لماذا يحتاج الإنسان إلى بطل؟

news image

من يصنع البطل... البطل أم الجمهور؟

كتب: عبدالله العميره

منذ فجر التاريخ، لم يتوقف الإنسان عن البحث عن بطل.

بطل يقوده.

بطل يحميه.

بطل يلهمه.

بطل يختصر له التعقيد في وجه واحد، وصوت واحد، وقصة واحدة.

ولهذا لا تكاد أمة أو جماعة أو مؤسسة أو حتى فريق رياضي يخلو من بطل أو رمز أو شخصية محورية تدور حولها الأنظار.

لكن السؤال الأكثر أهمية ليس:

من هو البطل؟

بل:

لماذا يحتاج الإنسان إلى بطل أصلًا؟

الإنسان يبحث عن اليقين

الحياة معقدة.

والأحداث متشابكة.

والحقائق غالبًا ليست بسيطة.

لكن العقل البشري يحب الاختصار.

ولهذا يميل كثير من الناس إلى اختزال القضايا الكبرى في شخص واحد.

بدل فهم المشروع، يتابعون قائده.

وبدل دراسة الفكرة، يتابعون صاحبها.

وبدل تحليل المؤسسة، يبحثون عن الوجه الذي يمثلها.

وهكذا يولد البطل.

هل يُختار البطل؟

في التصور المثالي، نعم.

يفترض أن يصعد البطل بسبب:

  • الكفاءة.
  • الإنجاز.
  • الحكمة.
  • الشجاعة.
  • القدرة على تحمل المسؤولية.

لكن الواقع أكثر تعقيدًا.

فبعض الأبطال لا يصعدون لأنهم الأفضل.

بل لأنهم الأكثر حضورًا.

أو الأكثر جرأة في التقدم إلى الصف الأول.

أو لأنهم يمتلكون مهارة لفت الانتباه.

وفي اللهجة الشعبية يقال:

"يدفر نفسه."

أي يدفع نفسه نحو الواجهة حتى لو لم تكن مؤهلاته بحجم الموقع الذي وصل إليه.

وهنا يبدأ الخلط بين:

البطل الحقيقي.

وصانع صورة البطل.

السؤال الأخطر

لكن السؤال الأعمق ربما يكون:

لماذا يبدو كثير من الأبطال أضعف مما يتخيله الناس؟

ولماذا ينهار بعضهم بسرعة عند أول اختبار حقيقي؟

الإجابة قد تكون صادمة:

لأن كثيرًا من الأبطال لا يصنعون أنفسهم.

بل تصنعهم الجماهير.

وتصنعهم وسائل الإعلام.

وتصنعهم الحاجة النفسية لدى الناس إلى الإيمان بشخص ما.

فالناس أحيانًا لا يبحثون عن أفضل قائد.

بل عن أكثر شخص يمنحهم الأمل.

ولا يبحثون عن الحقيقة الكاملة.

بل عن قصة جميلة يمكن تصديقها.

البطل الذي يحتاج الجمهور

في أوقات القلق والخوف وعدم اليقين، يزداد الطلب على الأبطال.

ولهذا تظهر الشخصيات الكاريزمية غالبًا في المراحل المضطربة أكثر من المراحل المستقرة.

فالناس لا تبحث عن البطل عندما تكون الأمور واضحة.

بل عندما تصبح الرؤية ضبابية.

وهنا قد تتحول الرغبة في وجود بطل إلى حاجة نفسية جماعية.

تدفع المجتمع أحيانًا إلى تضخيم أشخاص عاديين.

ومنحهم صفات لم يمتلكوها أصلًا.

صناعة البطل

في الماضي كان البطل يُصنع عبر:

المعارك.

والإنجازات.

والتاريخ الطويل.

أما اليوم فقد يُصنع عبر:

منصة.

أو كاميرا.

أو خوارزمية.

أو حملة إعلامية ناجحة.

ولهذا أصبح السؤال أكثر تعقيدًا:

هل البطل هو من صنع الإنجاز؟

أم أن الإنجاز صُنع حول صورة البطل؟

الحقيقة المزعجة

ليس كل مشهور بطلًا.

وليس كل بطل مشهورًا.

فبعض أعظم الأشخاص في التاريخ لم يعرفهم إلا القليل من الناس.

وبعض أكثر الشخصيات شهرة لم تقدم ما يبرر حجم الهالة التي أحاطت بها.

ولهذا فإن نضج المجتمعات لا يظهر في قدرتها على صناعة الأبطال فقط.

بل في قدرتها على التمييز بين:

الرمز والحقيقة.

والصورة والواقع.

والكاريزما والكفاءة.

السؤال الذي يستحق التفكير

ربما لا يكون السؤال الحقيقي:

من هو البطل؟

بل:

لماذا نحتاج إلى بطل أصلًا؟

وهل نبحث عن قائد استثنائي؟

أم نبحث عن شخص نحمل عليه أحلامنا ومخاوفنا وأسئلتنا؟

لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف لنا شيئًا مهمًا:

أحيانًا لا يخبرنا البطل الكثير عن نفسه...

بل يخبرنا الكثير عن الذين صنعوه.

 

ما وراء السؤال

لأن خيطًا غير مرئي جمع ملفات طرحتاها في “بث” بدت متباعدة:

الكرامة 
والعبقرية والجنون 
وصناعة الإدراك 
والإعلام 
والقادة 
والمشاهير 
والمؤثرين.

فكلها تقود إلى سؤال واحد:

هل يبحث الإنسان عن الحقيقة فقط؟

أم يبحث عمّن يجسدها أمامه؟

وكلما تعمقنا في السؤال، بدا أن القضية ليست: لماذا يحتاج الإنسان إلى بطل؟

بل:

لماذا يحتاج الإنسان إلى أن يؤمن بأحد؟

وهنا نغادر السياسة والإعلام إلى منطقة أعمق:

طبيعة الإنسان نفسها.