بروباغندا الحرب

news image

 

كتب: عبدالله العميره

في الجزيرة العربية، يردد كبار السن مثلًا نجديًا قديمًا يقول:

"نصف الحرب دهولة."

ويُروى أحيانًا بلفظ آخر: "نصف الحرب هيلمة."

والمقصود بالدهولة أو الهيلمة ليس القتال نفسه، بل الضجيج المصاحب له:

الاستعراض.

والتهويل.

ورفع الصوت.

وإيهام الخصم بأن القوة أكبر مما هي عليه.

إنه وصف مبكر لما نسميه اليوم:

الحرب النفسية.

وقد فهم الأوائل هذه الحقيقة قبل أن تولد الفضائيات، وقبل أن تظهر وسائل التواصل الاجتماعي، وقبل أن تتحول الجيوش إلى مؤسسات إعلامية تمتلك أقسامًا متخصصة في صناعة الإدراك.

ولهذا كان أهل الخبرة يقولون دائمًا:

"الأولون ما تركوا للآخرين شيئًا."

فالكثير مما نراه اليوم بأسماء حديثة، عرفته البشرية بأسماء أخرى منذ قرون.

الحرب التي تُبث قبل أن تُخاض

الحرب الحديثة لا تبدأ بإطلاق النار.

بل تبدأ غالبًا بإطلاق الرواية.

قبل الصاروخ هناك تصريح.

وقبل الغارة هناك تسريب.

وقبل الانفجار هناك كاميرا.

كل طرف يحاول أن ينتصر في وعي جمهوره قبل أن ينتصر في الميدان.

ولهذا لا تصبح المعركة بين جيشين فقط.

بل بين روايتين.

وبين صورتين.

وبين حجمين مختلفين من التهويل.

بين الصاروخ والصوت

وأنا أتابع المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تذكرت ذلك المثل النجدي القديم.

خلال ساعات:

صواريخ من هنا.

وغارات من هناك.

وتهديدات متبادلة.

وتصريحات متلاحقة.

وضجيج إعلامي لا يتوقف.

لكن عندما يحاول المرء أن ينظر إلى النتائج الفعلية بعيدًا عن الأصوات المرتفعة، يجد نفسه أمام سؤال مختلف:

هل حجم التأثير يساوي حجم الضجيج؟

أم أن الضجيج أصبح أحيانًا أكبر من الحدث نفسه؟

لا أقلل من خطورة الحرب.

ولا من آثارها السياسية والعسكرية.

لكنني أتحدث عن ظاهرة أخرى:

بروباغندا الحرب.

ذلك التضخيم الذي يجعل بعض الصواريخ تبدو وكأنها نهاية العالم.

ويجعل بعض الضربات تبدو وكأنها حسمت المعركة.

بينما تستمر الحرب في اليوم التالي وكأن شيئًا لم يُحسم.

مصارعة من نوع آخر

أحيانًا يبدو المشهد أقرب إلى حلبة مصارعة.

لكن ليست المصارعة التقليدية.

بل ما يشبه "مصارعة الصفع".

ضربة هنا.

وضربة هناك.

وصوت مرتفع.

وجمهور متحمس.

وضجيج كبير.

لكن الحسم الحقيقي لا يظهر.

بعض الصواريخ تقطع مئات الكيلومترات.

وتملأ الشاشات.

لكن أثرها الفعلي قد يكون أقل بكثير من أثرها النفسي.

وفي المقابل، تنفذ إسرائيل ضربات أكثر إيلامًا من الناحية العسكرية، لكنها لا تنهي المشكلة، ولا توقف البرنامج الصاروخي، ولا تمنع استمرار المواجهة.

فتبقى الأسئلة معلقة.

أين الحسم؟

وأين القوة التي يتحدث عنها الجميع؟

الجمهور المستدرج

المشكلة لا تكمن في الجيوش فقط.

بل في الجماهير أيضًا.

فالحرب النفسية لا تستهدف الخصم وحده.

بل تستهدف المتابعين.

تستهدف مشاعرهم.

وأحلامهم.

ورغبتهم في رؤية بطل خارق ينتصر نيابة عنهم.

ولهذا رأينا خلال السنوات الماضية جماهير عربية تتعامل مع بعض قادة الميليشيات كما لو كانوا أبطالًا أسطوريين.

صواريخ تُطلق.

خطابات حماسية تُلقى.

وصور تُعلق على الجدران.

لكن السؤال الذي كان يغيب غالبًا:

من سيدفع الثمن؟

في كثير من الأحيان لم تكن المدن التي تُطلق منها الشعارات هي التي تتلقى الضربات.

ولم يكن الذين يرفعون الأصوات هم الذين يتحملون كلفة الدمار.

كان الثمن يدفعه الناس العاديون.

والدول الضعيفة.

والمجتمعات التي تتحول إلى ساحات مفتوحة للصراعات.

الشجاعة المؤجلة

إطلاق الصواريخ ليس دائمًا دليل شجاعة.

كما أن رفع الصوت ليس دائمًا دليل قوة.

الشجاعة الحقيقية تبدأ بعد إطلاق الصاروخ.

عندما يأتي وقت الحساب.

وعندما تظهر النتائج.

وعندما يُسأل القادة:

وماذا بعد؟

فالحروب لا تُقاس بلحظة الإطلاق.

بل بلحظة النهاية.

والقائد الحقيقي ليس من يعرف كيف يبدأ المعركة فقط.

بل من يعرف كيف يُنهيها.

السلام وسط الركام

ومن أكثر المفارقات التي تستحق التأمل أن الجميع يتحدث عن النصر.

لكن الجميع يعود في النهاية إلى الطاولة.

بعد الصواريخ.

وبعد الغارات.

وبعد البيانات النارية.

وبعد حملات التعبئة.

يعود الجميع إلى المكان نفسه:

المفاوضات.

وهنا يبرز سؤال بسيط ومزعج:

إذا كانت النهاية دائمًا عند الطاولة، فلماذا يصر البعض على المرور بكل هذا الركام قبل الوصول إليها؟

  --

في زمن الصواريخ الذكية، ما زال بعض الناس يصدقون الضجيج أكثر من النتائج.

وما زالت بعض الحروب تُخاض في العقول أكثر مما تُخاض في الميدان.

أما الحقيقة البسيطة التي عرفها الأجداد منذ زمن بعيد فهي:

نصف الحرب دهولة.. أما النصف الآخر فهو عقل يعرف متى يصدقها ومتى يتجاوزها.

 

مأساة هزلية.

صورة تجمع بين الضجيج والخراب، وبين الأبطال على الشاشات والضحايا على الأرض.

صورة مرعبة ومضحكة في آن واحد.

تجمع بين العبث والدمار، وبين البطولة المتخيلة والخراب الحقيقي.

مسرحية تتكرر بأسماء مختلفة، بينما يبقى الأبرياء هم الخاسر الأكبر.

فمن لا يستطيع إيقاف المأساة، لا يستطيع صناعة السلام.

 

صورة من صور العبث البروباغندي.

شرارة في الضاحية.

تتبعها دفعات من الصواريخ الإيرانية باتجاه إسرائيل.

ثم احتفالات وخطابات تتحدث عن "النصر" و"القدرة على الدفاع عن حزب الله".

لكن المشهد لا يلبث أن ينقلب سريعًا.

ضربات إسرائيلية أشد تأثيرًا تتوالى داخل إيران.

ثم يأتي الإعلان الإيراني:

"انتهت عملياتنا ضد إسرائيل."

وهنا يتوقف المتابع أمام سؤال بسيط:

إذا كانت المعركة قد انتهت بهذه السرعة، فمن انتصر فعلًا؟

أم أننا أمام فصل جديد من المأساة الهزلية التي يعلو فيها صوت البروباغندا أكثر من صوت النتائج؟