عندما يتحدث الإعلام إلى نفسه

news image

كتب: عبدالله العميره

على وقع مقال "بروباغندا الحرب" المنشور في بث، قفز إلى الذهن سؤال لا يقل أهمية عن الحروب نفسها:

هل ما زال الإعلام يتحدث إلى الناس؟

أم أنه أصبح يتحدث إلى نفسه؟

سؤال يبدو بسيطًا.

لكنه قد يفسر جانبًا مهمًا من أزمة الإعلام الحديثة، سواء في المؤسسات الحكومية أو الخاصة، أو حتى في بعض المنصات الدولية الكبرى.

ففي الوقت الذي تضاعف فيه عدد المنصات الإعلامية آلاف المرات، وتدفقت فيه الرسائل والصور والفيديوهات بلا توقف، يبدو أن جزءًا من الإعلام فقد شيئًا جوهريًا:

الجمهور.

ليس بمعنى عدد المتابعين.

بل بمعنى فهم الجمهور.

عصر الوفرة.. وعصر الضياع

لم يكن الوصول إلى الناس أسهل مما هو عليه اليوم.

ولم يكن الوصول إلى عقولهم أصعب مما هو عليه اليوم أيضًا.

ففي الماضي كانت المشكلة:

كيف نصل إلى الجمهور؟

أما اليوم فالسؤال أصبح:

كيف نجعل الجمهور يهتم أصلًا؟

وهنا يبدأ الفرق بين الإعلام الذي يفهم رسالته، والإعلام الذي يكتفي بإرسال الرسائل.

كل يغني على ليلاه

يكفي أن تتجول في عشرات الحسابات الرسمية للوزارات والهيئات والشركات والمؤسسات.

ستجد نشاطًا كبيرًا.

ونشرًا مستمرًا.

وصورًا لا تنتهي.

وجرافيك متنوعًا.

وفيديوهات متلاحقة.

لكن بعد دقائق من المتابعة قد يتسلل سؤال مزعج:

ما الذي بقي في الذاكرة؟

في كثير من الأحيان لا شيء.

ليس لأن الجهد غائب.

بل لأن الرسالة غائبة.

فالمنصة تتحدث.

لكنها لا تتواصل.

تنشر.

لكنها لا تؤثر.

تخاطب الجمهور.

لكنها لا تعرف ماذا يريد الجمهور.

المنصة أم التقرير الإداري؟

بعض المنصات تبدو وكأنها لم تُنشأ للجمهور أصلًا.

بل لإثبات أن الجهة تعمل.

وكأن المهمة الحقيقية هي إنتاج محتوى يمكن إضافته إلى تقرير شهري أو عرض تقديمي داخلي.

عدد المنشورات.

عدد الصور.

عدد التصاميم.

عدد الفيديوهات.

أما السؤال الأهم:

هل أحدثت أثرًا؟

فنادراً ما يُطرح.

وهنا تتحول المنصة من وسيلة إعلام إلى لوحة إعلانات إلكترونية.

البروباغندا الذاتية

في الحروب، تمارس الدول البروباغندا لإقناع الآخرين.

أما بعض المؤسسات فتمارس نوعًا آخر من البروباغندا.

إنها تحاول إقناع نفسها.

كل خبر إنجاز تاريخي.

وكل مشروع استثنائي.

وكل تصريح حدث عالمي.

وكل صورة تستحق الاحتفال.

ومع مرور الوقت يفقد الجمهور اهتمامه.

ليس لأنه ضد المؤسسة.

بل لأنه لا يجد قيمة مضافة.

فالجمهور لا يبحث عن التلميع.

بل عن الفائدة.

ولا يبحث عن الضجيج.

بل عن المعنى.

الصورة التي لا تقول شيئًا

من أكثر الظواهر انتشارًا اليوم:

صور مزدحمة.

جرافيك معقد.

ألوان متصارعة.

عناوين طويلة.

ومحتوى يحتاج إلى شرح أكثر من حاجته إلى النشر.

وكأن بعض القائمين على المنصات يعتقدون أن كثرة العناصر تعني قوة الرسالة.

بينما الحقيقة الإعلامية تقول العكس تمامًا.

كلما ازدادت الفوضى البصرية، ضعفت الفكرة.

وكلما ازدادت الفكرة وضوحًا، قلّت حاجتها إلى الزينة.

أزمة ليست تقنية

المشكلة ليست في المنصات.

وليست في الذكاء الاصطناعي.

وليست في أدوات التصميم.

وليست في قلة الميزانيات.

المشكلة غالبًا في غياب العقل الإعلامي القادر على الإجابة عن سؤال واحد:

لماذا سينشغل الناس بما ننشره؟

هذا السؤال وحده يفرق بين الإعلام والعلاقات العامة.

وبين الرسالة والضجيج.

وبين التأثير والظهور.

ماذا يريد الناس؟

كثير من المؤسسات تسأل:

ماذا نريد أن نقول؟

لكن المؤسسات الذكية تسأل أولًا:

ماذا يريد الناس أن يعرفوا؟

ثم تبحث عن نقطة الالتقاء بين المعلومة والجمهور.

وهنا تبدأ صناعة التأثير.

لا صناعة المحتوى.

الإعلام الذي يقود

في زمن الوفرة الإعلامية، لم يعد التحدي أن تتحدث.

فالجميع يتحدث.

ولم يعد التحدي أن تنشر.

فالجميع ينشر.

بل أصبح التحدي الحقيقي:

أن تقول شيئًا يستحق أن يُسمع.

ولهذا فإن الإعلام الذي يكتفي بترديد صوته لنفسه، سيظل يدور في دائرة مغلقة.

أما الإعلام الذي يفهم جمهوره، ويعرف كيف يحترم عقله ووقته واهتماماته، فهو الذي سيقود المشهد.

لا لأنه الأعلى صوتًا.

بل لأنه الأكثر معنى.

--

في زمن تتكاثر فيه المنصات كل يوم، لم تعد المشكلة في نقص الرسائل.

بل في ندرة الرسائل التي تستحق أن تصل.

فالإعلام الذي يتحدث إلى نفسه قد يملأ الشاشات.

لكنه نادرًا ما يملأ العقول.