عندما يضحك الجمهور
احترام العقول في عصر الوعي الرقمي
كتب: عبدالله العميره
في الماضي، كان كثير من الرسائل السياسية والعسكرية والإعلامية يصل إلى الجمهور عبر قنوات محدودة.
وكانت مساحة المقارنة ضيقة.
أما اليوم، فقد تغير العالم.
الجمهور نفسه تغير.
وأدوات المعرفة تغيرت.
وسرعة الوصول إلى المعلومة تغيرت.
بل إن المتلقي العادي أصبح يمتلك أحيانًا قدرة على المقارنة والتحقق لم تكن متاحة قبل سنوات قليلة.
ولهذا لم يعد السؤال:
ماذا سنقول للجمهور؟
بل:
كيف سيفهم الجمهور ما نقول؟
وهنا تبدأ القصة.
أخطر ما يواجه الرسائل الإعلامية
يعتقد كثيرون أن أخطر ما قد تواجهه أي رسالة هو الرفض.
لكن الواقع يقول إن هناك ما هو أخطر من الرفض.
إنه السخرية.
فالرفض يعني أن الجمهور ما زال يناقش الفكرة.
أما السخرية فتعني أحيانًا أن الرسالة فقدت جزءًا من قدرتها على الإقناع.
ولهذا لا تخشى المؤسسات الذكية النقد بقدر ما تخشى أن تتحول إلى مادة للنكات.
لماذا يضحك الجمهور؟
لا يضحك الناس دائمًا لأن الحدث مضحك.
بل لأنهم يرون فجوة بين الرواية والواقع.
أو بين التصريح والانطباع الذي تكوّن لديهم.
أو بين ما يُقال وما يعتقدون أنهم يرونه بأعينهم.
وعندما تتسع هذه الفجوة، يظهر الضحك.
ثم تظهر السخرية.
ثم تبدأ النكات بالانتشار أسرع من الرسالة الأصلية نفسها.
الجمهور لم يعد كما كان
في زمن الإنترنت، لم يعد الجمهور مجرد متلقٍ.
بل أصبح:
قارئًا.
ومحللًا.
ومعلقًا.
وناشرًا.
وأحيانًا مدققًا للمعلومات.
ولهذا أصبحت قدرة الجمهور على كشف التناقضات أكبر من أي وقت مضى.
ولم يعد من السهل إقناع الناس برسالة لا تنسجم مع ما يشاهدونه أو يقارنونه أو يتداولونه فيما بينهم.
احترام العقول
من أكبر الأخطاء التي تقع فيها بعض الخطابات السياسية أو الإعلامية أنها تنشغل بإرسال الرسالة أكثر من انشغالها بطريقة استقبالها.
فتفكر في:
ماذا نريد أن نقول؟
وتنسى أن تسأل:
كيف سيفهمها الناس؟
وهنا يظهر الفارق بين الاتصال الحقيقي والدعاية.
فالرسالة الناجحة لا تُقاس بما يقوله المرسل.
بل بما يفهمه المتلقي.
ولهذا فإن احترام عقل الجمهور ليس قيمة أخلاقية فقط.
بل ضرورة مهنية.
متى تتحول الرسالة إلى مادة للسخرية؟
عندما يشعر الجمهور أن هناك مبالغة.
أو استعراضًا.
أو تجاهلًا لما يعرفه ويشاهده.
فالجمهور قد يختلف معك.
وقد يرفضك.
وقد يعارضك.
لكنه نادرًا ما يسامح من يستخف بذكائه.
ولهذا فإن بعض الرسائل التي صُممت لإظهار القوة قد تنتهي بنتيجة معاكسة تمامًا.
ليس لأن مضمونها خاطئ بالضرورة.
بل لأن طريقة تقديمها لم تنجح في إقناع المتلقي.
عصر الوعي الجديد
نحن نعيش اليوم في زمن مختلف.
زمن لم تعد فيه السلطة الكاملة للمتحدث.
بل أصبحت شراكة بين المتحدث والجمهور.
فكل رسالة تدخل إلى ساحة مفتوحة من التحليل والمقارنة والتعليق والسخرية وإعادة التفسير.
ولهذا أصبحت المعركة الحقيقية في كثير من الأحيان ليست على الأرض.
بل في العقول.
الخاتمة
قد تنجح بعض الرسائل في إثارة الخوف.
وقد تنجح أخرى في إثارة الحماس.
لكن الرسائل الأكثر نجاحًا هي تلك التي تحترم عقل المتلقي.
لأن الجمهور قد ينسى كثيرًا من التصريحات.
وقد ينسى كثيرًا من الشعارات.
لكنه لا ينسى بسهولة من احترم ذكاءه...
ولا من حاول أن يستخف به.
الرسالة ليست حكاية عجيبة تبتكر من خيال، وتُروى داخل دائرة مغلقة لمن يسلّمون بكل ما يُقال لهم.
فالرسالة الذكية هي التي تخاطب العقول الواعية، وتستطيع الصمود أمام أسئلة الأذكياء ..
لقد انتهى زمن الخرافة، وانتهى معه زمن إلباسها لباس الدين، والدين الصحيح منها براء. لقد بدأ زمن الأسئلة؛ ومعه يتراجع دور التابعين لأهل الخرافة أمام اتساع دائرة الوعي، نحو مساءلة الأفكار لا التسليم بها.