إدمان العدو

news image

لماذا تحتاج بعض القوى إلى خصوم أكثر مما تحتاج إلى أصدقاء؟

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث | B

إشراف: عبدالله العميره
 

منذ أن عرف الإنسان الصراع، اعتاد أن يبحث عن تفسير بسيط لما يحدث حوله.

عدو هنا.

وخصم هناك.

وخطر يقترب من الحدود.

ومؤامرة تُحاك في الظلام.

لكن سؤالًا مختلفًا يفرض نفسه اليوم:

هل جميع الأعداء حقيقيون؟

أم أن بعضهم أصبح ضرورة نفسية وسياسية واقتصادية وإعلامية لا تستطيع بعض الأطراف العيش من دونها؟

وهنا تبدأ القصة.

العدو الذي يمنح المعنى

في كثير من الأحيان لا تتماسك الجماعات بسبب ما تحب.

بل بسبب ما تكره.

ولا تتوحد بسبب مشروع مشترك.

بل بسبب خصم مشترك.

ولهذا نجد أن بعض الأنظمة والأحزاب والجماعات والمؤسسات تبني جزءًا من هويتها على وجود عدو دائم.

فهو يبرر التعبئة.

ويفسر الإخفاقات.

ويحشد الأنصار.

ويمنح القيادة شرعية إضافية.

ويجعل الأسئلة الصعبة مؤجلة إلى إشعار آخر.

طالما أن الخطر ما زال قائمًا.

عندما يصبح الخصم ضرورة

المشكلة لا تبدأ بوجود الخصم.

فالاختلاف والصراع جزء من الطبيعة البشرية.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخصم إلى حاجة.

وعندما يصبح السلام تهديدًا لبعض المصالح.

ففي تلك اللحظة لا يعود السؤال:

كيف ننتصر؟

بل:

كيف نحافظ على وجود العدو؟

لأن اختفاءه قد يخلق أزمة أكبر من وجوده.

من يخاف السلام؟

قد يبدو السؤال غريبًا.

لكن التاريخ يقدم أمثلة كثيرة.

فبعض المؤسسات العسكرية تزدهر في أجواء التوتر.

وبعض وسائل الإعلام تعيش على الصراع.

وبعض الأحزاب تنمو في بيئة الاستقطاب.

وبعض الجماعات تفقد مبرر وجودها إذا انتهى الخطر الذي تأسست لمواجهته.

ولهذا قد يتحول السلام أحيانًا من حلم جماهيري إلى مشكلة لدى بعض المستفيدين من استمرار الصراع.

صناعة العدو

في مراحل معينة لا يتم اكتشاف العدو فقط.

بل يُصنع.

ويُضخَّم.

ويُعاد تعريفه.

وتُمنح له أحيانًا قدرات أكبر من حجمه الحقيقي.

ليس لأن الخطر غير موجود.

بل لأن تضخيمه يمنح فوائد إضافية.

فالخوف يوحّد.

والتهديد يحشد.

والخصم الخارجي يصرف الأنظار عن كثير من المشكلات الداخلية.

ولهذا لم يكن غريبًا أن يتحول "العدو" في بعض المراحل إلى أحد أهم الموارد السياسية والإعلامية.

الإعلام وإدمان الخصومة

الإعلام جزء من هذه المعادلة.

فبعض المنصات تزداد مشاهداتها كلما ارتفع مستوى الصدام.

وكلما ارتفعت حدة الغضب.

وكلما اتسعت دائرة الاستقطاب.

فالجمهور بطبيعته ينجذب إلى التوتر أكثر من انجذابه إلى الهدوء.

وإلى الخلاف أكثر من انجذابه إلى التوافق.

لكن الإعلام المهني لا يصنع الخصوم.

ولا يعيش على الكراهية.

بل يساعد الجمهور على فهم أسباب الخلاف وطرق تجاوزه.

وهنا يكمن الفارق بين إعلام يشرح الصراع.

وإعلام يتغذى عليه.

ماذا يحدث عندما يختفي العدو؟

هذا هو السؤال الذي تتجنبه بعض الأطراف.

فإذا اختفى الخصم فجأة:

من سنحمّل المسؤولية؟

ومن سنستخدمه لتبرير الإخفاقات؟

وكيف سنحافظ على التماسك الداخلي؟

وكيف سنحشد الأنصار؟

ولهذا نجد أن بعض القوى لا تخشى العدو بقدر ما تخشى غيابه.

الوعي.. العدو الحقيقي لإدمان العداء

حين يرتفع مستوى الوعي، يبدأ الناس بطرح أسئلة مختلفة:

هل الخطر حقيقي أم مبالغ فيه؟

هل الصراع ضروري أم مفتعل؟

من يستفيد من استمرار العداء؟

ومن يخسر إذا تحقق السلام؟

وهنا تبدأ المعادلة بالتغير.

لأن الوعي لا يقتل الخصوم الحقيقيين.

لكنه يكشف الخصوم المصنوعين.

ولا يمنع الصراعات الضرورية.

لكنه يمنع تحويلها إلى تجارة دائمة.

الخاتمة

ليست كل الحروب عبثية.

وليست كل الخصومات مصطنعة.

وليست كل المخاطر وهمًا.

لكن التاريخ يعلمنا أن بعض القوى لا تعيش على الانتصار فقط.

بل تعيش على استمرار المعركة نفسها.

ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم:

من هو العدو؟

بل:

من يحتاج إلى وجوده أكثر؟

ومضة

قد يكون أخطر عدو يواجهه الإنسان ليس الخصم الذي يقف أمامه...

بل الخصم الذي اعتاد وجوده حتى أصبح جزءًا من تعريفه لنفسه.

BETH (بث B) – All rights reserved