر الأشخاص.

وأن من يربط مصيره بمنظومة فرد فاسد، قد يكتشف يومًا أنه كان يبني على ظل.

فالظلال، مهما طالت...

لا تصمد أمام الشمس.

ملاحظات على الهامش

• من أخطاء بعض المسؤولين أنهم لا يقدّرون أهمية الإعلام، ولا يدركون أن تجاهله لا يقل خطورة عن سوء التعامل معه.

• ومن أخطائهم الاعتقاد أن الإعلام مجرد وسيلة نشر، بينما هو في الحقيقة ذاكرة، وربط، وقراءة لما بين السطور.

• ومن أخطاء بعض المسؤولين الاعتماد على مستشارين لا علاقة لهم بالإعلام، ولا يفهمون طبيعته، فيصبح ضررهم أكبر من نفعهم، ويقودون أصحاب القرار إلى معارك لم يكونوا بحاجة إليها.

• وكثيرًا ما لا تأتي الخسائر من الخصوم، بل من سوء التقدير، ومن نصائح يزينها أصحابها بثقة لا يسندها فهم.

• والإعلام الحقيقي لا يصنع الأعداء، لكنه يكشف الأخطاء، ويفرق بين من يخدم المؤسسات، ومن يخدم نفسه داخلها.

• أما الذين يظنون أن العلاقات، أو اللوبيات، أو الأسماء الكبيرة، تستطيع إخفاء الحقائق إلى الأبد، فالتاريخ لا يمنحهم أفضلية دائمة، بل يمنحهم وقتًا إضافيًا فقط.

• وقد تكون لي عودة، لتفسير بعض ما بدا غامضًا، وتوضيح ما اختار البعض ألا يراه.

الخاتمة

وفي الحياة، كما في المؤسسات، هناك من يستحق أن يُقال له:

شكرًا على ما قدمت.

وشكرًا على ولائك.

وإخلاصك.

وإبداعك في العمل.

وهناك من يختار لنفسه طريقًا آخر.

وفي النهاية، لا يتذكر الناس الجميع بالطريقة نفسها.

فبعض الأسماء تُذكر امتنانًا...

وبعضها يكتفي الزمن بتركها شاهدًا على نفسها.

فبعض القصص لا تحتاج إلى ضجيج...

بل تحتاج فقط إلى الوقت.

ولأن الحقيقة لا تستعجل أحدًا...

فإنها قد تتأخر.

لكنها تصل.

وربما أعود لتفسير غير المُفسَّر هنا.