لماذا يحتاج الإنسان إلى عدو؟

news image

السلام وصناعة العدو

إعداد وتحليل
إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

منذ آلاف السنين، تتكرر الحروب وتتبدل التحالفات وتتغير الأسماء، لكن سؤالًا واحدًا ظل حاضرًا في خلفية المشهد الإنساني:

لماذا يحتاج الإنسان إلى عدو؟

للوهلة الأولى يبدو السؤال بسيطًا.

لكن ربما تكمن أهميته في أنه ليس سؤالًا يبحث عن إجابة مباشرة، بل سؤال يحتاج إلى تفكيك.

فهل يحتاج الإنسان فعلًا إلى عدو؟

أم أنه يحتاج إلى شيء آخر، ثم يطلق عليه اسم "العدو"؟

السلام.. لماذا؟

السلام ليس مجرد غياب للحرب.

وليس هدنة مؤقتة بين خصمين.

السلام في جوهره قدرة الإنسان على توجيه طاقته نحو البناء بدل الهدم، ونحو المستقبل بدل الخوف.

فالحروب قد تحقق انتصارات عسكرية.

لكن السلام هو الذي يبني الحضارات.

ويصنع الاقتصاد.

ويطور المعرفة.

ويمنح الأجيال فرصة للحياة.

ولهذا لم يكن السلام يومًا نقيض القوة.

بل أحد أرقى أشكال استخدامها.

صناعة العدو.. لماذا؟

المفارقة أن الإنسان لا يولد وهو يبحث عن عدو.

فالطفل لا يعرف العداوات.

والإنسان في لحظات الحب والإبداع والبناء لا يبحث عن خصم.

والحضارات في مراحل ازدهارها تنشغل بما تريد أن تصبح عليه أكثر مما تنشغل بمن تكره.

فمن أين يأتي العدو؟

هل هو اكتشاف؟

أم اختراع؟

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.

هل يحتاج الإنسان إلى عدو؟

ربما لا يحتاج الإنسان إلى عدو بقدر ما يحتاج إلى تفسير.

حين يعجز عن فهم الخوف.

أو تفسير الفشل.

أو مواجهة القلق.

يبحث أحيانًا عن إطار يضع فيه هذه المشاعر.

فيظهر "العدو" بوصفه تفسيرًا جاهزًا للعالم.

فبدل مواجهة الأسئلة الصعبة، يصبح من الأسهل تعليق المشكلات على طرف آخر.

وهنا لا يعود السؤال:

لماذا يوجد عدو؟

بل:

لماذا نحتاج إلى تفسير مريح؟

العدو بوصفه مرآة

هناك احتمال أكثر إزعاجًا.

ماذا لو كان العدو مجرد مرآة؟

فالإنسان لا يكره الآخر دائمًا لأنه مختلف.

بل أحيانًا لأنه يكشف شيئًا لا يريد رؤيته في نفسه.

ولهذا فإن بعض الصراعات لا تدور بين متناقضات.

بل بين أطراف متشابهة أكثر مما تعتقد.

وكأن الإنسان يطارد جزءًا من ذاته ثم يمنحه اسمًا آخر.

الهوية والعدو

عبر التاريخ، بنت جماعات ودول كثيرة هويتها من خلال المقارنة.

نحن ولسنا هم.

داخل وخارج.

صديق وعدو.

وهنا يتحول العدو أحيانًا من خصم إلى أداة تعريف.

لكن السؤال الأعمق يبقى:

هل يمكن بناء هوية قوية دون الحاجة إلى خصم دائم؟

وهل تبنى الأمم العظيمة على المشاريع؟

أم على العداوات؟

الإعلام وصناعة العدو

الإعلام قادر على كشف الأخطار.

وقادر أيضًا على تضخيمها.

وقادر على تفسير الأحداث.

وقادر كذلك على اختزال العالم في معركة بين أخيار وأشرار.

وحين يفقد الإعلام توازنه، يتحول العدو من واقع يحتاج إلى فهم، إلى سلعة تُباع للجمهور.

فيكبر الخوف.

ويصغر التفكير.

ويصبح الغضب أسرع من الفهم.

العدو الحقيقي والعدو المتخيّل

ليس كل عدو وهمًا.

فالتاريخ مليء بالصراعات الحقيقية.

والمصالح المتعارضة.

والأطماع.

والتآمر.

لكن الخطر يبدأ عندما يتحول كل اختلاف إلى عداوة.

وكل أزمة إلى مؤامرة.

وكل نقد إلى تهديد.

هنا يصبح العدو وظيفة نفسية أكثر منه واقعًا موضوعيًا.

ويصبح السؤال:

هل نواجه عدوًا حقيقيًا؟

أم نهرب من مواجهة أنفسنا؟

أخطر عدو

ربما لا يكون أخطر عدو هو الطرف الآخر.

بل العقل الذي لا يستطيع العيش دون عدو.

العقل الذي يحتاج إلى خصم دائم كي يبرر أخطاءه.

ويفسر تأخره.

ويعفي نفسه من النقد والمراجعة.

فهذا العقل لا يصنع سلامًا.

ولا يصنع تقدمًا.

لأنه ما زال يبحث عن الآخرين قبل أن يبحث عن نفسه.

ماذا يخسر الإنسان عندما يفقد عدوه؟

قد يبدو السؤال غريبًا.

لكن كثيرًا من الأفراد والجماعات وحتى الدول اعتادت تعريف نفسها من خلال خصومها.

ولهذا يصبح غياب العدو أحيانًا أزمة هوية.

كأن بعض الناس يعرفون من يكرهون أكثر مما يعرفون ما الذي يريدونه.

وهنا تظهر المفارقة:

ربما لا يحتاج الإنسان إلى عدو.

بل إلى مشروع.

إلى معنى.

إلى قضية.

إلى هدف أكبر من الكراهية.

فحين يغيب المشروع، يحل العدو مكانه.

وحين يغيب الأمل، تصبح العداوة نشاطًا يوميًا.

الخلاصة

ربما يكون السؤال نفسه بحاجة إلى مراجعة.

فالسؤال ليس:

لماذا يحتاج الإنسان إلى عدو؟

بل:

هل يحتاج إليه فعلًا؟

أم أن العدو، في كثير من الأحيان، ليس سوى اسم مؤقت لأشياء أخرى:

الخوف.

والفراغ.

والبحث عن المعنى.

والهروب من الذات.

والعجز عن بناء مشروع يستحق الانشغال به.

الحرب قد تحتاج إلى عدو.

أما السلام، فيحتاج إلى إنسان يعرف ماذا يريد.

صنّاع العداوة

قد يكون السؤال الأهم:

لماذا يسهل إشعال العداوة، بينما يصعب بناء السلام؟

فالعداوة تحتاج إلى شرارة، أما السلام فيحتاج إلى وعي وصبر وثقة وحكمة.

ولهذا فإن إشعال النزاعات قد يستغرق لحظات، بينما قد تحتاج معالجتها إلى سنوات أو حتى أجيال.

ولعل الأمثال الشعبية لخصت جانبًا من هذه الحقيقة:

"الإنسان عدو ما جهل"؛ فكثير من العداوات تبدأ من الجهل وسوء الفهم أكثر مما تبدأ من الخطر الحقيقي.

و**"ما كل أبيض شحم وما كل أسود فحم"**؛ فالحياة أكثر تعقيدًا من التصنيفات السريعة التي تقسم العالم إلى أخيار وأشرار.

أما "خطّ في ماء، واقرص في حجر" فيذكرنا بأن بعض الناس يبنون عداواتهم على أسباب عابرة، ثم يتمسكون بها وكأنها حقائق خالدة.

وربما لهذا يكثر في التاريخ من يعرفون كيف يشعلون النيران، بينما يقل من يعرفون كيف يطفئونها.

فبناء الجسور أصعب دائمًا من بناء المتاريس.

إشارة

يتحرك هذا التقرير في فضاء النفس البشرية، والاجتماع، والسياسة، والإعلام، وصناعة الإدراك.

ولا يناقش العداوة للشر أو الظلم أو معصية الله، بل يتناول العداوات التي يصنعها البشر أو يوسعونها أو يتغذون عليها، حتى تتحول أحيانًا من وسيلة إلى غاية، ومن رد فعل إلى أسلوب حياة.

BETH (بث B) – All rights reserved