حروب الكرامة

كتب: عبدالله العميره
الكرامة من أجمل ما يملكه الإنسان، لكنها من أكثر المفاهيم التي يُساء فهمها أحيانًا.
فالعرب يقولون:
"أن تكون وحيدًا خيرٌ لك من أن تكون بديلًا"؛ وهي حكمة تؤكد أن صون الكرامة أولى من البقاء في مكان لا يقدّر الإنسان.
ويقولون أيضًا:
"من هانَ نفسه هان"؛ أي أن من يتنازل عن احترامه لنفسه يسهل على الآخرين الاستهانة به.
لكن بين الكرامة الحقيقية وما يُظن أنه كرامة مسافة كبيرة.
فالكرامة لا تعني العناد، ولا رفض الواقع، ولا الإصرار على الخطأ مهما كانت نتائجه. كما أنها لا تعني قبول الإهانة أو التفريط بالحقوق.
هنا تبدأ المشكلة.
فكثير من الأفراد والجماعات، بل وحتى الدول، خاضوا معارك باسم الكرامة، ثم اكتشفوا متأخرين أن الثمن كان أكبر من المكسب.
ومن الناحية النفسية، قد يتحول الاعتراف بالخطأ أو التراجع عن قرار فاشل إلى أمر مؤلم للكبرياء، فيستمر البعض في طريق الخسارة دفاعًا عن صورة ذهنية، لا عن مصلحة حقيقية.
أما الحكمة فتسأل سؤالًا مختلفًا:
هل الهدف إثبات أننا لم نتراجع؟
أم الوصول إلى نتيجة أفضل؟
فالإنسان الواعي لا يخلط بين الكرامة والغرور، ولا بين العزة والعناد، ولا بين الشجاعة والمغامرة غير المحسوبة.
لذلك فإن الكرامة وحدها لا تحقق النصر دائمًا.
الذي يصنع النصر هو الكرامة حين يقودها العقل، والحكمة حين تحميها من الجهل، والوعي حين يمنعها من التحول إلى حرب مع الذات قبل أن تكون حربًا مع الآخرين.
والتاريخ مليء بالأمثلة.
فهناك أمم خاضت معارك دفاعًا عن كرامتها، لكنها مزجت الشجاعة بالحكمة، فخرجت أكثر قوة واستقرارًا.
وهناك أمم اندفعت تحت تأثير الغضب والعناد، فرفعت راية الكرامة في البداية، ثم وجدت نفسها تدفع أثمانًا أكبر من قدرتها على الاحتمال، لتنتهي إلى واقع أشد قسوة مما أرادت الهروب منه.
ليس كل من قاتل باسم الكرامة انتصر.
بعضهم انتصر لأن الحكمة قادت الكرامة.
وبعضهم هُزم لأن الغضب قادها.
والفرق بين الطريقين قد يحدد مصير فرد... أو أمة كاملة.
وليس كل من قال: "أموت في سبيل كرامتي ولا أعيش مهانًا" قد اختار الطريق الأكثر حكمة.
فالإنسان لا يعيش لنفسه وحدها، بل لأسرته ومجتمعه ومن يأتي بعده. وقد يكون الموت راحة لصاحبه، لكنه يترك وراءه من يتحمل النتائج والإهانات والخسائر.
لذلك فالقضية ليست في طلب الموت أو الحياة، بل في حماية الكرامة بأقل الخسائر وأعظم المكاسب.
فالكرامة التي يقودها العقل تبني مستقبلًا أفضل، أما الكرامة التي يقودها الغضب فقد تنتهي إلى إهانة أكبر مما أرادت الهروب منها.
سأل أميرٌ رجلًا حكيمًا:
أتحب أن تكون شجاعًا أم كريمًا؟
فقال:
بل كريمًا.. فكن كريمًا معي.
أما الشجاعة، فأسأل الله أن يزيدكم قوة، وأن يزيد جيشنا شجاعة.في تلك الإجابة القصيرة، انتصرت الحكمة على الاستعراض، وانتصر العقل على الاندفاع.
فليست الكرامة أن نخسر كل شيء كي لا نتراجع خطوة، بل أن نعرف كيف نحفظ الكرامة ونحفظ معها الإنسان والمستقبل.