من يخدع من؟
من الثور الأسود إلى الأبيض
إعداد وتحليل
إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
في السياسة، كما في الحياة، ينجذب الناس دائمًا إلى السؤال الخطأ.
يسألون:
من هو العدو؟
من هو المعتدي؟
من هو الأقوى؟
ومن هو الأضعف؟
لكن التاريخ، في كثير من الأحيان، كان يكتب قصة مختلفة تمامًا.
فالسؤال الحقيقي لم يكن يومًا:
من هو الأسد؟
بل:
لماذا وافقت الثيران على أكل الثور الأول؟
الحكاية التي لم تغادر السياسة
يحفظ كثيرون قصة الثور الأبيض.
كما يعتنق بعضهم فكرة المؤامرة على وجهها المطلق، وكأن العالم تحركه يد واحدة، بينما يكشف التاريخ أن كثيرًا من السقوط بدأ من داخل القطيع قبل أن يأتيه العدو من خارجه.
الأسد لم يبدأ بالأقوى.
ولم يبدأ بالجميع.
بدأ بواحد.
ثم أقنع الآخرين أن الأمر لا يعنيهم.
وحين جاء دورهم، كان الأوان قد فات.
ولهذا أصبحت العبارة الشهيرة:
"أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض."
لكن المثير أن معظم الناس يتذكرون نهاية القصة.
وقليلون يتوقفون عند بدايتها.
فالمشكلة لم تكن في قوة الأسد.
بل في قبول الثيران بالتفكك.
من هو الثور الأبيض؟
في الواقع، لا يوجد ثور أبيض دائم.
ولا ثور أسود دائم.
الألوان تتغير.
والأدوار تتبدل.
والدول التي تتفرج اليوم قد تصبح غدًا في موقع المتفرَّج عليه.
ولهذا فإن البحث عن أسماء محددة قد يكون أقل أهمية من فهم الظاهرة نفسها.
الثور الأبيض في السياسة هو:
الدولة التي تُترك وحدها.
أو القضية التي يتخلى عنها الجميع.
أو الحليف الذي يُعتقد أن سقوطه لن يؤثر على الآخرين.
وفي كل مرة يقتنع الباقون بذلك، تبدأ القصة من جديد.
من أقنع الثيران؟
هذا هو السؤال الأخطر.
لأن الأسد لا ينجح وحده.
فقوة الأسد ليست في مخالبه فقط.
بل في قدرته على جعل الآخرين يقتنعون بأن الخطر لا يخصهم.
أحيانًا يفعل ذلك بالخوف.
وأحيانًا بالمصلحة.
وأحيانًا بالطمع.
وأحيانًا بالوعود.
وأحيانًا بالخلافات الصغيرة التي تتحول إلى جدران كبيرة.
ولذلك فإن أعظم الانتصارات الاستراتيجية في التاريخ لم تبدأ في الميدان.
بل بدأت في العقل.
هل تؤكل الدول بالقوة؟
التاريخ يقول:
نادرًا.
فمعظم الدول الكبرى لم تسقط بسبب الضربة الأولى.
بل بسبب التآكل البطيء.
الإمبراطوريات لا تبدأ بالسقوط عندما يظهر العدو.
بل عندما تتآكل الثقة بين مكوناتها.
عندما تتراجع الرؤية المشتركة.
وعندما تصبح الخلافات الداخلية أهم من التحديات الخارجية.
عندها يصبح العدو مجرد مستثمر في وضع قائم.
لا صانعًا له.
من استفاد من انشغال الثيران؟
عبر التاريخ، كانت هناك دائمًا قوى تستفيد من الانقسام.
لكن الخطأ الشائع هو الاعتقاد أن المستفيد طرف واحد.
في الواقع، غالبًا ما يستفيد أكثر من لاعب.
خصوم.
وحلفاء.
وتجار.
ومصنعو سلاح.
وسياسيون.
وأحيانًا حتى أطراف تدّعي أنها جاءت لإنقاذ الموقف.
ولهذا فإن السؤال ليس:
من استفاد؟
بل:
لماذا أصبح الانقسام أصلًا قابلًا للاستثمار؟
هل تتكرر القصة في التحالفات الدولية؟
الإجابة المزعجة: نعم.
لكن بصورة أكثر تعقيدًا.
فالعالم الحديث لا يعمل بمنطق الصديق الدائم أو العدو الدائم.
بل بمنطق المصالح الدائمة.
ولهذا قد ترى دولًا تختلف في العلن وتتعاون في ملفات معينة.
وقد ترى حلفاء يختلفون في الخفاء أكثر مما يختلف الخصوم.
وقد ترى صراعات حقيقية، لكنها لا تصل إلى نهايتها لأن بعض الأطراف تستفيد من بقائها تحت السيطرة.
ولهذا فإن فهم السياسة الدولية يبدأ عندما نتوقف عن البحث عن الأبطال والأشرار، ونبدأ في فهم المصالح.
الخليج والسؤال المؤجل
هنا نعود إلى منطقتنا.
فبعد عقود من التوترات والصراعات، يبقى سؤال قديم حاضرًا:
ماذا لو تحقق مشروع الاتحاد الخليجي الذي دعا إليه الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود؟
لا أحد يستطيع الجزم بما كان سيحدث.
لكن المؤكد أن فكرة الاتحاد لم تكن اقتصادية فقط.
بل كانت قراءة مبكرة لمستقبل مضطرب.
كانت محاولة للانتقال من التعاون إلى الكتلة.
ومن التنسيق إلى القرار المشترك.
ومن رد الفعل إلى صناعة التوازن.
لكن المشروع لم يكتمل.
وبقي الخليج قويًا اقتصاديًا، ومؤثرًا سياسيًا، ومتقدمًا تنمويًا.
غير أن سؤال الكتلة الواحدة ظل معلقًا.
وكل أزمة جديدة تعيده إلى الطاولة من جديد.
أين أمريكا؟
السؤال الشعبي الشائع يقول:
إذا كانت أمريكا حليفًا قويًا، فلماذا لا تنهي الخطر نهائيًا؟
لكن هذا السؤال يفترض أن هدف القوى الكبرى هو إنهاء كل المخاطر.
بينما التاريخ يقول إن القوى الكبرى تدير المخاطر أكثر مما تلغيها.
فالولايات المتحدة ليست جمعية خيرية.
وليست عدوًا تلقائيًا.
هي دولة عظمى تدافع عن مصالحها.
وقد تتقاطع مصالحها مع مصالح حلفائها.
وقد تختلف.
وهذا ليس استثناءً أمريكيًا.
بل قاعدة عرفها العالم منذ آلاف السنين.
وهنا تسقط مقولة "ماما أمريكا"؛ فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على الأمومة، بل على المصالح.
أين إيران؟
النظام في إيران ليس وهمًا.
وليس اختراعًا إعلاميًا.
بل هو واقع قائم منذ فبراير 1979.
نظام يحكم دولة ؛ لديه مشروع يتكئ عليه، بغضّ النظر عن الموقف منه؛ إصلاحًا كان أم عبثًا.
ومن يريد فهم إيران، عليه أن ينظر إلى ما يحكم سلوكها على الأرض، لا إلى ما يظهر منها في الخطابات وحدها.
السؤال ليس هل تشكل تحديًا أم لا.
بل:
كيف تعاملت المنطقة مع هذا التحدي؟
وهل كانت الاستجابة دائمًا بحجم التحدي؟
وهل جرى بناء منظومات استقرار طويلة المدى؟
أم الاكتفاء بإدارة الأزمات؟
أين إسرائيل؟
إسرائيل ليست خارج القصة.
فكل تغير في ميزان القوى الإقليمي ينعكس عليها مباشرة.
وكل ارتفاع في مستوى التهديدات يفتح أمامها فرصًا وتحالفات ومبررات جديدة.
لكن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا:
هل الخوف وحده يبني نظامًا إقليميًا مستقرًا؟
التاريخ يقول لا.
فالخوف قد يصنع تحالفًا مؤقتًا.
لكنه لا يصنع سلامًا دائمًا.
الثور الأسود
في الرواية الشعبية، يتعاطف الجميع مع الثور الأبيض.
لكن قليلين يسألون:
من كان الثور الأسود؟
هل كان خائنًا؟
ربما.
وهل كان غبيًا؟
ليس بالضرورة.
ففي كثير من الأحيان لا تبدأ المأساة بالخيانة.
بل تبدأ بالحسابات القصيرة.
حين يعتقد طرف ما أن الخطر سيصيب غيره فقط.
وحين يظن أنه قادر على النجاة منفردًا.
وحين يقتنع أن سقوط الآخر قد يمنحه مساحة أكبر أو مكسبًا أسرع.
وهنا يصبح الثور الأسود ليس شخصًا ولا دولة.
بل عقلية.
عقلية ترى المصلحة الآنية أكبر من المصير المشترك.
وعلى امتداد التاريخ، لم تكن المشكلة أن الأسود كانت قوية دائمًا.
بل أن بعض الثيران كانت تعتقد أنها تستطيع عقد صفقة خاصة مع الغابة.
لكن الغابة لا تعترف بالصفقات المؤقتة عندما يختل التوازن.
ولهذا لم يكن الثور الأسود آخر الضحايا.
بل كان أول الخاسرين.
لأنه لم يفهم الدرس إلا بعد أن أصبح وحيدًا.
من يخدع من؟
بعد كل هذا العصف، قد تكون المفاجأة أن السؤال نفسه يحتاج إلى مراجعة.
فربما لا يخدع أحد الجميع.
وربما لا توجد غرفة سرية تدير العالم.
لكن المؤكد أن كل طرف يحاول أن يروي قصته الخاصة.
وأن كل طرف يريد للآخرين أن يروا المشهد من زاويته.
وهنا تصبح الخدعة الأكبر:
أن نرى الأحداث كما يريدها اللاعبون.
لا كما هي.
ماذا بعد؟
ربما لا يكون السؤال الأهم:
ماذا سيفعل الأعداء، الحقيقيون منهم أو الوهميون؟
بل:
ماذا ستفعل ؟
هل ستبقى تنظر إلى الألوان؟
أم ستنظر إلى المصير المشترك؟
هل ستظل أسير الخلافات الصغيرة، والإصرار على الخطأ، والاعتقاد بأنك وحدك على صواب؟
ذلك ما يمكن تسميته بـ "كبرياء الثيران".
أم ستدرك أن التحديات الكبرى لا تسأل عن لون الثور قبل أن تصل إليه؟
فالتاريخ لا يعيد نفسه.
لكنه يعيد اختبار من لم يتعلموا دروسه.
ومضة
في كل عصر يبحث الناس عن الأسد.
ويختلفون حول لون الثور الأول.
لكن التاريخ غالبًا يهمس بسؤال آخر:
من أقنع بقية الثيران أن موت جارها لا يعنيها؟
فالهزائم الكبرى لا تبدأ حين يهاجم الخصم.
بل حين تتحول المصلحة المؤقتة إلى بديل عن المصير المشترك.
ومن يومها لا يعود مهمًا إن كان الثور أبيض أو أسود.
لأن الغابة تبدأ بأكل الجميع.
على الهامش:
بعض الاعتقادات والتصورات المطلقة قد تعكس جمودًا في التفكير أكثر مما تعكس فهمًا للواقع.
فالإيمان المطلق بخرافة الثيران، أو بالمؤامرة بوصفها تفسيرًا لكل شيء، يحمل في داخله إسقاطًا سلبيًا غير مباشر.
نعم، الأمثال تُقرّب الفهم وتساعد على تبسيط الأفكار، لكنها لا تُغني عن التفكير النقدي ولا تُثبت صحة الاستنتاجات.
فالتآمر موجود في السياسة كما هو موجود في الحياة، لكن الإيمان بالمؤامرة على الوجه المطلق ليس دليل قوة أو وعي.
بل قد يكون اعترافًا ضمنيًا بالضعف، والعجز عن المواجهة، والبحث عن شماعة تُعلّق عليها الأخطاء بدلًا من معالجتها.
ويبقى السؤال الأخير:
في الأصل.. هل كان هناك أسد؟
أم مجرد خيال مآتة؟
BETH (بث B) – All rights reserved