أنا الجمهورية
إعداد وتحليل
إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
من عاصر الرئيس العراقي الراحل صدام حسين يتذكر عبارته الشهيرة عندما يبدأ بعض اتصالاته الهاتفية:
"أنا الجمهورية".
كانت جملة تختصر حالة اندماج الحاكم بالدولة، حتى بدا وكأن العراق وصدام شيء واحد.
ومن تابع محاكمته وهو داخل القفص، يتذكر كيف كان يردد:
"أنا رئيس جمهورية العراق.. والقائد الأعلى للقوات المسلحة."
كان يتحدث بلغة السلطة نفسها، وبالنبرة نفسها، وكأن شيئًا لم يتغير.
وفي إحدى الجلسات رد عليه القاضي رؤوف رشيد عبد الرحمن بعبارة أصبحت جزءًا من ذاكرة تلك المرحلة:
"خل عنك.. كنت.. لا تعيش الدور. انتهيت. الآن أنت متهم.. دافع عن نفسك."
وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع صدام حسين، فإن تلك اللحظة حملت درسًا سياسيًا عميقًا.
فالسلطة التي كانت تبدو أبدية انتهت.
والدولة التي كان يعرّف نفسه بها لم تعد قادرة على حمايته.
وبالمناسبة..
انتهت "الجمهورية" إلى الأنا الأخيرة.
وصادق رئيس الوزراء العراقي آنذاك نوري المالكي على حكم الإعدام الذي نُفذ فجر أول أيام عيد الأضحى عام 2006.
وما زلت أرى أن اختيار ذلك التوقيت كان خطأً استراتيجيًا فادحًا سيبقى محل نقاش طويل.
وربما تكشف الأيام أن بعض الثارات التي غذّت اضطرابات المنطقة لعقود تقترب من نهاياتها، مع تراجع وجوهٍ ارتبطت بتلك المرحلة، واقتراب طيّ صفحة طويلة من العبث الإقليمي .
فبغض النظر عن استحقاق العقوبة من عدمها، وبغض النظر عن مشاعر الناس تجاه صدام حسين، فإن تنفيذ الإعدام في صباح يوم العيد ترك جرحًا نفسيًا وسياسيًا عميقًا لدى كثيرين في المنطقة.
وربما لهذا السبب ما زالت بعض الشعوب تتذكر صدام حتى اليوم، رغم أنه كان واحدًا من أكثر الحكام العرب إثارةً للجدل، وأقلهم قدرة على قراءة موازين القوى من حوله في لحظاته الأخيرة.
لكن ما أعاد تلك الذكريات ؛ ليس العراق..
فالعراق، رغم ما مرّ به من حروب وجراح، سيعود كما عرفه التاريخ؛ أرضًا للعلم والمعرفة، وبلدًا حرًا يشارك في النهضة العربية الجديدة، ويسهم في صناعة مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للمنطقة.
بل إيران.
حين يتأخر وصول الخبر إلى صاحبه
من أغرب الظواهر في السياسة أن العالم أحيانًا يعرف نهاية المرحلة قبل أن يعرفها أصحابها.
هذا ما حدث مع صدام حسين.
ففي أيامه الأخيرة لم يكن السؤال عند خصومه:
هل سيسقط؟
بل:
متى سيدرك أنه سقط؟
كان ما يزال يتحدث كرئيس.
ويخاطب المحكمة كرئيس.
ويتصرف كرئيس.
بينما كانت الدولة التي يحكمها قد غادرت يديه فعليًا.
واليوم يبدو أن جزءًا من المشهد الإيراني يتحرك في الاتجاه ذاته.
فالخطاب الرسمي ما زال يتحدث بلغة القوة.
والحرس الثوري ما زال يتحدث بلغة من يفرض الشروط.
والمفاوض الإيراني ما زال يتصرف وكأن الزمن يعمل لصالحه.
بينما الوقائع اليومية تشير إلى أن ميزان القوى لم يعد كما كان.
المشكلة ليست في السقوط
الأنظمة لا تسقط فجأة.
السقوط الحقيقي يبدأ عندما يصبح الخطاب منفصلًا عن الواقع.
عندما يعتقد القائد أن الأدوات التي صنعت نفوذه قبل عقود ما زالت تعمل بالكفاءة نفسها.
وعندما يظن أن الآخرين ما زالوا يخافون منه بالمقدار نفسه.
وعندما يتعامل مع التحولات الكبرى وكأنها مجرد سحابة عابرة.
في تلك اللحظة يبدأ أخطر أنواع العمى السياسي:
أن ترى الماضي بوضوح..
ولا ترى الحاضر.
من "أنا الجمهورية" إلى "أنا الثورة"
هنا ؛ لا نقارن بين العراق وإيران.
ولا بين صدام حسين ونظام الملالي.
لكن نتأمل في ظاهرة سياسية تتكرر عبر التاريخ.
في الحالة الأولى، كان هناك حاكم يعتقد أن الدولة ما زالت تدور حوله.
وفي الحالة الثانية، يبدو أن هناك نظامًا ما زال يعتقد أن المنطقة تدور حوله.
في الحالتين يظهر السؤال نفسه:
هل ما زال الواقع يوافق هذه القناعة؟
أم أن أصحابها لم يسمعوا بعد الخبر الذي سمعه الجميع؟
فالمشهد الحالي يوحي بأن بعض أركان النظام الإيراني ما زالوا يتصرفون بعقلية مرحلة مضت.
مرحلة كانت فيها أذرع النفوذ تتمدد.
والعواصم تُربكها الرسائل الإيرانية.
والميليشيات تُستخدم كورقة ضغط إقليمية فعالة.
أما اليوم، فإن كثيرًا من تلك الأوراق تعرض للاستنزاف أو الاحتواء أو التراجع.
ومع ذلك، يبدو أن الخطاب ما زال يتحدث بلغة الأمس.
وهنا تكمن المشكلة.
ليس في حجم القوة المتبقية.
بل في الاعتقاد أن قواعد اللعبة نفسها لم تتغير.
المشهد الأخير
التاريخ لا يُسقط الأنظمة عندما تضعف فقط.
بل عندما ترفض الاعتراف بأن الزمن تغيّر.
وصدام حسين لم تكن مشكلته الأخيرة أنه خسر السلطة.
بل أنه ظل يتحدث وكأنها ما زالت بين يديه.
واليوم، وبينما تتصاعد الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية على إيران، يبرز سؤال يستحق التأمل:
هل ما زال بعض قادة طهران يعيشون داخل صورة إيران التي كانت؟
أم أنهم بدأوا يدركون أن المنطقة التي عرفوها قبل عشرين عامًا لم تعد موجودة؟
لأن أخطر لحظة في السياسة ليست لحظة الهزيمة.
بل اللحظة التي يستمر فيها المرء بأداء دوره القديم..
بعد أن يكون المسرح قد تغيّر كله.
فالمشهد انقلب، والأوراق التي منحت طهران نفوذها لعقود لم تعد بالقوة نفسها. وما كان يُدار بالمناورة وكسب الوقت، يبدو أنه يقترب اليوم من مواجهة الواقع الذي تأجل طويلًا.
BETH (بث B) – All rights reserved