داحس والغبراء

news image

الحرب التي لا تريد أن تنتهي

عبدالله العميره

منذ آلاف السنين، والإنسان يعتقد أن الحرب الأخيرة ستنهي كل الحروب.

لكن التاريخ يبتسم كل مرة، ثم يثبت العكس.

ولعل واحدة من أشهر الحروب العربية القديمة تقدم درسًا لا يزال صالحًا حتى اليوم؛ إنها حرب داحس والغبراء.

بدأت الحرب بسبب سباق خيل بين الفرس "داحس" والفرس "الغبراء". كان الأمر في ظاهره خلافًا محدودًا، لكن الشكوك والاتهامات ورفض الاعتراف بالنتيجة أشعلت نارًا امتدت سنوات طويلة بين قبيلتي عبس وذبيان.

لم تكن القضية في حقيقتها فرسًا أو سباقًا.

بل تحولت إلى مسألة كرامة وثأر ورد اعتبار.

ومع مرور الوقت نسي كثيرون سبب البداية، بينما استمرت الحرب نفسها.

انتهت الحرب في النهاية بالصلح والتعب والإدراك المتأخر بأن ما خسرته القبيلتان أكبر بكثير مما كانتا تتقاتلان من أجله.

وهنا يظهر الدرس الخالد:

أحيانًا لا تستمر الحروب لأن أسبابها ما زالت قائمة، بل لأن إيقافها يصبح أصعب من استمرارها.

ماذا علمت الصحراء العرب؟

عاش العرب قرونًا طويلة في بيئة قاسية.

الصحراء لم تكن تمنح أحدًا فرصة للخطأ المتكرر.

فالماء محدود.

والمسافات طويلة.

والنجاة تحتاج إلى صبر وحكمة وقدرة على قراءة المخاطر قبل وقوعها.

لهذا اكتسب العرب عبر التاريخ صفات ارتبطت بالبقاء:

الصبر.

التحمل.

الكرم وقت الشدة.

الوفاء بالعهد.

والقدرة على التكيف مع الأزمات.

وكانت القبائل تعرف أن الحرب قد تكون ضرورية أحيانًا، لكنها تعرف أيضًا أن استمرارها بلا أفق قد يقود إلى إنهاك الجميع.

ولهذا امتلأ التراث العربي بقصص الصلح بقدر ما امتلأ بقصص الشجاعة.

الإسلام وبناء الحضارة

وعندما جاء الإسلام، لم يقدم نفسه بوصفه مشروعًا لإكراه البشر أو محو هوياتهم.

بل حمل منظومة قيم وأخلاق وتنظيم للحياة.

وانتشرت حضارته عبر التجارة والعلم واللغة والمعرفة والتفاعل الإنساني بقدر ما انتشرت عبر القوة السياسية للدول.

ولهذا بقي أثر الحضارة الإسلامية حاضرًا في العلوم والطب والفلك والرياضيات والفلسفة والعمارة واللغة، وترك مساهمة كبيرة في مسيرة الإنسانية.

ماذا تفعل الحروب بالمجتمعات؟

عبر التاريخ اختلفت دوافع الحروب.

بعضها كان دفاعًا عن الأرض.

وبعضها صراعًا على النفوذ.

وبعضها سعيًا للسيطرة على الموارد أو طرق التجارة أو موازين القوة.

لكن النتيجة المتكررة كانت واحدة تقريبًا:

كلما طالت الحروب، زادت الكلفة على الجميع.

وفي المقابل، تظهر التجارب الإنسانية أن فترات الاستقرار الطويلة تسمح للمجتمعات بأن تتكامل اقتصاديًا وثقافيًا وعلميًا.

فالإنسان بطبيعته يميل إلى البناء أكثر مما يميل إلى الهدم.

ويميل إلى التعاون أكثر مما يميل إلى الصراع عندما تتوافر له بيئة مستقرة وآمنة.

الحرب التي لا تريد أن تنتهي

ومن هنا يعود السؤال إلى حاضرنا.

بعد أكثر من مئة يوم من المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، ومع دخول إسرائيل طرفًا رئيسيًا في المشهد، تبدو المنطقة وكأنها تدور داخل دائرة تشبه داحس والغبراء بصورة مختلفة.

الجميع يعلن أنه يريد الأمن.

والجميع يقول إنه يدافع عن مصالحه.

لكن النار ما زالت مشتعلة.

والتصعيد يتكرر.

والمفاوضات تعود ثم تتعثر.

وكأن الحرب نفسها أصبحت جزءًا من المشهد.

ماذا تريد أمريكا؟

تقول واشنطن إنها تريد منع إيران من امتلاك قدرات تهدد توازن المنطقة ومصالحها وحلفاءها.

كما تسعى إلى حماية نفوذها الاستراتيجي وشبكة مصالحها الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط.

ماذا تريد إسرائيل؟

تقول إسرائيل إنها تريد إزالة ما تعتبره تهديدًا وجوديًا وضمان تفوقها الأمني والعسكري ومنع أي قوة إقليمية من امتلاك أدوات يمكن أن تغير موازين الردع.

ماذا تريد إيران؟ وماذا يريد شعبها؟

يبدو أن النظام الإيراني يركز قبل كل شيء على البقاء، والحفاظ على نفوذه الإقليمي، وحماية أدوات القوة التي يعتبرها جزءًا من أمنه واستمراره.

أما الشعب الإيراني، كغيره من شعوب العالم، فيتطلع بدرجة أكبر إلى الاستقرار الاقتصادي، وتحسين مستوى المعيشة، وتوسيع فرص العمل والانفتاح على العالم.

وهنا يبرز أحد الأسئلة الأكثر أهمية في المنطقة:

هل تتطابق أولويات النظام مع أولويات المجتمع؟

أم أن المسافة بين ما تريده الدولة وما يريده المواطن هي جزء من الصراع الذي لا يظهر دائمًا على شاشات الأخبار؟

ماذا يريد العرب؟

أما العرب، بمختلف دولهم وتوجهاتهم، فيبدو أن القاسم المشترك بينهم هو الرغبة في الاستقرار والتنمية وتجنب الانزلاق إلى حروب طويلة تستنزف الموارد وتؤخر المشاريع الاقتصادية وتزيد من حالة عدم اليقين.

 

تركيبات مختلفة.. وهواجس مختلفة

ومن المثير للتأمل أن الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، رغم اختلافها الكبير، تشترك في سمة واحدة:

أن كل دولة منها تضم تركيبات قومية أو عرقية أو دينية أو ثقافية متعددة، وتعيش دائمًا هاجس إدارة هذا التنوع والحفاظ على تماسك الدولة ومشروعها السياسي.

وقد يكون لذلك أثر في طريقة النظر إلى الأمن والهوية ومفهوم التهديد، إذ تصبح مسألة الوحدة الداخلية جزءًا من الحسابات الاستراتيجية المستمرة.

أما العالم العربي، فعلى الرغم من اختلاف دوله وأنظمته وتنوع مجتمعاته، فإنه يمتلك قواسم حضارية وثقافية واسعة؛ لغة مشتركة، وتاريخًا متداخلًا، وإرثًا حضاريًا متقاربًا، وروابط دينية واجتماعية عميقة.

ولهذا يبقى السؤال:

هل تؤثر طبيعة تكوين الدول وتركيبتها الداخلية في طريقة رؤيتها للعالم، وفي حجم مخاوفها، وفي القرارات التي تتخذها وقت الأزمات؟

جذور عميقة

أما عن الحضارة، فلن أسرد تاريخها الطويل، ولن أدخل في مقارنة بين الأمم والشعوب.

سأترك للقارئ مهمة البحث بنفسه في التاريخ.

لكن يكفي التأمل في بعض الأرقام.

فالعلماء يقدرون ظهور الإنسان العاقل قبل نحو 300 ألف سنة.

أما الحضارات المنظمة فلم تظهر إلا قبل بضعة آلاف من السنين.

وتشير الدراسات الأثرية إلى أن حضارة المقر في شبه الجزيرة العربية تعود إلى نحو 9000 سنة قبل الميلاد..
 أي قبل ما يقارب 11 ألف عام من يومنا هذا.

وفي المقابل، فإن أول حضارة فارسية كبرى معروفة تاريخيًا، وهي(الأخمينية)، ظهرت نحو 550 سنة قبل الميلاد.

يعني قبل حوالي 2376  عام.

وليس المقصود من هذه المقارنة المفاضلة بين شعب وآخر، ولا الانتقاص من أي حضارة، فلكل أمة إسهامها الإنساني.

 المقصود هو التأمل في أثر العمق الزمني للحضارات على الوعي الجمعي وطريقة التفكير.

فالاستقرار الطويل على الأرض، وتراكم التجارب عبر آلاف السنين، يترك أثره في الثقافة، وفي نظرة المجتمع إلى نفسه، وفي قدرته على الصبر والثبات واتخاذ القرار.

ولهذا، عندما يتحدث بعض الساسة عن تدمير حضارة بأكملها، فإنهم غالبًا يتحدثون بلغة السياسة لا بلغة التاريخ.

فالحضارات لا تُقاس بالصواريخ.

ولا تُمحى بالتصريحات.

بل تبقى ما بقي أثرها في الإنسان والذاكرة والثقافة.

الدرس الذي لا يشيخ

التاريخ لا يقدم حلولًا جاهزة.

لكنه يقدم دروسًا مجانية.

يعلمنا أن الشجاعة ليست دائمًا في بدء الحرب.

وأن القوة ليست دائمًا في إطالة الصراع.

وأن الحكمة الحقيقية تظهر أحيانًا في القدرة على إنهاء النزاعات قبل أن تنسى الأطراف لماذا بدأت أصلًا.

فكما انتهت داحس والغبراء بعد سنوات من الدم والتعب، يبقى السؤال حاضرًا في كل عصر:

هل يتعلم البشر من التاريخ؟

أم أن التاريخ سيظل يكرر دروسه حتى يجد من يصغي إليها؟

هل يمكن أن تكون طبيعة هذه الدول نفسها جزءًا من تفسير سلوكها؟

"التاريخ لا يقدم حلولًا جاهزة.. لكنه يقدم دروسًا مجانية."