صناعة الوهم
لماذا تجد الخرافة والشعوذة والسحر بيئاتها المفضلة؟
إعداد وتحليل
إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
حين يسمع الناس كلمة "الخرافة"، يتبادر إلى أذهانهم غالبًا:
ساحر.
مشعوذ.
قارئ كف.
أو شخص يبيع الوهم للآخرين.
لكن هذه ليست بداية القصة.
بل نهايتها.
أما البداية الحقيقية فتبدأ بسؤال مختلف:
لماذا تتحول الخرافة في بعض البيئات إلى اعتقاد اجتماعي واسع؟
فالمشكلة ليست في وجود مشعوذ يبيع الوهم فقط.
بل في مجتمع، أو شريحة واسعة منه، تتعامل مع السحر والخرافة كاحتمال قابل للتصديق، وربما كوسيلة لتفسير الفشل أو المرض أو الخلاف أو الحسد أو التعثر.
وأحيانًا لا يقتصر الأمر على قبول المجتمع وحده، بل يمتد إلى تساهل بعض المؤسسات أو القوى النافذة مع هذه الظواهر، أو استثمارها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بما يسمح باستمرارها وتوسع تأثيرها.
وهنا لا تعود الخرافة قصة عن محتالين فقط.
بل تصبح مرآة لمستوى الوعي، وحجم الثقة بالعلم، وقوة التعليم، وحضور التفكير النقدي داخل المجتمع.
فحين يضعف الوعي، لا يحتاج الوهم إلى جهد كبير كي ينتشر.
يكفي أن يجد خوفًا جاهزًا، وجهلًا قابلًا للتصديق، وحاجة تبحث عن تفسير سريع.
لكن الخطر الأكبر يبدأ عندما تغادر الخرافة هوامش المجتمع، وتنتقل من بعض الفئات المحدودة إلى دوائر أكثر تأثيرًا، كالرياضة والفن والإعلام والشخصيات العامة.
فعندما يؤمن من يُنظر إليهم بوصفهم قدوات أو مؤثرين بالشعوذة والسحر والتفسيرات الخرافية، تصبح مهمة الوعي أكثر صعوبة، لأن الوهم لا يعود ينتشر بين الناس فقط، بل يكتسب شرعية اجتماعية غير مستحقة عبر منابر التأثير والشهرة.
عندما يبحث الإنسان عن مخرج
في المجتمعات المستقرة، يلجأ الناس عادة إلى:
العلم.
والقانون.
والمؤسسات.
والخبراء.
أما في البيئات التي يكثر فيها القلق والفقر والانقسام وضعف الثقة، فإن بعض الناس يبدأون بالبحث عن طرق أخرى.
ليس لأنهم أقل ذكاءً.
بل لأنهم أكثر يأسًا.
فالإنسان الذي يشعر أنه فقد السيطرة على واقعه يصبح أكثر استعدادًا لتصديق أي وعد بالخلاص.
وهنا تبدأ الخرافة عملها.
لا باعتبارها معرفة.
بل باعتبارها أملًا سريعًا.
الخرافة واليأس
الخرافة ليست ابنة الفقر وحده.
وإن كانت تجد في الفقر بيئة مناسبة أحيانًا.
لكنها كثيرًا ما تزدهر حيث يضعف الأمل، وتتراجع الثقة بالعلم والمؤسسات، ويشعر الإنسان أن قدرته على تغيير واقعه محدودة.
ولهذا لا يبدو غريبًا أن تنتشر الخرافة في بيئات تعاني أزمات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، أو في مجتمعات تعيش حالة من الإحباط أو الانقسام أو التراجع الحضاري.
فالمشكلة ليست في مستوى الدخل فقط.
بل في مستوى الشعور بالقدرة على التأثير في الحياة.
ولهذا يمكن القول:
الخرافة لا تزدهر حيث يكثر الفقراء فقط.. بل حيث يكثر اليائسون.
الفقر وحده لا يكفي
هنا تظهر مفارقة مهمة.
فلو كان الفقر وحده سبب الخرافة، لاختفت من الدول الغنية.
لكن الواقع يقول غير ذلك.
في بعض الدول المتقدمة نجد أشكالًا أخرى من الخرافة:
الأبراج.
الطاقة الغامضة.
المعالجين الوهميين.
ونظريات تفسر العالم كله بقوة خفية أو مؤامرة واحدة.
الأسماء تختلف.
لكن الآلية النفسية متشابهة.
فالإنسان في كل مكان يميل أحيانًا إلى الإجابات السهلة للأسئلة المعقدة.
الخرافة والعقل المسرنم
ليست كل العقول تتعامل مع المعلومات بالطريقة نفسها.
فهناك عقل ناقد يسأل ويتحقق ويبحث عن الدليل.
وهناك عقل متردد يتأرجح بين التصديق والشك.
لكن الخرافة تجد بيئتها المفضلة لدى ما يمكن تسميته بالعقل المسرنم.
وهو العقل الذي لا يراجع الفكرة بقدر ما يستجيب لها.
ولا يسأل:
هل هذا صحيح؟
بقدر ما يسأل:
من الذي قاله؟
ولا يبحث عن الدليل بقدر ما يبحث عن الانتماء.
ولهذا تصبح الخرافة أكثر قدرة على الانتشار في البيئات التي يضعف فيها التفكير النقدي، ويقوى فيها التقليد الأعمى، ويحل الانفعال محل التحليل.
وفي مثل هذه البيئات، لا يقتصر الأمر على السحر والشعوذة.
بل يمتد إلى السياسة.
والإعلام.
والتعصب.
ونظريات المؤامرة المطلقة.
وكل الأفكار التي تطلب الإيمان بها قبل فهمها.
من المستفيد؟
هنا تبدأ زاوية أخرى من القصة.
فالخرافة ليست مجرد اعتقاد.
بل قد تتحول إلى صناعة.
هناك من يربح منها.
وهناك من يبني نفوذًا من خلالها.
وهناك من يفضل بقاء الناس منشغلين بالأوهام بدلًا من طرح الأسئلة الحقيقية.
فالإنسان الواعي يسأل:
لماذا؟
وكيف؟
وأين الدليل؟
أما الإنسان الغارق في الخرافة، فيبحث غالبًا عن التصديق أكثر من البحث عن الحقيقة.
ويرى بعض الباحثين أن معركة الوعي ليست مع المشعوذ وحده، بل مع كل بيئة تسمح للخرافة بأن تتحول إلى بديل عن المعرفة.
الوجه الآخر للخرافة
يبقى سؤال أكثر إزعاجًا من الخرافة نفسها:
لماذا يتعمد بعض الناس إيذاء الآخرين باسم السحر والشعوذة؟
فمعظم الروايات المرتبطة بالسحر لا تدور حول النجاح أو البناء أو المعرفة.
بل تدور حول:
التفريق.
والكراهية.
والانتقام.
والتعطيل.
وإلحاق الضرر بالآخرين.
وهنا لا تصبح القضية مجرد اعتقاد.
بل تتحول إلى سلوك يكشف شيئًا أعمق في النفس البشرية.
ففي كثير من الأحيان، لا يكون الدافع البحث عن منفعة حقيقية، بقدر ما يكون الرغبة في حرمان الآخرين من النجاح أو الاستقرار أو السعادة.
ولهذا تتكرر في هذا العالم مشاعر:
الحسد.
والغيرة.
والكراهية.
والرغبة في السيطرة.
والعجز عن المنافسة الشريفة.
وعندما تجتمع هذه المشاعر مع الجهل والخرافة، تظهر بيئة تسمح لمثل هذه الممارسات بالانتشار.
لماذا تستمر؟
لأن الخرافة لا تعيش وحدها.
بل تتغذى على الخوف.
فكلما ازداد خوف الناس من المجهول، اتسعت مساحة المشعوذين.
وكلما ضعف الوعي، زادت قدرة الدجالين على بيع الوهم.
ولهذا فإن أخطر ما يملكه المشعوذ ليس ما يدّعي امتلاكه من قدرات.
بل الخوف الذي يزرعه في عقول الآخرين.
ما العلاج؟
مواجهة الخرافة لا تبدأ بملاحقة المشعوذين فقط.
بل تبدأ ببناء الإنسان.
بالعلم.
وبالوعي.
وبالثقة بالله.
وبتعزيز التفكير النقدي.
وبترسيخ ثقافة المسؤولية الشخصية.
فكلما ارتفع الوعي، ضاقت المساحة التي يتحرك فيها الوهم.
وكلما ازداد الإيمان الصحيح، تراجع الخوف من الدجالين والمشعوذين.
السمعة التي لا تُرى
لا تتوقف آثار الخرافة عند الداخل.
فالمجتمعات التي تشتهر بالسحر والشعوذة والدجل تدفع ثمنًا آخر.
ثمنًا يتعلق بالصورة الذهنية.
فالعالم لا ينظر فقط إلى الاقتصاد أو السياسة.
بل ينظر أيضًا إلى مستوى الوعي.
وحين يرتبط مجتمع ما بالخرافة أكثر من ارتباطه بالعلم والإبداع، فإن ذلك يترك أثرًا يتجاوز حدود الظاهرة نفسها.
فسمعة المجتمعات لا تُبنى بما تنتجه من سلع فقط.
بل بما تنتجه من أفكار أيضًا.
القصة الحقيقية
ربما لا تكون القصة قصة سحر.
ولا شعوذة.
ولا مشعوذين.
بل قصة وعي وضعف وعي.
وقصة إنسان يبحث عن اليقين في زمن القلق.
ويبحث عن الأمل في زمن الإحباط.
ويبحث عن تفسير بسيط لعالم أصبح أكثر تعقيدًا.
ولهذا فإن مواجهة الخرافة لا تبدأ بمحاربة المشعوذين فقط.
بل ببناء الإنسان.
وتعزيز الوعي.
وتحسين التعليم.
وترسيخ التفكير النقدي.
وإعادة الثقة بين الفرد ومؤسسات المجتمع.
ومضة
الخرافة لا تنتصر لأنها أقوى من الحقيقة.
بل لأنها تجد أحيانًا بيئة تسمح لها بالعيش.
وحين يرتفع الوعي، يصبح الوهم أضعف.
ويصبح السحر مجرد قصة.
ويصبح الدجل تجارة خاسرة.
صاعقة
السحر لم يُفقر الدول.
لكن الدول الفقيرة بالوعي هي التي تُغني السحرة.
هذه الجملة الأخيرة أراها تحمل روح التقرير كله.
وفي النهاية، يبقى جوهر الوعي والإيمان أن النافع والضار هو الله وحده، وأنه لا يملك أحد من الخلق نفعًا أو ضرًا إلا بإذنه سبحانه. ولذلك لا يخشى المؤمن مشعوذًا ولا ساحرًا، بل يتمسك بيقينه بالله، ويأخذ بالأسباب المشروعة، ويعلم أن الأوهام لا تقوى أمام قلب امتلأ إيمانًا وثقةً بربه.
وقد صدقت الحكمة القديمة حين قالت:
"كذب المنجمون ولو صدقوا".
تنويه أخير:
لا تلاحق BETH المشعوذين، بل تلاحق الأسباب التي تجعل بعض المجتمعات تصدّقهم.
BETH (بث B) – All rights reserved