من غوبلز إلى ترامب .. من يملك المنبر؟

news image

دروس في الإعلام بين الدعاية الرسمية، والإنكار، وصناعة الرأي المباشر

إعداد وتحليل
إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث | B
إشراف: عبدالله العميره

يتغير الزمن.

وتتغير الأدوات.

وتتبدل المنصات.

لكن سؤالًا واحدًا ظل حاضرًا منذ قرن تقريبًا:

من أين يستمد الخطاب الإعلامي قوته؟

هل من الدولة؟

أم من الزعيم؟

أم من تكرار الرسالة؟

أم من الجمهور نفسه؟

وهل يصنع الإعلام الحقيقة؟

أم يصنع جمهورًا مستعدًا لتصديقها؟

غوبلز.. إعلام الدولة المغلقة

مثّل جوزيف غوبلز، وزير إعلام ألمانيا النازية، نموذجًا للإعلام الذي يستمد قوته من احتكار المنابر وتكرار الرسالة وتحويل الدعاية إلى عقيدة سياسية.

لم يكن الهدف إقناع الجميع، بل السيطرة على المجال العام ومنع ظهور روايات منافسة.

لكن النهاية كشفت حدود هذا النموذج.

فسقوط هتلر لم يؤد فقط إلى انهيار النظام، بل أطاح معه بآلة الدعاية التي بُنيت حوله.

وكانت قاعدة الارتكاز واضحة:

النظام أولًا.

فسقطت الدعاية بسقوطه.

الصحاف.. إعلام الإنكار

أما وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف، فقد مثّل نموذجًا مختلفًا.

لم يكن يصنع مشروعًا دعائيًا طويل الأمد، بل كان يحاول إدارة لحظة الانهيار بالكلمات.

كانت القوة في الأداء والثقة والإنكار المتكرر.

لكن الواقع كان يتحرك أسرع من الخطاب.

ولهذا تحولت تصريحاته لاحقًا إلى مادة للسخرية، لا إلى مصدر للتأثير.

وكانت قاعدة الارتكاز أيضًا واضحة:

النظام أولًا.

فانتهى الخطاب بانهياره.

ترامب.. إعلام الشخصية

أما دونالد ترامب، فقد قدّم نموذجًا مختلفًا تمامًا.

فهو لم يحتج إلى وزارة إعلام.

ولم يعتمد على احتكار المنابر.

بل حوّل نفسه إلى منصة إعلامية قائمة بذاتها.

استخدم وسائل الإعلام التقليدية، وخاصمها، واستفاد منها في الوقت نفسه.

ثم تجاوز الوسيط، ووصل مباشرة إلى الجمهور.

فأصبح الخبر أحيانًا يبدأ من تصريح، أو منشور، أو جملة يطلقها، قبل أن تتلقفها وسائل الإعلام.

وهنا لم تعد القوة في المؤسسة.

بل في القدرة على صناعة الحدث، وإثارة الجدل، والحفاظ على جمهور دائم التفاعل.

وكانت قاعدة الارتكاز مختلفة:

الجمهور أولًا.

لا السلطة.

ولهذا استمر تأثيره حتى خارج البيت الأبيض.

الإعلام الجمعي.. الصوت الواحد

هناك نموذج آخر لا يرتبط بشخص بعينه.

إنه الإعلام الجمعي.

وسائل إعلام كثيرة، لكنها تتحدث بلسان واحد.

قد تختلف الشعارات.

لكن الزاوية واحدة.

والمفردات واحدة.

والأولويات واحدة.

وأحيانًا.. حتى الصمت واحد.

هذا النموذج لا يعتمد على خطيب واحد.

بل على شبكة واسعة تعيد إنتاج الرسالة نفسها.

وقاعدته الأساسية هي:

السلطة أولًا.

ولذلك، فإن قوته واستمراره يرتبطان غالبًا بقوة الجهة التي يتحرك حولها.

الأدوات تتغير.. لكن الإنسان لا يتغير

غوبلز اعتمد على احتكار الحقيقة.

والصحاف اعتمد على إنكار الواقع.

وترامب اعتمد على الصدمة، والاستقطاب، والاتصال المباشر.

أما الإعلام الجمعي، فيعتمد على تكرار السردية، وتوحيد زاوية الرؤية.

لكن العامل المشترك بينها جميعًا ليس التقنية.

بل الإنسان نفسه.

فالناس لا تبحث دائمًا عن الحقيقة.

وأحيانًا تبحث عن الرواية التي تمنحها الطمأنينة، أو تؤكد قناعاتها، أو تمنحها شعورًا بالانتماء.

المشكلة ليست في الرواية

فالناس لا تبحث دائمًا عن الحقيقة

كيف نصل إلى الأعماق؟

الوصول إلى الحقيقة لا يتحقق بالحدس وحده، ولا بالبلاغة، ولا بكثرة المتابعة فقط، بل يحتاج إلى أدوات.

أولها: العقل الناقد الذي لا يكتفي بالسؤال: ماذا قيل؟ بل يسأل: لماذا قيل؟ ومن المستفيد؟ وما الذي لم يُقل؟

وثانيها: المصادر المتعددة؛ فلا تُقرأ الرواية من نافذة واحدة، ولا يُبنى الفهم من منصة واحدة، ولا تُؤخذ الحقيقة من طرف واحد.

وثالثها: قراءة السلوك لا التصريحات فقط؛ فالقوى السياسية والإعلامية قد تقول شيئًا، لكنها تكشف حقيقتها في التوقيت، والحركة، والصورة، والصمت، وتكرار الرسالة.

ورابعها: البيانات والتقنية؛ من أدوات الرصد والتحليل وقياس الاتجاهات ومتابعة الرأي العام، إلى تقنيات التحقق من المحتوى وكشف التضليل والتزييف.

أما الأداة الأهم، فهي الإنسان نفسه: صحفي يمتلك الشك المهني، لا الشك العبثي؛ ويعرف أن مهمته ليست تصديق الرواية الأسرع، بل اختبار الرواية الأعمق.

فالوصول إلى الأعماق لا يحتاج إلى عين ترى فقط، بل إلى عقل يربط، وأدوات تتحقق، وشجاعة تسأل.

الدرس الأخير

لم يعد السؤال اليوم:

من يملك وسائل الإعلام؟

بل:

من يملك الانتباه؟

ومن يستطيع أن يجعل الناس يستمعون إليه؟

ومن يستطيع أن يحافظ على ثقتهم؟

فمن غوبلز إلى الصحاف إلى ترامب، تغيرت الأزمنة والأدوات.

لكن الحقيقة التي لم تتغير هي أن الإعلام لا يعيش بالقوة وحدها.

ولا يستمر بالتكرار وحده.

ولا ينتصر بالصوت الأعلى دائمًا.فالتاريخ أثبت أن المنابر تسقط.

والأنظمة تتغير.

لكن الإنسان يبقى يبحث عن رواية تمنحه معنى، أو طمأنينة، أو شعورًا بالانتماء.

والسؤال الذي يرافق كل عصر:

هل يصنع الإعلام الحقيقة؟

أم يصنع جمهورًا مستعدًا لتصديقها؟

وربما يكون السؤال الأعمق:

هل يبحث الإنسان عن الحقيقة فعلًا .. أم عن الرواية التي يحب أن تكون حقيقة؟

 

في زمن أصبح العالم فيه في متناول كل شخص، لم يعد بقاء المنابر واستقرار الأنظمة مرهونًا بارتفاع الصوت، بل بارتفاع مستوى الثقة.

فالإعلام الذي يتعامل مع الواقع بمهنية هو الأقرب إلى كسبها، خصوصًا في عصر أصبح فيه المتلقي أكثر اطلاعًا، وأقل استعدادًا لتصديق أي رواية بسهولة.